ابن الهيثم ودرس الماضي وأسباب بقاء ثوراتنا العلمية خامدة

لماذا يحدث التراجع وكلما ظهرت لمسة نظرية صمتت وبقيت خبيئة الكتب؟

ابن الهيثم ودرس الماضي وأسباب بقاء ثوراتنا العلمية خامدة
TT

ابن الهيثم ودرس الماضي وأسباب بقاء ثوراتنا العلمية خامدة

ابن الهيثم ودرس الماضي وأسباب بقاء ثوراتنا العلمية خامدة

في القرن الثالث قبل الميلاد، أعلنها عالم الفلك اليوناني أرسطرخس الساموسي، بقوله: «الشمس هي مركز الكون وليس الأرض». لكن فكرته هذه مرت بهدوء وبشكل خافت ولم تحدث ضجة تذكر، بل طواها النسيان. لقد كانت فكرة لا تتناسب وزمانها، لذلك كانت من دون غد مشرق، ولم تحدث الثورة العلمية المنشودة.
إن العالم عندما يقترح فكرة مهما كانت عبقرية، فهي لا تحدث الرجة المطلوبة إذا لم يكن السياق يسمح بذلك. فالأمر يتعلق بالكل وليس الجزء. فالأفكار لا تتحرك أبدا معزولة، بل تتحرك ضمن إطار نظري عام، إما يسمح ببروزها أو يقوم بتنحيتها. وبعودتنا إلى مثالنا عن أرسطرخس الساموسي، نجد أن فكرته ظلت خبيئة في طيات الكتب، تجد من يهتم بها من حين لآخر، لكن دائما من دون جدوى، لأن النموذج النظري السائد كان هو مركزية الأرض، كما أرسى قواعده أرسطو وعدله بطليموس، حيث كان هو النموذج المهيمن، وأي فكرة لا تتلاءم معه تطرد شر طرد، لأنها نشاز. لكن فكرة أرسطرخس عندما قالها كوبرنيكوس في القرن السادس عشر، كان لها الصدى الهائل، وزلزلت أركان الفكر الإنساني. فكانت بحق ثورة علمية يضرب بها المثل. لقد أصبحت فكرة بغد مشرق، لأن الظروف ملائمة لتقبلها، والعقول مستعدة لها، والإطار النظري العام مؤهل لاستيعابها، ناهيك عن أن النموذج القديم احتضر ولم يعد يجيب عن المآزق، فوجب إذن تغيير البنية ككل.

* ابن الهيثم وثورته الخامدة
وبحديثنا عن الفكر العربي الإسلامي، نجد أن الكثير من الباحثين والمؤرخين المنقبين في المخطوطات العربية، بحثا عن الأصالة العربية والإبداع العلمي لديهم، يتهافتون ويسرعون في إصدار الأحكام بالسبق والتفوق، بمجرد أن يجد أحدهم في كتابات القدماء فكرة أو منجزا أو اكتشافا ليقول بأن الأمر ثوري. لكن حقيقة الأمر هي أن الثورة العلمية تحتاج إلى شروط كما قلنا، ونحن هنا لا ننتقص من قيمة المنجز العربي الإسلامي، بل بالعكس، نشيد بالعديد من المنجزات العلمية التي كانت المخاض الكبير الذي سمح بولادة العلم الحديث في القرن السابع عشر، لكن الأمر الذي يحتاج إلى المناقشة هنا هو متى يمكن القول إننا أمام ثورة علمية.
لتوضيح حدود الثورة العلمية العربية، سأضرب مثالا بعلم البصريات، وذلك بالوقوف مع عالم فذ هو الحسن بن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي. فهذا الرجل قام بثورة علمية فعلا، لكن كانت ثورة خامدة، فلنشرح ذلك:
تبدأ المسألة بسؤال طرحه اليونانيون وهو: كيف تحدث عملية الإبصار؟ كيف تتم الرؤية؟ ما علاقة المبصِر بالمبصَر؟ فكانت أجوبتهم متضاربة ومتناقضة. يقول ابن الهيثم في مقدمة كتابه الشهير «المناظر»: «إن المتقدمين من أهل النظر (يقصد اليونان) قد أمعنوا البحث عن كيفية إحساس البصر، وأعملوا فيه أفكارهم، وبذلوا فيه اجتهادهم، وانتهوا منه إلى الحد. فآراؤهم في حقيقة الإبصار مختلفة، ومذاهبهم في هيئة الإحساس غير متفقة. فالحيرة متوجهة، واليقين متعذر، والمطلوب غير موثوق الوصول إليه». وإجمالا يقسم ابن الهيثم ما وصل إليه اليونان بشأن سؤال الإبصار إلى تيارين يسميهما: أصحاب الطبيعة (التفسير الفيزيائي)، وأصحاب التعاليم (التفسير الرياضي). بعبارة أخرى، يمكن فهم الرؤية كفعل ينطلق من العين الحاسة صوب المحسوس. وقد قال بذلك كل من إقليدس وبطليموس والرواقيون وغالينوس. وقد تمت تسمية هؤلاء بأصحاب الشعاع، لأنهم يعتقدون وعلى تفاوت بينهم أن العين يخرج منها شعاع في صورة شكل مخروطي، رأسه في العين وقاعدته موجهة إلى المبصرات. ويسمى هذا التفسير بنظرية البث، لأن الشعاع البصري ينبث من العين. ويتم تشبيه هذه العملية بعصا الأعمى، على أساس أنهم يشبهون الإبصار بحاسة اللمس. فالأمر هو كاستعمال الأعمى لعصاه حتى يتحسس الموجودات الخارجية. لكن وفي مقابل ذلك، يمكن فهم الرؤية عند البعض الآخر، كانفعال للعين بالمثيرات الخارجية. وتسمى هذه النظرية، عكس الأولى، بنظرية الإدخال. وقد اشتهر بهذا الرأي كل من الذريين وأرسطو مع اختلاف بينهما. إضافة إلى هذا راج موقف أخر لغالينوس، وهو وٳن كان من أصحاب الشعاع فإن إضافته تكمن في أنه ركز على الجانب الفيسيولوجي والتشريحي للرؤية.
إن عظمة ابن الهيثم تكمن في أنه انتصر لأصحاب نظرية الإدخال، لكن محاولا استغلال كل مناحي قوة الآراء الأخرى. فهو دمج في توليفة متناغمة الاهتمامات الرياضية والفيزيائية والطبية في الوقت نفسه. باختصار، استطاع ابن الهيثم أن يحل التناقض الذي ظل مطروحا بين أصحاب الشعاع وأصحاب الإدخال، وذلك بضم الرياضيات للفيزياء، ونحن نعلم الآن أن هذا الدمج هو سر انطلاق العلم الحديث في الدرب الآمن.
نضيف طبعا أن لمسات ابن الهيثم النظرية تمت بحس تجريبي يمكن تلمسه في كتاباته بسهولة. فالرجل، ومن أجل التحقق من فروضه، قام بتجارب مضنية أجراها وبأجهزة صنعها بنفسه، وكان يسمي ذلك «بالاعتبار». وتجدر الإشارة إلى أن الاعتبار الهيثمي هذا شبيه تماما بالتجارب المختبرية أو الاصطناعية المتعارف عليها في العلم، بدءا من فجر العلم الحديث خاصة مع غاليليو مؤسس الفيزياء الحديثة، والتي تتم بعزل الظاهرة المدروسة والتخطيط القبلي لشروط إنجازها. ولنضرب لذلك مثالا واحدا بسيطا: فلكي يبرهن ابن الهيثم على أن الضوء يمتد على هيئة خطوط مستقيمة يقول: «إن ضوء الشمس وضوء القمر وضوء النار، إذا دخل من ثقب إلى بيت مظلم، وكان في البيت غبار، فان الضوء الداخل من الثقب يظهر في الغبار الممازج للهواء ظهورا بينا، ويظهر على وجه الأرض، أو على حائط البيت المقابل للثقب سموت مستقيمة..».
وإلى جانب هذه القوة التناظرية التي سمحت بتجاوز عيوب الأطروحات اليونانية السابقة والقوة التجريبية التي جعلت ابن الهيثم رائدا من رواد المنهج التجريبي، نجد إشراقات أخرى لا تقل أهمية متمثلة في الجانب الابستمولوجي. فتكفي قراءة مقدمة كتابه «المناظر»، أو مقدمة كتابه «الشكوك على بطليموس»، ليبهرك الرجل ويجعلك تقول بملء فمك: أكيد هذا الرجل ليس ابن القرون الوسطى وهو سابق لزمانه. فهو مثلا يشرع للطريقة التي يجب اتباعها مع الكتابات السابقة، فيدعو بإلحاح إلى أن الحق لا يجب أخذه اعتمادا على مكانة أصحابه، فالحقيقة بما هي حجة وبرهان أكبر من الأشخاص، والحق حق بغض النظر عن قائله، كما أنه يدعو العالم إلى أن يكون خصما لما ينظر فيه من جهة، ومن جهة أخرى عليه اتهام نفسه ضمانا للنزاهة وإبعادا لذاته من التجني على من سبقه، إضافة إلى إقراره بضرورة التحلي بالموضوعية، وإبعاد الهوى والميل وكل شوائب الذات الوجدانية أو ما يسميه «بكدر البشرية» عن الدراسة.
طبعا وأنت تدقق النظر في هذه التحف الهيثمية، ستجد أن ما قاله فرنسيس بيكون من أوهام تحدق بالذهن البشري، هو ما قاله ابن الهيثم. وأن فكرة الشكوك والبحث عن المكذبات التي تسري في ثنايا البحث العلمي الحديث والمعاصر، نجدها بالتمام والكمال عند ابن الهيثم أيضًا. فأن تجد التطابق والتشابه بين بعض كتابات العرب وكتابات الغرب أمر سهل جدا، بل ألفت في ذلك كتب كاملة. ولك مثال الدكتور حمدي زقزوق، فهو كتب كتابا خصيصا ليجد التطابق بين الغزالي وديكارت.
إن كل ما قلناه وغيره كثير سواء عند ابن الهيثم، أو جابر بن حيان، أو أبو بكر الرازي، أو ابن سينا، أو البيروني، أو البتاني، أو الكاشي، أو نصير الدين الطوسي، أو ابن الشاطر، واللائحة طويلة، سيجعل الباحث يهلل ويصرخ: إن السبق كان للعرب. هذا إن كان لطيفا. أما إن كان قاسيا، فسيقول إن ما وصل إليه الغرب مسروق من حضارتنا، ووجب استرجاعه، وهو ما يفسر لنا تلك الحمى نحو استرجاع ماض لن يعود أبدا.
إن سؤال السبق أراه سؤالا مزيفا وليس حقيقيا، لأن العلوم دائما فيها السبق. فحتى علم البصريات يوناني النشأة وليس عربي الأصل. لذلك وجب تغييره بسؤال أكثر جرأة هو: لماذا ثورتنا كانت خامدة؟.. لماذا قطف الغرب ثمارنا؟.. لماذا يحدث التراجع كلما ظهرت لمسة نظرية في العلوم لتصمت وتبقى خبيئة الكتب؟ لماذا أفكار العرب العلمية كانت مشتتة، ولم تسمح بالذهاب إلى تشكيل العلم الحديث كما تشكل في أوروبا إبان القرن السابع عشر؟ لماذا كوبرنيك لم يكن عربيا على الرغم من التفوق الفلكي العربي؟ لماذا علم البصريات نضج في الغرب ولم ينضج عندنا نحن العرب رغم أن البدء كان عندنا؟
لماذا عندما هم ابن الهيثم بوضع نموذجه الجديد في الضوء، لم يستكمل العرب العمل فأكمله سنل وديكارت وكبلر ونيوتن، إلى درجة أن معهم تم إيجاد قانون الانكسار؟ لماذا ظل نموذج ابن الهيثم محتشما مدفونا في كتبه؟ لماذا لم ينتشر فكره عند الكل ويصبح مدار نقاش عام؟ لماذا محاولة كمال الفارسي الذي نقح كتاب «المناظر» لابن الهيثم لم تعط نتيجة؟ لماذا تراجع نصير الدين الطوسي عن نموذج ابن الهيثم وعاد إلى نظرية اليونان المتخلفة جدا؟ لماذا نبدأ فنتراجع؟ لماذا هذا العجز النظري؟ هل الجواب يكمن في الاجتماع العربي، حيث غابت المؤسسات العلمية التي تذهب بالنقاش العلمي نحو التحدي والمناقشة الخلاقة؟ أم أن المشكل مرتبط بنفسية العربي المنتمي للشرق؟ أم الدواعي اقتصادية؟ هذه الأسئلة أراها حقيقية وعاجلة، علنا نجد أسباب عوائق انخراطنا في النموذج العلمي العالمي الآن.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended