فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

تراجع تأثير الكنيسة في الحياة الاجتماعية والسياسية وتراجعت ممارسات الطقوس من طرف الأفراد

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية
TT

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

فكرة العلمانية في ضوء مستويات التدين داخل المجتمعات الغربية

عندما نقول إن المجتمعات الغربية مجتمعات علمانية، يكون المقصود بذلك تراجع الكنيسة عن التأثير في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما كانت تفعل في العصور الوسطى. وبالمقابل، تراجعت الممارسات الطقوسية الدينية من طرف الأفراد، كحضور القداس والتعميدات والجنائز وطقوس الزواج إلى غير ذلك، حيث يصبح الدين مسألة شخصية وقناعة فردية لا غير، ويكون الإنسان الغربي غير ملزم باعتقادات معينة مفروضة من الدولة أو الحكومة يجب أن يؤمن بها، أو ممارسات محددة يتوجب عليه القيام بها، ليصبح صوت رجال الدين خافتا ويحل محله صوت العلم، والقانون، والحرية الشخصية، والأخلاق الفردية، كمبادئ ينبغي الالتزام بها عوض المبادئ الدينية.
في هذا المقال، نجد مقاربة سوسيولوجية للدين، تتأسس على أبحاث ميدانية ومعطيات إحصائية حديثة للوضع الديني في الغرب. ونريد من وراء ذلك، إثارة الانتباه إلى أن فكرة العلمانية التي تنعت بها أوروبا، والتي تعد باللاتدين، وتراجع الدين من الحياة الاجتماعية، وتراجع التكتلات المؤسسة على مرجعيات وأفكار دينية، وكذلك تقلص الالتزام الديني الفردي، هذه الفكرة، تتعارض مع الأبحاث الميدانية لمستويات التدين التي تنجز في كل من أوروبا وأميركا، حيث يعد ظهور الأفكار الدينية الأصولية في الولايات المتحدة الأميركية، ومعاداة المهاجرين من ذوي الديانات الأخرى، خاصة الإسلام، والتضييق على عباداتهم، والإسلاموفوبيا، الأحداث الأكثر تأثيرا التي قادت إلى مراجعة التفكر في الدين داخل المجتمعات الغربية. فهل الغرب علماني فعلا، كما يتم الترويج له، أم أن حضور الدين فيه لا يزال قويا وله تأثيره الكبير على الحياة الفردية والاجتماعية داخل المجتمعات الغربية؟

* الاعتقادات والالتزامات الدينية في أميركا
تحوز الاعتقادات الدينية أهمية عالية في الولايات المتحدة. وتكشف متابعة الرقابة الاجتماعية العامة، أن ما يقارب 63 في المائة من الأميركيين لا شك لديهم في وجود الله، في حين أن 2.2 في المائة فقط لا يؤمنون بالله، وما يقارب ثلث الأميركيين يعتقدون بأن الكتاب مقدس وهو كلام الله الحق، وأكثر من 80 في المائة يرونه إلهاما إلهيا، كما يؤمن 77 في المائة بالجنة، و63 في المائة بالجحيم، و58 في المائة بوجود الشيطان. يضاف إلى هذا، أن 61 في المائة من الأميركيين ينتمون إلى جمعيات دينية، و29 في المائة يرتادون الكنيسة مرة في الشهر على الأقل، و22 في المائة يشاركون في الخدمة الاجتماعية ذات الدوافع الدينية، وينفقون عليها نسبة معتبرة من أموالهم تعادل 440 دولارا سنويا للعائلة.
وثمة مظهر جلي للتدين الأميركي هو التنوع، حيث تعتبر التعددية الدينية مقوما أساسيا للدين في الولايات المتحدة. فهناك ما يزيد على 2100 جماعة دينية، و26 في المائة من البروتستانت، و25 في المائة يعرفون ذواتهم ككاثوليك، و5.2 في المائة من اليهود، و9 في المائة ليسوا متدينين. وتبين الأبحاث، أن الاعتقادات والسلوكيات الدينية، تتأثر بعوامل متعددة، خاصة تلك المتعلقة بالاحتضان العائلي، حيث يلعب الآباء دورا مهما في توجيه أبنائهم إلى وجهة دينية معينة، كما تلاحظ المشاركة الكبيرة للنساء في الحياة الدينية، حيث يملن إلى نبذ اللاتدين. كما أن الكثير من المطالب السياسية في الولايات المتحدة، تلبس لباسا دينيا، كمطالبة السود بالحقوق، ومطالبة الشعوب اللاتينية بالعدالة الاجتماعية. في حين يؤثر الدين في جوانب أساسية في حياة الفرد الأميركي كالعلاقات الاجتماعية، الصحة الجسدية والنفسية، وبناء علاقات إيجابية مع الغير، وغيرها من الحسنات التي تجلبها الحياة الإيمانية.
هكذا نستنتج أن الدين لا يرفض التواري في الولايات المتحدة الأميركية وحسب، بل يواصل تأثيره على الانتماءات السياسية، والعلاقات الأسرية، والصحة، والرفاهية، والفضاء الاجتماعي الحر، والرأسمال الاجتماعي، وهو صناعة مهمة في أميركا، ومكون أساسي للقطاع غير الربحي في الاقتصاد.

* الدين في المجتمعات الأوروبية
غالبا ما يقوم كثيرون بمقارنة أوروبا الحالية بأوروبا العصر الوسيط، ويعتقد كثيرون بأن أوروبا المعلمنة اليوم، أقل قدسية من أوروبا العصور الوسطى. لكن مؤرخي الدين جمعوا شهادات تثبت أن العامة في القرون الوسطى، كانت غير متدينة فعلا. فالفلاحون كانوا يعبدون بعض الأرواح التي عبأها الفلكلور بمدلولات مسيحية. والحضور إلى الكنيسة كان، في كثير من الأحيان، يتسم بالعبث واللامسؤولية، والقيام بتصرفات مخلة بالأخلاق وبقدسية الكنيسة وهيبتها. أما الكنيسة، فقد كانت دائما ظاهرة حضرية. فمن النادر مشاهدة قس في الأرياف. كما أن الإحصائيات ظلت ضعيفة حول التدين، ولو قوربت بمقاربات القرن 20 لاعتبرت أوروبا آنذاك علمانية.
إذا كنا ننعت الغرب بالعلمانية، ونعتقد بأنه قد رفع يده عن الدين وتركه للحرية الشخصية، فإن الواقع يظهر عكس ذلك تماما. فالوضع الديني في أميركا يختلف عنه في أوروبا. فإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تشرعن التعددية الدينية، فإن أوروبا تشهد احتكارات دينية، حيث المجال الديني مؤطر بسياسة دينية قوية، ولا يقل في ذلك شأنا عن احتكار المجال الديني الذي يحدث في الكثير من الدول العربية كالمغرب، والسعودية وإيران وغيرها.

* أوروبا الكاثوليكية
تفرض إيطاليا الكاثوليكية رقابة كبيرة على النواحي الدينية داخلها، فحتى سبعينات القرن الماضي، لم يكن بإمكان الكهنة البروتستانت إجراء قداس الزواج في إيطاليا. فقد كان الكهنة الكاثوليك هم من يمتلكون الحق في ذلك، وليس بإمكان البروتستانت فسخ عقود زواجهم إذا ما أقر من الكنيسة الكاثوليكية. وبالإضافة إلى هذا، يسجل القانون الإيطالي حتى الآن، تضاعف مستوى العدائية ضد الإكليروس البروتستانتي. ونجد أن الإذاعة والتلفزة الحكوميتين تبثان أسبوعيا، ساعات عدة من البرامج الكاثوليكية. أما البروتستانت، فلا يمنحون إلا 20 دقيقة أسبوعية في الإذاعة، و15 دقيقة فقط في التلفزة.
أما بالنسبة لبلجيكا، فقد عملت على محاربة الطائفة المسيحية المعروفة بشهود يهوه، وهي طائفة مسيحية لا تعترف بالطوائف المسيحية الأخرى، ويتميز اتباعها بوعظهم التبشيري الدءوب، بالذهاب إلى أصحاب البيوت، وعرض دروس بيتية مجانية في الكتاب المقدس، ورفضهم لمظاهر الاحتفالات التي يزاولها أغلب المسيحيين بميلاد المسيح. كما أنهم لا يؤمنون بالثالوث ولا بشفاعة القديسين، ولا بنار الهاوية كوسيلة لتعذيب الأشرار. وهي طائفة انبثقت في الولايات المتحدة الأميركية، وجرى تجريم الانتماء لها سنة 1974. وكانت الشرطة تعمل على تعنيفهم بقسوة. أما إسبانيا فقد أصدرت سنة 1992 قانونا يسمح بالتعددية الدينية، ووسعت من مساهماتها المالية تجاه كل التيارات الدينية. هذه الملاحظات حول الاحتكارات والسياسات التوجيهية للدين، تتنافى بشكل كبير مع شعارات الدولة العلمانية، التي يشاع أنها توارت ورفعت أيديها عن المجال الديني في الغرب.

* أوروبا البروتستانتية
في الدول البروتستانتية، يوجه إكليروس الكنائس الأمور حسب مرادهم. فالجانب الديني مؤطر بقوانين ملكية، بصفة الملك راعي الكنيسة الذي يعين رؤساء الأساقفة والأساقفة. وكما هو معلوم، يولد المواطنون السويديون منتمين بالوراثة إلى الكنيسة. أما في إسكندنافيا فتهيمن شروط مشابهة، إذ إن للبرلمان الدنماركي سلطة واسعة على الكنيسة.
أما آيرلندا فتظهر فيها مستويات عليا من الدين المنزلي. كما أن الاعتقاد في خلود الأرواح شائع. يتصرح 75 في المائة من السكان باعتقادهم في الله. في حين يكشف 1 في المائة فقط، عن إلحاده. وباستثناء النرويج والسويد، فإن أغلب أفراد كل دولة تطبعهم سمات الشخصية المتدينة. كما أن اختلافات التدين الشخصي بين الدول المعلمنة والدول الورعة، أقل بكثير مما يأمله منظرو العلمنة. ففي الدول السبع، يعتقد معظم الناس في حياة بعد الممات، ويرون أن الكتاب مقدس موحى من الله، أما الثلث فهم فقط الذين يعدون أنفسهم غير متدينين.
يمكن أن نستنتج من كل هذا أن العلمانية كفكرة، تحتاج اليوم إلى مراجعة، وإلى تخليصها مما علق بها من طبقات مترسبة من الأوهام، حتى أصبحت حقيقة لا مناص من التعلق بها، ما دام أن الواقع اليوم، يفرض علينا الفحص النقدي لهذه الفكرة، حتى لا تبقى حقائق ووثوقيات لا يتسلل الشك إليها.

*أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي، المغرب.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.