أعلن «رجال الكرامة» في السويداء عما يمكن وصفه بـ«خارطة طريق» لمنطقتهم في إشارة واضحة إلى أن ما بعد اغتيال رجل الدين الدرزي المعارض وحيد البلعوس لن يكون كما قبله. وبينما لا يزال الغليان والغضب يسودان المدينة، ارتفع عدد القتلى الذين سقطوا في تفجيري أول من أمس، إلى 36 شخصا بينهم 6 مجهولي الهوية، الأمر الذي حال لغاية الآن دون تحديد موعد التشييع، وفق ما قالت مصادر درزية معارضة لـ«الشرق الأوسط».
وبينما حمّل «رجال الكرامة» مسؤولية اغتيال البلعوس لما وصفوه بـ«زمرة النظام»، أشاروا في بيان لهم إلى نقاط عدّة أبرزها: «إعلان جبل العرب منطقة محررة من عصابات الأمن وخاضعة لـ(الإدارة الذاتية) بعد إبطال دور اللجان الأمنية التابعة للنظام وتسليم الشؤون الأمنية لرجال الكرامة في كل مدينة وبلدة من المحافظة».
وذكرت مصادر معارضة أنّ النظام يعمل وبالتنسيق مع عدد من المشايخ التابعين له على إصدار بيان للردّ على بيان «رجال الكرامة».
وكانت مدينة السويداء، وبعد اغتيال رجل الدين المعارض وحيد البلعوس في تفجير سيارة مفخخة مساء أول من أمس، قد شهدت موجة من الغضب والتوتر، وتظاهرات أمام مقار حكومية وتحطيم تمثال للرئيس السوري السابق حافظ الأسد. ووصف مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن الوضع في السويداء يوم أمس، بـ«الهدوء الحذر»، نافيا المعلومات التي أشارت إلى إخراج قوات النظام من المدينة.
من جهتها، أكدت مصادر معارضة لـ«الشرق الأوسط» سيطرة أبناء السويداء على فرع المخابرات الجوية والأمن العسكري والأمن الجنائي والشرطة العسكرية وفرع حزب البعث، وقال عبد الرحمن في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «كل المراكز الأمنية لا تزال في أيدي قوات النظام»، موضحا «حدث اقتحام مساء الجمعة لمركز الشرطة العسكرية من قبل بعض أبناء المنطقة من دون أن يتمكنوا من السيطرة عليه، بينما صدر قرار قضى بانسحاب عناصر قوات النظام الموجودين على الحواجز إلى المراكز الأمنية وتسليمها إلى الدفاع الوطني».
وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل ستة عناصر من قوى الأمن ليلا خلال هجوم لمسلحين على فرع الأمن العسكري، وأكدت مواقع معارضة سيطرة أبناء السويداء.
وأصدر يوم أمس «رجال الكرامة» بيانا حمل الرقم «1»، موقعا من قبل رأفت البلعوس، شقيق وحيد البلعوس بعد تسلمه زعامة «تجمع مشايخ الكرامة»، وجّهوا عبره الاتهام السياسي لما قالوا إنهم «زمرة وفيق ناصر (رئيس فرع الأمن العسكري) وعصابة الأسد في السويداء» محملين اللجنة الأمنية مسؤولية كل ما جرى ويجري من اغتيالات وزج الجبل في أتون هذه المواجهة الدموية.
وفي بيانهم، أعلن «رجال الكرامة» منطقة جبل العرب «محررة من عصابات الأمن وزمرهم» وعن «إبطال دور اللجان الأمنية الأسدية وتسليم الشؤون الأمنية لرجال الكرامة في كل مدينة وبلدة من المحافظة». واتخذ قرار بتكليف لجنة التفاوض السياسي بالتواصل مع الحكومات وهيئات ومؤسسات المجتمع الدولي لإيصال الحقائق واعتماد وضع الجبل تحت بند منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي، وفتح معبر حدودي مع الأردن بالتنسيق مع حكومته، كذلك، دعوة كل أبناء الجبل من عسكريين ومدنيين في كل المواقع القدوم للجبل والمشاركة بحمايته.
وأكدوا استمرار عمل المؤسسات العامة والخدمية بإشراف الإدارة الذاتية المنبثقة عن الهيئة المؤقتة لحماية الجبل وتكليف غرفة عمليات رجال الكرامة وتنسيق العلاقة مع كل المسلحين الشرفاء بالجبل من كل الفصائل بتطهير مواقع السلطة والإشراف على حفظ الأمن واستمرار الحياة الطبيعية بالمحافظة.
وقتل البلعوس في انفجار سيارة مفخخة استهدفته أثناء مروره بسيارته في ضهر الجبل في ضواحي مدينة السويداء. ثم انفجرت السيارة الثانية قرب المستشفى الذي نقل إليه الجرحى والقتلى، مما أدى أيضا إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى. وأفاد المرصد السوري عن خروج عشرات المواطنين في تظاهرات أمام مقار حكومية عدة. وأحرقوا عددا من السيارات أمام هذه المقار. وظلت تسمع طوال الليل أصوات إطلاق نار في المدينة من دون أن تعرف أسبابها.
وكان البلعوس يرأس مجموعة «مشايخ الكرامة» التي تضم رجال دين آخرين وأعيانا ومقاتلين وهدفها حماية المناطق الدرزية من تداعيات النزاع السوري المستمر منذ أكثر من أربع سنوات. وعرف بمواقفه الرافضة لقيام الدروز بالخدمة العسكرية الإلزامية خارج مناطقهم.
وكانت السويداء قد شهدت خلال الأيام التي سبقت التفجيرين تظاهرات شعبية حاشدة، قال سكان إنها كانت تحظى بدعم البلعوس، طالب خلالها المتظاهرون السلطات بالكهرباء والطحين وتأمين أمور حياتية أخرى. كما طالبوا باستقالة محافظ السويداء.
ووصف مصدر أمني رسمي في دمشق التفجيرين بأنهما «عمل إرهابي موصوف»، مضيفا «هذه الاستهدافات من طبيعة المجموعات الإرهابية المسلحة».
إلا أن الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط اتهم نظام بشار الأسد باغتيال البلعوس ورفاقه. وقال في تغريدة على «تويتر» إن «البلعوس قائد انتفاضة ترفض الخدمة العسكرية في جيش النظام».
ويشكل الدروز نسبة ثلاثة في المائة من سكان سوريا، وتفيد تقارير عن تخلف شريحة واسعة منهم عن الالتحاق بالجيش للقيام بالخدمة الإلزامية. وسعى الدروز إجمالا منذ بدء النزاع في منتصف 2011 إلى تحييد مناطقهم.
وأكد مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي رامي الريّس أن الصراع الدائر في محافظة السويداء سوف يأخذ أبعادًا جديدة بعد اغتيال البلعوس، حيث يمكن القول إن ساعة الحقيقة قد دنت لكي يحسم من لا يزال مترددًا من أبناء طائفة الموحدين الدروز قراره بفك الارتباط نهائيًا مع هذا النظام، ويبدو أن تباشير هذا الأمر بدأت تظهر على الشارع.
وقال الريس في حديث تلفزيوني «أعتقد أنه سيكون هناك تصاعد لحركة الثوار ضد النظام السوري كما سيكون هناك اتساع لرقعة الاحتجاجات لأن حالة الغضب العارمة التي تولدت بعد الاغتيال لا يمكن أن تمر مرور الكرام»، مشيرًا إلى أن «الغالبية الساحقة من أبناء تلك المحافظة أصبحوا يدركون أنه لا يجوز بعد الآن السكوت على ممارسات هذا النظام الذي اغتال بالأمس الشيخ البلعوس وسابقًا حاول وبشكل متكرر تأليب المناطق على بعضها البعض والطوائف والمذاهب على بعضها البعض وإشعال الفتنة بين منطقة السويداء وجيرانهم في درعا وحوران بهدف استدامة بقائه ولو على جثث السوريين، كما يفعل في المناطق السورية الأخرى».
وحذّر الائتلاف الوطني السوري على لسان عضو الهيئة السياسية سهير الأتاسي من ارتكاب النظام مجزرة بحق الدروز واستخدام استراتيجيته المعهودة بدفع تنظيم داعش للتغلغل إلى السويداء لخلط الأوراق وإحداث الفوضى فيها، كما أكدت على أن حماية المدنيين في السويداء ومنع النظام من الانتقام منهم واجب عاجل يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته.
كما أبدى معارضون دروز منفيون في الخارج تخوفا من استخدام النظام لتنظيم داعش لقمع «ثورة الجبل» بحسب تعبيرهم، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «معارض درزي مقيم في عاصمة أوروبية رفض الإفصاح عن اسمه خوفا على أهله في السويداء المحاصرة أن الغالبية من أهالي السويداء لديهم قناعة بأن النظام وبعد طرد أعوانه من السويداء سيفتح الطريق أمام تنظيم داعش الإرهابي ليتسلل إلى القرى على أطراف محافظة السويداء لارتكاب مجازر وترويع أهلها، ولتبرير تدمير السويداء بسلاح الجو كما يفعل في المناطق السورية الأخرى التي يسحب منها قواته البرية».
بعد اغتيال البلعوس.. غليان في السويداء وإعلان«جبل العرب» منطقة محررة
ارتفاع عدد القتلى إلى 36 والدفاع الوطني يتسلّم الحواجز بعد انسحاب القوى الأمنية
شاب يقود دراجته النارية في شوارع حلب القديمة المدمرة أمس (رويترز)
بعد اغتيال البلعوس.. غليان في السويداء وإعلان«جبل العرب» منطقة محررة
شاب يقود دراجته النارية في شوارع حلب القديمة المدمرة أمس (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




