فيصل الأول.. أفضل زعيم في تاريخ العراق الحديث؟

نصبه البريطانيون ملكا لكن قلبه ظل معلقا بسوريا

حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
TT

فيصل الأول.. أفضل زعيم في تاريخ العراق الحديث؟

حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي
حياة «سيمون بوليفار العرب» الملك فيصل «ملك العراق» - تأليف علي علاوي

منذ فترة، كان لي حديث مع بعض الأصدقاء في بغداد، وقد تطرق ذلك الحديث لمناقشة السؤال عمن يمكن وصفه بأنه أفضل زعيم في تاريخ العراق منذ ظهور العراق كدولة حديثة في عشرينات القرن الماضي. وكان واضحا أن الجميع وجدوا صعوبة في طرح حتى اسم واحد، إذ وجدنا أن صفة «أفضل» لا يمكن أن تناسب أيا من الرجال الثمانية الذين تولوا السلطة في العراق حتى عام 2003. غير أنه وبعد تفكير وتدقيق اقترح أحد أصدقائي اسم فيصل الأول، أول ملك في تاريخ العراق المعاصر، وهو ما أثرى النقاش الدائر، على الرغم من أنه لم يستطع أحد منا سوق المبررات وراء اختيار فيصل الأول.
ويأتي كتاب «فيصل العراق» الذي يحكي سيرة الملك فيصل – أول ملوك العراق – ليجيب عن السؤال الذي طرح خلال النقاش عمن يعتبر «أفضل» زعيم في تاريخ العراق الحديث. وقد يذهب الكتاب بعيدا عن طريق الإيحاء بأن فيصل الأول يستحق لقب «الأعظم». وفي كتابه، يصف علاوي الملك فيصل بأنه «سيمون بوليفار العرب».
يقول علاوي: «من الصعب على المرء أن يجد في تاريخ العرب الحديث شخصية تجمع صفات القيادة وحنكة رجل الدولة مع مناقب الاعتدال والحكمة والكياسة».
ويذهب علاوي إلى أبعد من ذلك بإصراره على أن القومية العربية الواقعية، الهادفة والبناءة انتهت عندما مات فيصل الأول، لتحل محلها «قومية متقلبة، متشدقة وغاضبة»، فرضها الاتجاه الناصري و/ أو الاتجاه البعثي.
ويبدو واضحا في ثنايا الكتاب أن علاوي مغرم بصورة فيصل الأول المثالية، لكنه، على الجانب الآخر، لديه من الخبرة الأكاديمية ما يكفي لمنعه من تحويل كتاب يقع في 634 صفحة إلى خطاب غرامي طويل. ولهذا يمكن اعتبار كتاب «سيرة حياة فيصل الأول» – بغض النظر عن رؤية علاوي الرومانسية – هو أفضل بحث وتوثيق لما رآه المؤلف في سيرة الملك فيصل والتاريخ الحديث لدولة العراق المستقلة.
يبني علاوي شرعية أحقية الملك فيصل في أن يكون قائدا – ليس فقط للعراق، بل أيضا لـ«أمة عربية عظيمة» بغض النظر عن المكان والزمان – على مجموعة من المعطيات.
أول تلك المعطيات هو نسب الملك فيصل الأول، إذ تعود أصول عائلته إلى الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من ابنته فاطمة الزهراء. غير أنه تجب الإشارة إلى أنه لا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا أي من أحفاده الأوائل طالب بأحقيته في الحكم بناء على شجرة النسب الخاصة بهم، حتى أن الإمام الحسن نفسه عارض محاولات إجباره على المطالبة بتوليه الخلافة، وعقد اتفاقا مع معاوية ابن أبي سفيان، مؤسس خلافة الأسرة الأموية. حصل ذلك حتى كان عام 1827، عندما قام محمد على باشا – المعين من قبل الدولة العثمانية حاكما لمصر – بتنصيب محمد بن عون «شريفا» لمكة، ليبدأ بذلك حكم الأسرة التي ينتمي إليها الملك فيصل الأول. وقد لعبت الأحداث والمصادفات التاريخية دورا كبيرا في تشكيل الجوانب الأخرى من حياة الملك فيصل الأول. فبسبب الخلافات والمؤامرات العائلية، التي كانت تسيطر على بلاط الخلافة العثمانية، قضى فيصل شطرا كبيرا من طفولته ومراهقته في إسطنبول، وتلقى تعليمه على يد معلمين من أوروبا وتركيا وأرمينيا، فتعلم عددا من اللغات (الفرنسية والتركية والفارسية). وبعيدا عن نشأته وتربيته في بيئة عربية نمطية، أصبح فيصل – بفضل الفترة التي قضاها في إسطنبول – بعد عودته لدياره شابا يمتلك ثقافة عالمية.
المصادفة أو الحدث التاريخي التالي، الذي ساهم في تشكيل حياة فيصل الأول، جاء في عام 1917، عندما قرر ضابط الاستخبارات البريطاني المغامر، توماس إدوارد لورنس، اختيار فيصل من بين أبناء حسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، ليجري تسويقه على أنه ممثل «الثورة العربية»، التي كان يجري التخطيط لها للإطاحة بالخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب.
وكان لورنس قد اختار فيصل بعد أن وجد أن الابن الأكبر، علي، «متقلب المزاج ولا يعتمد عليه». أما عبد الله، ابن الشريف حسين الثاني، فقد كان معتدا بنفسه إلى درجة تجعل من الصعب على لورنس أن يسيطر عليه. وبالنسبة لآخر الأبناء، زيد، الذي كان من أم تركية، فلم يكن يهتم بالشأن العربي مطلقا، إذ كان يصب كل اهتمامه على كيفية الحصول على أكبر قدر من المال من البريطانيين. وأخيرا بقي فيصل ليكون هو المرشح لتقديمه للعرب على أنه الوجه الأمثل للثورة العربية ضد العثمانيين.
غير أن المشكلة التي كانت تتعلق باختيار فيصل هي أنه لم يكن «معتادا على حياة الصحراء»، حتى أنه كان يصر على اصطحاب الأثاث وأدوات المائدة الحديثة خلال حملات جيشه في المناطق الصحراوية. ولحرصه الدائم على أن يبدو أنيقا ومهندما، كان فيصل يصر على شراء ملابسه من كبريات العواصم الأوروبية (روما، باريس ولندن).
لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في طبيعة فيصل غير العسكرية، إذ إنه لم يكن محاربا وكان يكره منظر إراقة الدماء. ويروى عنه أنه عندما سمع بأن قوة تركية تتحرك باتجاه الموقع الذي يتمركز فيه عند ميناء صغير على البحر الأحمر، سارع باللجوء إلى سفينة حربية بريطانية حتى انتهت الأزمة.
وبالإضافة إلى ذلك، كان من الصعب تسويق فيصل على أنه زعيم يتبنى أفكار «الجهاد» المعروفة في الدين الإسلامي. فعلى الرغم من التزامه بأداء الفروض الدينية، فإنه كان منجذبا بشدة إلى أفكار «الإنسانية الحديثة». وكان فيصل من أشد المعجبين بالكاتب الفرنسي – ذي الأفكار المعادية للدين – أناتول فرانس، الذي التقى به في وقت لاحق بعدما صار ملكا.
ثم جاءت أهم الأحداث التاريخية عندما أزاحه الفرنسيون عن حكم سوريا، فنصبه البريطانيون ملكا على العراق. لكن ذلك القرار جاء بعد تردد كبير، فقد أراد البريطانيون في بادئ الأمر إقامة دولتين في بلاد الرافدين، واحدة في الشمال يحكمها «زيد» وأخرى في الجنوب يحكمها «عبد الله». وبعد الكثير من الخلافات والمشاحنات، نظر البريطانيون في إمكانية تحويل العراق إلى جمهورية، وهي الخطة التي عارضها ونستون تشرشل، الذي كان يتولى حينها منصب وزير شؤون المستعمرات، وأصر على بقاء العراق تحت النظام الملكي. لكن ذلك لم يكن نهاية القصة، فقد كان هناك الكثيرون داخل الحكومة البريطانية لديهم ترشيحات مختلفة للشخصية التي تتبوأ منصب ملك العراق، مثل عبد الرحمن الكيلاني (نقيب بغداد) وآغا خان (حفيد شاه فارس فتح علي شاه) والشيخ خزعل بن جابر الكعبي (حاكم المحمرة في جنوب غربي إيران) والأمير العثماني برهان الدين. وفي نهاية الأمر وبفضل حملة الدعاية النشطة التي قادها لورنس وحلفاؤه، بمن فيهم السير بيرسي سيكس، فاز فيصل الأول بعرش العراق.
ومن المؤكد أن فيصل كان سعيدا بأنه حصل على شيء في نهاية الأمر. لكن قلبه لم يسعد يوما - كما يقول علاوي في كتابه - بتوليه حكم العراق، حيث ظل قلبه معلقا بسوريا. وظل - حتى آخر نفس - يسعى جاهدا بشتى الطرق – مؤامرات وصلوات - للعودة إلى دمشق، حتى أنه في وقت من الأوقات روج لفكرة دمج العراق وسوريا تحت قيادته الملكية. وقد يعود هوس فيصل الأول بحب سوريا إلى حبه للحياة بجوار البحر وكراهيته الشديدة للطبيعة الصحراوية. فقد نشأ في تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) وشب في القصور العثمانية التي تطل على بحر مرمرة. وهكذا كان فيصل يشعر وكأنه محبوس داخل العراق الذي كان يعتبر نظريا دولة حبيسة (العراق يمتلك منفذا على الخليج بطول 75 كيلومتر).
ومع عدم القدرة على الإحساس بالسعادة فيما يخص العراق، حاول فيصل مناصرة قضية العروبة، حيث أحاط نفسه بمجموعة من الشخصيات من مصر ولبنان وسوريا وفلسطين. وفي وقت من الأوقات، أدلى فيصل بتصريحات غريبة مثل قوله بأن «العرب كانوا عربا قبل مجيء سيدنا موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليهم وسلم)». وعلى الرغم من ذلك، لم يقدم فيصل أي تعريف لـ«العرب» الذين يتخيلهم. وكان الأمر المؤكد هو عدم ملاءمة هذا الوصف للعراقيين.
ومرة كتب الملك فيصل قائلا «رحل الأتراك وأصبحنا الآن مثل الأيتام، فليس لدينا حكومة أو جيش أو نظام تعليمي. وعلاوة على ذلك، لا يتفهم السواد الأعظم من شعبنا مسألة حب الوطن أو الحرية أو معنى الاستقلال».
وكان العراق في أسوأ وضع مقارنة بالدول العربية الأخرى. وكتب الملك فيصل ليقول إن العراق «تفتقد للأمور الأساسية للوحدة الاجتماعية المتماسكة، وتحديدا وجود الشعب المتحد من خلال السمات العرقية المشتركة ومجموعة المعتقدات والديانة».
وكتب أيضا «يتمثل اعتقادي في عدم وجود شعب عراقي. لا يوجد سوى جماعات كثيرة متنوعة ليس لديها عاطفة وطنية. ولدى تلك الجماعات شعور قوي وأحاسيس بالخرافات والعادات الدينية المغلوطة. ولا توجد أسس وقواسم مشتركة فيما بينها».
تبدو سخافة هذه الرؤية واضحة للغاية، فكيف يمكن أن يكون لدى العراقيين «شعور وطني» حينما يكون ملكهم معينا من قبل قوة استعمارية أوروبية أنكرت وجودهم؟ وماذا سيعتقدون عندما يعتاد ملكهم على الاستعانة بقوات السلاح الجوي الملكي البريطانية للسفر إلى المناطق القبلية وإرهاب القبائل للرضوخ والامتثال؟
كانت فترة حكم الملك فيصل مليئة بالكثير من التوترات داخل المجتمع العراقي، بما في ذلك الثورات القبلية والحركات الاحتجاجية، حتى أن الأمر وصل في وقت من الأوقات إلى حدوث أول إضراب عام في تاريخ منطقة الشرق الأوسط. ومما يحسب للملك فيصل هو قدرته على التفاوض في أغلب الأوقات للتوصل إلى نهاية سلمية وتقييد الاتجاهات القمعية لمساعديه، بما في ذلك رئيس الوزراء نوري سعيد باشا، الذي كان يتمتع بنفوذ قوي، وكذلك وزير الداخلية.
ومع تقدمه في العمر واقتراب فترة حكمه من نهايتها، بالإضافة إلى تبدد حلم العودة إلى العرش في سوريا، حاول فيصل تقديم خارطة طريق للعراق. وجاءت تلك المحاولة في صيغة مذكرة مكونة من ثماني صفحات، حيث جرى إرسالها إلى عدد من الشخصيات «النافذة والمؤثرة» في المؤسسة الحاكمة. استغرق علاوي وقتا طويلا وبذل مجهودا كبيرا لاستعراض هذه المذكرة. وعلى الرغم من ذلك، فمن خلال القراءة الجيدة لهذه المذكرة، كان الأمر مزيجا من الحنين إلى الوطن والأماني. واقترح فيصل إعادة إنعاش النظام العثماني «النظام الملي» من خلال منح الأقاليم العراقية استقلالا أكبر. وحث فيصل أيضا على تكوين جيش لديه القوة الكافية لمحاربة «حالتي» التمرد ضده في آن واحد. ومن اللافت للنظر أنه لم يقترح كيفية منع اندلاع الثورات.
ويصور علاوي بمهارة كبيرة الجهود الدبلوماسية للملك فيصل خلال مفاوضات السلام في باريس، وبعد ذلك إنهاء الوصاية البريطانية على العراق والاعتراف بها كعضو في عصبة الأمم.
ومن بين الإنجازات الأخرى للملك فيصل هو بناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة للعراق، ولا سيما تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية.
وللأسف أن الحادث الأول الرئيس بعد فترة الوصاية على العراق كان متمثلا في مجزرة الآشوريين من قبل الجيش الذي جرى إنشاؤه حديثا بأوامر الملك فيصل. وزعم فيصل أن الآشوريين المتمردين لم يكونوا عراقيين بل «غزاة» من تركيا وإيران. وعلى ما يبدو أنه لم يعرف أن العراق كانت هي قلب الإمبراطورية الآشورية - الكلدانية لأكثر من 1000 عام. ووفقا لما فعله القادة العرب الآخرون فيما بعد، بما في ذلك صدام حسين وحافظ الأسد وبشار الأسد، كانت مجزرة الآشوريين بسيطة، حيث حصدت أرواح 341 شخصا من الرجال والنساء والأطفال.
وفي ضوء التدفق الرائع للقصة، يقدم لنا علاوي عملا رائعا يعد بمثابة منحة تاريخية وقراءة ممتعة. ويزخر هذا الكتاب بالحكايات النادرة بما يسلط الضوء على هذه الشخصية البارزة وحاشيته. ومن إحدى الطرائف التي أعجبتني شخصيا، عندما دخل فيصل وعبد الله في نقاش – حيث كانت العلاقة بينهما دائما تتسم بالتنافس بين الأشقاء – بشأن أعظم الشعراء الفارسيين، حيث كان عبد الله يفضل الشاعر سعدي، بينما يصمم فيصل على أن الشاعر حافظ هو الأفضل.
إن الرجل الذي يكن التقدير لشاعر مثل حافظ لا يمكن أن يكون سيئا.
ولكن مسألة «الأعظم» تعتبر قصة أخرى.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟