المنطقة الآمنة.. الحل السحري التركي للأزمة السورية

دونها عقبات كبيرة أبرزها ممانعة واشنطن

المنطقة الآمنة.. الحل السحري التركي للأزمة السورية
TT

المنطقة الآمنة.. الحل السحري التركي للأزمة السورية

المنطقة الآمنة.. الحل السحري التركي للأزمة السورية

منذ اتضحت نية اعتماد النظام السوري القمع الدموي للثورة الشعبية التي تفجّرت في درعا خلال مارس (آذار) 2011 طرحت أوساط عدة فكرة إنشاء «ملاذات آمنة» تحمي النازحين من جهة، وتشجع حدوث مزيد من الانشقاقات في جيش النظام ومؤسساتها الحكومية – ولا سيما الأمنية – وكان الكلام يتركز على منطقتين اثنتين هما شمال سوريا على الحدود مع تركيا، وفي الجنوب السوري على الحدود مع الأردن. ومن ثم، تكرّرت الدعوات إلى إنشاء مثل هذه الملاذات مع تصعيد النظام مستوى قمعه، وتدرجه من القصف المدفعي إلى الأسلحة الكيماوية، ومنها إلى البراميل المتفجرة. ولكن مرة تلو المرة رفضت الولايات المتحدة الدعوات بذرائع مختلفة وأجهضت أي مسعى يجسّد توجهات جدية لإنشاء الملاذات. وفي نتيجة الأمر، أضعف الموقف الأميركي السلبي زخم الثورة، بينما انغمست كل من إيران وروسيا علانية بتقديم كل أشكال الدعم التسليحي والتجهيزي والبشري لقوات النظام المتهالكة في مختلف الجبهات. وفي ما يلي نتطرق إلى اللغط الذي تزايد في الآونة الأخيرة عن إنشاء «منطقة آمنة» في ريف حلب الشمالي، تجول دون اجتياح تنظيم داعش المنطقة.

تراجع الحديث في تركيا عن «المنطقة الآمنة» التي يقال إن أنقرة اتفقت مع الولايات المتحدة على إنشائها في منطقة عند الحدود السورية بامتداد على مسافة 100 كيلومتر وبعمق يصل إلى 45 كلم، لكن هذا لا يعني أن تركيا تراجعت عن هذا المشروع الذي لوّحت به منذ بدء الأزمة السورية كخيار مثالي بالنسبة لأمن تركيا ولدعم المعارضين السوريين الذين انحازت أنقرة إلى صفهم بعد أن يئست من تجاوب النظام السوري مع طروحاتها ووساطاتها.
وتعتبر المنطقة الآمنة في الشمال السوري بمثابة «الحل السحري» من وجهة النظر التركية، ولهذا تطرحها في كل مفصل من مفاصل الأزمة، من دون أن تلقى تجاوبًا دوليًا، وخصوصًا من قبل الولايات المتحدة الأميركية. ويقول الناطق بلسان رئاسة الجمهورية التركية إبراهين قالن، إنه «لا توجد معادلة سحرية لإنهاء الحرب على الفور، ولكن ثمة قطعة في اللغز من شأنها أن تنقذ حياة الأبرياء وإجبار نظام بشار الأسد على القدوم إلى طاولة المفاوضات ضمن إطار (جنيف واحد) و(جنيف اثنين). والقطعة هي إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا يفرض فيها حظر للطيران لحمايتها، وهو الاقتراح الذي تقدّمت به تركيا منذ عدة سنوات». واعتبر أن مقترح المنطقة العازلة «أصبح اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى في ظل الانتهاكات المستمرة لنظام الأسد بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، أضف إلى ذلك توسع (داعش) في المنطقة بأسرها».
غير حسابات الحقل التركية، لا تتطابق مع حسابات البيدر الأميركي. ومن يشهد الجدل التركي – الأميركي غير المباشر، الذي دار في الأسابيع الأخيرة يدرك هذا التباين. فالأميركيون سارعوا في أكثر من مناسبة إلى نفي تصريحات تركية عن التوصل إلى اتفاق على إنشاء «منطقة آمنة» في الشمال السوري. فما يكاد مسؤول تركي يتحدث في الموضوع، حتى ينبري مسؤول أميركي إلى النفي. ويقول مصدر في «الائتلاف الوطني السوري» المعارض لـ«الشرق الأوسط» إن الأمور كانت قبل 10 أيام في طور النقاش بين الأميركيين والأتراك، وتوصلوا بالفعل إلى اتفاقات على منع وجود عناصر لقوات «وحدات حماية الشعب» الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، غرب نهر الفرات، لكنه أشار إلى «نقاط خلافية لا تزال عالقة بين الطرفين، تتمحور حول تفاصيل دور كل طرف والتزاماته ونقاشاته حول القضية».
ويشير المصدر إلى أن الأميركيين بشكل عام «لم يبدوا حماسة في البداية لإنشاء المنطقة الآمنة، في وقت كان الأتراك يدفعون لإنشائها»، لافتًا إلى أن واشنطن «دعمت المقترح التركي في النهاية، ووجدت ضرورة في عدم ترك تركيا وحيدة، بسبب المعادلة الإقليمية التي تتضمن تنامي نفوذ إيران في المنطقة». وإذ يؤكد أن قرار إنشاء المنطقة الآمنة «هو قرار دولي أولاً وأخيرًا، وليس قرارًا محليًا»، يشير المصدر نفسه إلى «عقبات وصعوبات أرجأت التنفيذ إلى وقت محدد، لكنها لم تلغه».
هذا المشهد لا يتطابق مع رؤية العسكريين الذين يرون أن إنشاء المنطقة الآمنة «لم يعد حاميًا»، وذلك على ضوء «تمدد تنظيم داعش أكثر في الريف الشمالي لحلب»، كما يقول مصدر عسكري معارض لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن مقاتلي «الجيش السوري الحر» خاضوا معارك عنيفة مع «داعش»، أسفرت عن تقدم التنظيم في محيط بلدة مارع «من غير تدخل من طائرات التحالف ضد التنظيم المتطرف، أو تدخل المدفعية التركية علمًا بأن مناطق الاشتباك هي ركن من جغرافيا المنطقة الآمنة». ويعرب عن مخاوفه من أن يكون تنفيذ المنطقة الآمنة «دخل مرحلة التوقف المؤقت، في ظل انعدام المساندة الحقيقية للثوار»، وسط معلومات تتحدث عن تراجع الدعم لـ«الجبهة الشامية» المقرّبة من الأتراك.
وأكد مصدر سوري معارض لـ«الشرق الأوسط» أن مسألة وجود «جبهة النصرة» في المنطقة الآمنة المرتقبة، كاشفًا عن أن «جبهة النصرة» أخلت منذ أيام آخر قواعدها فيها، وسلمتها للواء السلطان مراد الذي دخل عبر الأراضي التركية. وأشار المصدر إلى أن هذا الفصيل المعارض «مرشح للعب دور بارز في حماية المنطقة الآمنة». لكن المصدر نفسه أكد وجود تباينات حقيقية في الموضوع بين أنقرة وواشنطن، موضحًا أن الخلاف يتركز على الجهة التي سوف تحمي المنطقة. وشرح: «هناك جدال عميق بين الطرفين، وهناك تحفظات حقيقية لدى الجانب الأميركي»، مشيرًا إلى أن الأميركيين أبلغوا الأتراك أنهم لن يوفروا غطاءً جويًا إلا للفصائل التي درّبوها، وبالتالي يضع الأميركيون «فيتو» غير مباشر على الموضوع، على اعتبار أن عدد المقاتلين المدربين من قبل الأميركيين قليل جدًا. كذلك أشار إلى تباين آخر يتعلق بجماعة «أحرار الشام» التي ترى أنقرة لها دورًا محوريًا في هذه المنطقة، في حين يصر الأميركيون على تحفظهم بشأنها».
وفي المقابل، قال مصدر في الحكومة السورية المؤقتة لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل جارٍ على قدم وساق من الجانب السوري (المعارض) بشأن المنطقة الآمنة. وأوضح المصدر أن ثمة قوة مؤلفة من 635 مقاتلاً تم إعدادها لتكون نواة القوة التي ستحمي مؤسسات المعارضة، مشيرًا إلى أن هؤلاء يأتمرون بأمر الحكومة المؤقتة، ورئيس الأركان في وزارة الدفاع فيها.
وعلى الرغم من الاندفاع التركي بهذا الخصوص، فإن خبراء أتراكًا يشكّكون بإمكانية قيامها. إذ يوضح الخبير العسكري التركي تركار إيرترك، وهو أميرال متقاعد، لـ«الشرق الأوسط» أنه «من الصعب أن تقوم تركيا بعمليات عسكرية حقيقية وموجعة ضد (داعش) و(جبهة النصرة) لأنها تعرف ما يمكن أن تفعله تلك التنظيمات» مبرّرًا ذلك بأنه حسب الأرقام الرسمية للدولة فإنه يوجد الآن مليون ونصف مليون سوري و500 ألف عراقي على الأراضي التركية، وهؤلاء منتشرون في المدن التركية». ويشرح أنه «يوجد بين هؤلاء المواطنون المتضررون فعليًا الذين يريدون اللجوء من أجل البقاء على قيد الحياة، ولكن يوجد بينهم من ينتمي إلى المنظمات الراديكالية مثل (داعش) و(جبهة النصرة)، وهذا يعني أنه يوجد المئات من الخلايا النائمة الآن في تركيا».
ثم يشير إيرترك إلى «بروتوكول إنجيرليك» الذي وقّع أخيرًا بين الولايات المتحدة وتركيا، والذي ينص على «تنظيف» منطقة طولها 100 كيلومتر وعمقها 45 كيلومترًا من مقاتلي «داعش» مقابل أن يستخدم الأميركيون المطارات الحربية التركية وعلى رأسها قاعدة إنجيرليك»، مستطردًا أن «الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من تطهير هذه المنطقة من (داعش) هو وصل الكانتونات الكردية بعضها ببعض بداية من الشرق حتى تصل إلى جرابلس غربًا، أو بمعنى آخر هو ربط عين العرب بجرابلس ومن ثم الاستمرار في الاتجاه غربًا إلى أن يصلوا إلى عفرين، ومنها إلى مياه المتوسط»، محذرًا من أن اتفاق إنجيرليك هو خطوة خطيرة على طريق تأسيس كيان في سوريا مشابه للكيان في شمال العراق». ورأى أيضًا أن «الولايات المتحدة تختلف في الأهداف عن تركيا التي تريد أن تقيم منطقة آمنة لكي تحد من الهجرة إلى تركيا، بينما واشنطن تهدف إلى شيء آخر، ولهذا لن تسمح بقيام هذه المنطقة. ولقد أعلنت في أكثر من مناسبة أنها لم تتفق مع تركيا على إنشاء منطقة عازلة وأنها فقط تعلن أنها تريد أن تطهر المنطقة من (داعش)».
وفي اعتقاد إيرترك أن «التدخل العسكري التركي المباشر غير ممكن لأن الولايات المتحدة تعارض دخول الجيش التركي إلى الأراضي السورية، كما أن قادة القوات التركية يرفضون دخول الأراضي السورية لأن المؤسسة للعسكرية في تركيا لا تريد دخول مستنقع الشرق الأوسط الذي سيترتب علية نتائج غير محمودة يمكن أن تستمر لعدة عقود».
وفي المقابل، ثمة مقاربة مختلفة للخطوات التركية، يتحدث عنها الدكتور سفاش غينتش، الأكاديمي والباحث في قسم العلاقات الدولية في جامعة الفاتح، الذي يعتبر أن «الموضع لا يتعلق بما يجري في سوريا، بل بالنتائج التي أسفرت عنها انتخابات 7 من يونيو (حزيران) الماضي في تركيا». وفي حوار مع «الشرق الأوسط» قال غينتش: «بعدما استطاع حزب ديمقراطية الشعوب أن يصبح حزبًا يحصل على أصوات الأكراد والأتراك وباقي الإثنيات في تركيا عاد شبح الإرهاب للظهور في تركيا من جديد»، متهمًا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه «عمل كل ما في وسعه للحيلولة دون تشكيل حكومة ائتلاف لأنه لا يريد أن يشارك أي حزب آخر في السلطة». وحسب غينتش فإن ما تقوم به تركيا راهنًا في الحرب على داعش «هو فقط لذرّ الرماد في العيون لأن تركيا ترى كلاً من (داعش) و(جبهة النصرة)، وغيرهما من التنظيمات المتطرفة في سوريا قريبة أو حليفة لها على أساس عدو عدوي (أي النظام السوري) صديقي، كما أن (داعش) يعتبر عدوًا لحزب الاتحاد الديمقراطي الذراع السورية لتنظيم (ب ك ك) الكردي في سوريا. أي العداء مشترك لهذا التنظيم بين تركيا و(داعش)». ويضيف الباحث التركي ملاحظًا أن الحكومة التركية «تحاول إقناع الرأي العام بأنها تحارب إرهاب (ب ك ك) ولا تريد أن تفتح جبهة ضد (داعش) لأن (داعش) قد يشن إذ ذاك عمليات موجعة داخل تركيا».
ووفق غينتش فإن «الولايات المتحدة مصرّة على رفض إنشاء منطقة آمنة من دون تدخل قوات مشاة على أساس أنه لا يمكن التحكم بالمنطقة من دون وجود جنود على أرض الواقع». ويلفت إلى أن «العقبات التي ظهرت في وجه برنامج التدريب الأميركي (للمعارضة السورية) عقّدت الأمور»، معربًا عن اعتقاده أن المنطقة الآمنة «لن ترى النور لأن الولايات المتحدة لا تريدها».
وفي المقابل، يعترف جيم كوجك، الكاتب في جريدة «يني شفق» الموالية بوجود «خلافات بين الإدارة الأميركية والقيادة التركية» ويقول إن هذه الخلافات «لم تبدأ مع الربيع العرب، وإنما عام 2003 عندما رفض البرلمان التركي أن تستخدم قوات التحالف بقيادة واشنطن استخدام الأراضي التركية لاحتلال العراق والإطاحة بحكم صدام حسين».
ويتابع كوجك في حديث لـ«الشرق الأوسط» مفصلاً أن «تركيا تنظر إلى المنطقة من منطلق الحريات والإرادة الشعبية، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة من خلال مصالحها فقط.. وبعد الربيع العربي كانت مواقف البلدين متفقة في ما جرى في تونس ومصر وليبيا، ومن ثم في سوريا، غير الخلافات سرعان ما دبّت بعد الانقلاب العسكري (التغيير بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي) في مصر». ويذكر كوجك أن أنقرة ما زالت تدعم حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي في مصر، بينما «عدلت الولايات المتحدة ومعها الدول الغربية عن مواقفهما وأيّدوا السيسي، وكذلك عدلت الولايات المتحدة عن الوقوف إلى جانب الإرادة الشعبية في سوريا»، معتبرًا أن واشنطن «لا يضيرها سواءً رحل الأسد أم بقي في الحكم».
كوجك يشدد على أن موضوع المنطقة الآمنة «مهم جدًا وحساس جدًا بالنسبة لتركيا، وخاصة أن الاشتباكات في سوريا والعراق أدت إلى هجرة مئات الآلاف من تلك البلدين إلى تركيا. كذلك يوجد بين هؤلاء اللاجئين الصالح والطالح والمواطن العادي المسكين الذي يريد أن ينجو بنفسه والمدسوسون من الإرهابيين أو من عناصر المخابرات». ثم يقول: «تركيا تريد من خلال إنشاء هذه المنطقة الآمنة أن تتحقق من هوية القادمين إلى أراضيها، وأن تتحكم أيضًا في عدد المهاجرين لكي تحافظ على أمنها القومي.. أما الآن فيوجد أكثر من مليوني نازح سوري على الأرضي التركية، مع العلم بأن جزءًا من الذين نزحوا بعدما سيطر (داعش) على بلدة عين العرب عادوا إلى أراضيهم، وأيضًا عاد معهم آلاف من الشباب الكردي التركي، ولقد جرى تدريبهم على السلاح من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي جناح (ب ك ك) في سوريا، وهذه معضلة ثانية فلو كانت هذه المنطقة (آمنة) حقًا لما كان بإمكان شباب تركيا الدخول والخروج بكل هذه البساطة إلى سوريا».
وحسب كوجك «كانت واشنطن في البداية تؤيد إنشاء مثل هذه المنطقة، ذلك أن الأميركيين كانوا ينوون إقامة المنطقة قبل 3 سنوات عندما استخدم بشار الأسد الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. ولكن عندما تحوّل الاتحاد الديمقراطي حليفًا (أي واشنطن) لها بدأت بالتخلي عن فكرة المنطقة الآمنة. واشنطن تقيّم الخطوات التي تقوم بها حسب منطقها ورؤيتها للتطوّرات ولكن هذه الرؤية لا تتماشى مع المصالح والأمن القومي التركي». ويردف أن «تركيا حاولت تغيير مجريات الأحداث في سوريا عن طريق إنشاء المنطقة العازلة، ولكن الأميركيين لم يشجعوا الخطة التركية». وعن احتمالات المستقبل على هذا الصعيد يقول كوجك: «لدينا مع سوريا حدود بطول 900 كلم، وهي حدود من الصعب التحكم بها ولعلها تشبه الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وبالتالي، فإن إنشاء هذه المنطقة داخل الأراضي التركية لن يجدي أي نفع، لأنه في حال جعل هذه المنطقة داخل الأراضي التركية فإن تركيا ستكون إذ ذاك مضطرة لقبول جميع القادمين إلى أراضيها ومضطرة للسماح لهم بحرية التنقل داخل الأراضي التركية، ولهذا تصر تركيا على إنشاء هذه المنطقة على الأراضي السورية».
وردًا على الاتهامات بأن تركيا تدعم تنظيم داعش وتسلّحه، يؤكد كوجك أنه «لا يوجد أي دليل قاطع لإثبات الادعاءات»، متابعًا: «تركيا أعلنت تنظيم داعش منظمة إرهابية فكيف لها أن تدعمه؟ وهي الآن من أكثر الدول فعالية في الحرب على (داعش)، ثم إن واشنطن تمتلك أحدث وأدق أجهزة التجسس والاستخبارات في العالم، كما تمتلك القدرة على اختراق جميع أنظمة الدول، فلماذا لم تبث أو تعلن عن أي وثيقة أو صور لعلاقة تركيا بداعش.. الجواب بسيط لأن تركيا لا يوجد لها أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بداعش».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.