رسمي أبو علي يتذكر مجلة «الرصيف» ومقهى «أم الريس» في بيروت

في جلسة جمعته مع الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور

رسمي أبو علي يتذكر مجلة «الرصيف» ومقهى «أم الريس» في بيروت
TT

رسمي أبو علي يتذكر مجلة «الرصيف» ومقهى «أم الريس» في بيروت

رسمي أبو علي يتذكر مجلة «الرصيف» ومقهى «أم الريس» في بيروت

في أمسية جمعت الشاعر رسمي أبو علي وصديقه الشاعر أحمد دحبور، في مدينة رام الله، كان الحديث بين الاثنين حميميًا، اتقدت فيه المشاعر كما الذاكرة، حيث بدءا بسرد الحكايات بتلقائية.
بدأ رسمي أبو علي حديثه بالتأكيد على أن الحديث عن تجربة «الرصيف» حديث طويل، واصفًا التجربة بأنها حركة المهمشين، ومن هم مهشمون الآن، أو من سوف يهمشون في المستقبل، لافتًا إلى أن «الرصيف يتسع يومًا بعد يوم إلى حد ما»، مستذكرًا جملة هنري ميلر في كتابه عن رامبو «إن المصير الذي يقودون إليه الشعب، هو المصير الذي ينتظرهم جميعًا».. وقال: «لا مسافة بيني وبين الرصيف، فأنا الرصيف».
واستذكر أبو علي مقهى أم الريس في حي الفاكهاني ببيروت، وتديره سيدة فلسطينية في أواسط العمر، و«كان بمثابة ظاهرة حضارية وسط غابات السلاح، وكنت وعلي فودة من رواده الدائمين، حتى أن فودة كتب قصيدة تحدث فيها عن أننا كنا بمثابة نادل للزبونة الوحيدة في المقهى»، لافتًا إلى أنه ابتعد عن لغة اليسار الفلسطيني واللبناني السائدة في تلك الفترة، والتي شبهها بأنها «شبه ستالينية»، وهو ما عبرنا عنه مع الصديق الكاتب التونسي صافي زعيم، في 1979، من خلال «المانفيستو الجنائزي رقم صفر»، والذي كان بمثابة إعلان عن مجلة «النصوص المضادة»، وحمل شعار «العمل.. الفن.. اللعب»، في عودة للحلم الشيوعي، وماركس شاعرًا. وكان مضمونه يتضمن «هجومًا لاذعًا للمؤسسة الفلسطينية التي وصفناها بأنها فوق البيروقراطية»، ومهد للرصيف، الذي حمل ولا يزال شعار «قليل من المؤسسة.. قليل من الرصيف».
وأضاف: «يمكن النظر إلى تجربة الرصيف على أنها تعبير عن موقف المثقف الثوري العضوي من السياسي، والمسافة النقدية من أي سلطة، فنحن لم نكن في حالة تطبيع أو عداء أو تبعية مع الثورة وقياداتها، فحيثما أصابت الثورة نحن معها، ولكن هذا لا يمنع انتقادها إن وجدناها أخطأت، وهذا باعتقادي دور المثقف عمومًا، وليس الثوريين منهم فقط.. نحن رفضنا أن يكون للمثقف آباء، فكان الرصيف».
وأشار إلى أن الرصيف تضمن نبوءة مستقبلية، وخرجت عنه مجلة بذات العنوان دون رئيس تحرير، وتراتبية: «كنا خمسة: أنا وصديقي الشهيد أبو علي فودة والعراقيين أبو روزا، وآدهم حاتم، وغيرهم، وجمعنا البيان، ولم تجمعنا الآيديولوجيا.. البيان الافتتاحي حول الرصيف، وصفناه بأنه ديالكتيكي أممي، وهو فكر تفاعلي ماركسي نقيض الفكر الاستاتيكي الثنائي، وأننا مستقلون تمامًا، ولا نتبع لأية جهة، بل حتى إن المجلة التي أصدرناها، جمعناها بـ(الشحتة) من أصدقاء لنا، بل إنني تنبأت بانهيار الاتحاد السوفياتي، بقولي إننا مقبلون على نظام أحادي المركز، وفهم الشيوعيون حينها أننا نغيب الاتحاد السوفياتي، وبالتالي كنا لنا نهج بالرصيف على أساس هذا التنبؤ، وهو موثق، كما أشرنا بأننا فوضويون بمعنى كنا تيارًا وليس تنظيمًا، لقناعتنا بأن البناء الهرمي حتى لو كان ثوريًا، يمس بناء الثورة، ولعل هذه الهرمية هي من كانت وراء انهيار الكثير من الثورات، فالفوضوية هي النص المضاد النقيض لفكرة الزعيم.. وحصل ما حصل بالاتحاد السوفياتي».
وسرد أبو علي حكايته مع العراقي الكردي أبو روزا، وكان شاعرًا «ممتازًا»، وكيف اتفقا على أن يفسح له المجال لنشر إبداعاته الشعرية مقابل أن يقوم أبو علي بكتابة سلسلة قصص حول «أبو روزا»، وهو ما كان بالفعل، معترفًا بأن الرصيف جاء «لشعوري بأن المؤسسة غير قادرة على استيعابي أصلاً، وهو ما عبرت عنه في قصتي (بيت اسمه الريس)، وكان نصًا مضادًا لكل ما يكتب في أدب المقاومة حينها، حيث بدت فيه المؤسسة كظل باهت».
وأكد أبو علي، الذي قدم إلى فلسطين ضمن فعاليات الملتقى الثقافي التربوي السابع: الرصيف، وبعد خمس وثلاثين سنة من تأسيسه، لا يزال على حاله، «فلا قطيعة مع المؤسسة الرسمية الضرورية، ولكن هذا لا يعني أننا نتفق معها، فنحاول أن نتكامل معها، وهو تكامل النقائض، إن جاز التعبير»، قبل أن يقرأ قصيدة ذات نكهة روسية، وهي قصيدة رثاء للشاعر معين بسيسو، وقرأها بالروسية رئيس اتحاد الكتاب الروس الكاتب والمترجم أوليغ ميترافانوفيش بافيكين، وقصة قصيرة بعنوان «الأحلام السكايلابية السعيدة للمواطن الكردي غير السعيد أبو روزا».
بدوره، أشار الشاعر أحمد دحبور، إلى أن علاقته بصديقه رسمي أبو علي تمتد إلى منتصف قرن إلا قليلاً، «تأسست على الوعي والأسئلة والحيرة، وأيضًا العناد في الثبات على ما اخترناه، وأن يكون له رؤية وبصيرة».. وقال: «لعل رسمي أبو علي من المثقفين الفلسطينيين القلائل، الذين وصل جسر التقاطع بين ما يكتبون وما يعيشون حد المرآة، فمن يقرأ رسمي أبو علي كمن يطلع عليه في المرآة، فهو إنسان بلا حسابات، ويجترح المغامرة سعيدًا بالمصير الذي ينتظره».
وأضاف: «بيننا زهاء نصف قرن من العلاقة، والانسجام، والاختلاف، والاشتباك، وأحيانا العداوة بمعناها الإيجابي، والاشتياق، ولكن أعتقد أن قدر المبدع أن يختزل في نصه، ورغم أن رسمي بدأ النشر مؤخرًا، إلا أنه مع بدايات إبداعاته الأدبية طرح سيلاً من الأسئلة، فكان يعبر في كتاباته عما يراه ويعايشه إزاء فلسطين وقضيتها، والعالم، والوجود.. عندما اختار الإبداع بدأ بقصة قصيرة، ومع أنه تميز بها أيما تميز، إلا أن تلك الجمرة الدفينة، أي فكرة أن يبوح بما لا يباح، كانت كامنة لديه في الشعر، وتجلى ذلك في مجموعته «لا تشبه هذا النهر»، فهو رجل من سياق آخر، وليس من زمن آخر، ويملك رؤية وحساسية خاصتين تبرزان هول أن تكون فلسطينيًا».
وتذكر دحبور تلك الأمسية التي جمعته وأبو علي في منزل الأخير ببيروت، بينما كانت القذائف تتساقط على مقربة من المكان، حيث كان رسمي يكمل سرده التلقائي، وكأن ما يجري ليس إلا شريطًا سينمائيًا، واصفًا إياه بأنه «رجل عرف كيف يكون، فهو ينأى عن المفردات والمصلحات الضخمة.. إنه هو وكفى، وبالتالي قدم نفسه كما يريد للنفس الفلسطينية أن تكون، وكأنه يقول أنا ابن هذا الوطن، وابن هذه الحياة، ولن أنزاح عن الرصيف الذي أنا عليه، فكانت ظاهرة الرصيف التي كانت جزءًا من ذاكرة بيروت وثقافتها، رغم انتحالها من آخرين لاحقًا، فهو اختار الرصيف كطريقة للاحتجاج الصامت على كثير من أخطاء المقاومة في تلك الحقبة الزمنية.. فهو في كل ما كتب كان يريد أن يقول بأننا موجودون، ووجودنا ليس مصادفة كفلسطينيين».

رسمي أبو علي (يسار الصورة) مع الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».