الفلسفة بصيغة المؤنث: نانسي فريزر

نانسي فريزر
نانسي فريزر
TT

الفلسفة بصيغة المؤنث: نانسي فريزر

نانسي فريزر
نانسي فريزر

نانسي فريزر فيلسوفة أميركية معاصرة (مواليد 1947)، تدرِّسُ الفلسفة والعلوم السياسيّة في «الكليّة الجديدة للأبحاث الاجتماعيّة»، (وهي المدرسة التي درَّست فيها حنة آرندت). تهتم بموضوعات الفلسفة السياسية التي شغلت الجيل الثالث للنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)، من أمثال أكسيل هونيث مدير المدرسة، وجوديث بتلر، وسيلا بنحبيب، وهابرماس... ويشكل موضوع العدالة والحق، والنظرية النسوية، وحول الفضاء العمومي، محور كتاباتها الكثيرة حيث قامت بمراجعات أساسية.

* ثلاثة مجالات تحكم تفكير فريزر:
المجال الأول: يتعلق بالمجال السياسي، حيث تنظر وتعيد النظر في مفهوم الفضاء العمومي كما نحته هابرماس، لتؤسس أطروحتها الأساس حول الحاجة إلى تجاوز التصور الويستفالي الذي حكم هابرماس في نظريته، مقرة بوجود فضاء عمومي كوني يتجاوز الحدود السيادية الكلاسيكية، وهو فضاء تلعب فيه فئات وحركات اجتماعية جديدة أدوارا هامة. وتشكل كتبها الثلاثة أساس تصورها هذا: «ما هي العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع» (مارس 2011)، وكتاب «دينامية النساء» (2013)، جدالات نسائية: مطارحات فلسفية. بالاشتراك مع سيليا بن حبيب وجوديت باتلر، ودروسيلا كورنل. (1994).
المجال الثاني: يتعلق بالثقافي حيث تعيد النظر في مفهوم الاعتراف، مع ظهور الأشكال الجديدة للتفاوتات بين الناس في الرأسمالية المعاصرة: ظهور التعدد الثقافي ونشاط النسوية الجديدة، وتدفق الهجرة ومشاكل الاستبعاد الاجتماعي. وقد ساجلت اكسل هونيث وجوديث بتلر وبول ريكور حول هذا المفهوم، لتحاول التوفيق بين الأسس الفلسفية للاعتراف عند هونيث والأسس الثقافية لهذا المفهوم عند تشارلز تايلور. وهو ما بلورته في كتابها: التصور الراديكالي: بين إعادة التوزيع والاعتراف (2003)، وفي: إعادة التوزيع أو الاعتراف، مطارحات فلسفية - سياسية مع أكسيل هونيت، (2003).
المجال الثالث: ويتعلق بالمجال الاقتصادي، حيث تعيد النظر في مفهوم إعادة التوزيع: ذلك أن تصور العدالة الكلاسيكي ينبني على تصور معين لتوزيع الثروة، وهو التصور الذي يحاول أن يعيد النظر في النظريتين الأساسيتين حول العدالة: التصور الماركسي والتصور الليبرالي السياسي، كما نجده لدى جون راولز وهابرماس، إيمانا منها بالحاجة إلى وضع جديد تسميه «وضع ما بعد الاشتراكية»، وهو ما قامت بالتأسيس له في «انقطاعات العدالة: تأملات نقدية حول الوضع ما بعد - الاشتراكي» (1997). وفي: «موازين العدالة: إعادة تصور الفضاء السياسي في عالم معولم» (2008).

* حدود النموذج الليبرالي
اهتمت نانسي فريزر بمفهوم الفضاء العمومي عند هابرماس، بالنظر إلى قيمته السياسية التي تساهم في فهم الملابسات التي تعترض الحركات الاجتماعية التقدمية، والنظريات السياسية التي ترتكز عليها. فقد مثلت هذه النظرية طوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، إسهاما مباشرا في فهم التغيرات السياسية التي أعقبت ثورة مايو (أيار) 68. بعد ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة من قبيل: الأقليات العرقية والإثنية، الحركة النسائية، حركات الحقوق الجنسية، حركات الثقافات واللغات المهمشة، حركة العاطلين عن العمل، والحركات المتصلة بمختلف المشاكل التي أفرزتها الرأسمالية عبر تطورها التاريخي.
انصب اهتمام فريزر أساسا، على محاولة تجديد أطروحات النظرية النقدية، من خلال مراجعة مواقف الجيل الأول والثاني من أجيال مدرسة فرانكفورت، وفي هذا السياق راجعت نظرية هابرماس في الفضاء العمومي، أو فيما تسميه «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، لبيان صلته بالنظرية النقدية المعاصرة، ولفحص الأسس السياسية والفلسفية التي قام عليها، من أجل صياغة أطروحة جديدة أو ما تطلق عليه اسم «الفضاء العمومي ما بعد البرجوازي» l’espace public post - bourgeoisies. وتؤكد أن المشكلة الأولى التي يطرحها مفهوم الفضاء العمومي الهابرماسي، تكمن في العلاقة بين الدولة وأجهزتها من جهة؛ والفضاءات التعبيرية العمومية وجمعيات المواطنين من جهة أخرى، ذلك أن النموذج الكلاسيكي للدولة (الاشتراكي والماركسي) يفرض رقابة الاقتصاد للدولة الاشتراكية التي تراقب أيضا مجموع المواطنين الاشتراكيين. فالتشابك واللبس اللذان يكتنفان العلاقة بين أجهزة الدولة والفضاء العمومي وجمعيات المواطنين، يعود إلى الشكل التحكمي والسلطوي للدولة الاشتراكية في كل هذه الفضاءات والتنظيمات، وهو شكل لا ديمقراطي ولا تشاركي، وهو ما يطرح بدوره السؤال حول الديمقراطية الاشتراكية ذاتها كما طبقتها الأنظمة الستالينية. ونفس الأمر ينطبق على الديمقراطية البرجوازية التي طوقت الفضاء العمومي السياسي، وأطرته بأطر وتشريعات قانونية وطنية لم تعد تستجيب لحاجيات المواطنين اليوم. ولذلك فإن كلا النمطين: البرجوازي والاشتراكي على حد سواء لم يعودا صالحين لنمط العيش المشترك اليوم، أي في عالم يحتاج إلى مواطنة كونية تنتفي فيها الحدود الوطنية الويستفالية.
تعتبر فريزر أن نظرية الفضاء العمومي تمتلك «قيمة مفهومية» ستساعدنا على فهم بعض المشكلات المعاصرة المتصلة مباشرة بالديمقراطية. وتعرف الفضاء العمومي على أنه «فضاء المجتمعات الحديثة، حيث تمر المشاركة السياسية عبر اللغة. إنه فضاء المواطنين الذين يناضلون من أجل مصالحهم المشتركة، فضاء يمأسس تفاعلا تداوليا» (فريزر 2011). وترفض التعريف الهابرماسي الذي يحدد المشاركة في جمهور مثقف يتقن استعمال العقل بشكل نقدي، لأن المجتمع المعاصر يختلف جذريا عن مجتمع القرنين الثامن والتاسع عشر، مؤكدة في الآن ذاته، أنه على الرغم مما يمكن أن يقال من مؤاخذات على نظرية هابرماس، فإن مفهوم الفضاء العمومي «ضروري للنظرية النقدية للمجتمع وللممارسة السياسية الديمقراطية». لأنه مكان منفصل عن الدولة، وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب النقدي تجاه الدولة، لا بد له من أن يتصور اقتصادا غير رسمي (اقتصاد الدولة) وخاليا من علاقات السوق، إنه فضاء لعلاقات التخاطب يسمح بالنقاش والتداول. فإذا حولت الرأسمالية الفضاء العمومي إلى مكان للبيع والشراء فإن الفضاء العمومي الذي يلائم النظرية النقدية المعاصرة، ينبغي أن يتجاوز النموذج البرجوازي بحيث: «لا يمكن لأي محاولة لفهم حدود الديمقراطية الرأسمالية المتأخرة، أن تتم دون اللجوء والاستعانة بطريقة أو أخرى، لبذل الجهود من أجل تطوير نماذج بديلة للديمقراطية». غير أن الفهم الهابرماسي غير كاف، فالنظر في حدود الديمقراطية الموجودة واقعيا يتوجب التساؤل حول هذا الفهم الذي يبدو متجاوزا.
أبانت أركيولوجيا هابرماس عن عظمة وانحطاط شكل خاص للفضاء العمومي المحدود في التاريخ، الذي سماه الفضاء العمومي البرجوازي من جهة؛ ومن جهة أخرى عن تساؤله عن قانون النموذج المعياري المتعلق بهذه المؤسسة، والتي يطلق عليها اسم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، وكان هدفه فيما ترى فريزر مزدوجا:
قصد فَحصِ الشروط التي جعلت هذا النّمط من الفضاء العمومي ممكنًا. وإعادة وضع تلك الشروط في مكانها، وإدراك راهنية المنفعة المعيارية لهذا النموذج الليبرالي. وتؤكد على الحاجة إلى تجديد هذه النظرية وتجاوزها، لأن «الشروط الجديدة لديمقراطية الجماهير ولدولة الرعاية في نهاية القرن العشرين، أسقطت الفضاء العمومي البرجوازي ونموذجه الليبرالي في عداد النسيان. وأن شكلاً جديدًا للفضاء العمومي ضروري لحماية وصيانة الوظيفة النقدية لهذا الفضاء ولمأسسة الديمقراطية» (فريزر 2011).

* فضاء عمومي عابر للأوطان
تقر فريزر بالحاجة إلى تجاوز نظرية هابرماس، بالنظر إلى كونها مبنية على أسس وطنية ضيقة (الإطار الويستفالي) التي تجاوزها التاريخ، ولتعارض هذه النظرية مع معطيات الواقع الاجتماعي الجديد الذي كشفت عنه نظريات جديدة في التاريخ، والعرق، والنوع، والثقافة.
تقوم نانسي فريزر على امتحان واختبار نظرية هابرماس، وفحص بعض أسسها، ونقد بعض العناصر التي ترتكز عليها في ضوء بعض التحليلات الاسطوغرافية التي قدمها كل من جون لاندز Jean Landes، وماري ريان Mary Ryan، وجيوف إلى Jeoff Eley، وتركز على نقطتين أساسيتين:
1 - مسألة النوع الحاضرة بقوة، التي ساهمت في طرحها بعض الحركات العريقة المتنامية في العالم خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين والتي عمادها، النساء.
2 - مسألة السود الذين ناضلوا في أميركا وكونوا فضاءً عموميًا نقيضًا للفضاء الرّسمي عبر نضالاتهم وحركاتهم.
وتقارن بين التأويل الهابرماسي والتأويل الإسطوغرافي الحالي، حيث تعتبر أن التأويل الأخير ينطلق من أن هابرماس قدم الفضاء العمومي البرجوازي باعتباره فضاء مثاليا. حيث تشدد إليزابيث بروكس هيغنبوتان Elizabeth Brooks Higginbothan، وتقر بوجود فضاء عمومي بديل مسير من طرف السود في الولايات المتحدة الأميركية ما بين 1880 و1920. فلأول مرة طرح السود الحق في المشاركة السياسية: التصويت، إلى جانب مجموع الفضاءات ومؤسسات المجتمع المدني. وتصر إليزابيث وريان على أن البرجوازية لم تكن تمثل أبدًا الجمهور، أي الشعب. ولقد كانت هذه الفكرة جوهرية لفهم الاعتراضات التي تقيمها فريزر على هابرماس، لأن التجربة الأميركية كانت بالفعل، نموذجا أغفله هابرماس في نظريته عن الفضاء العمومي. لذلك فالفضاء العمومي البرجوازي ليس وحده موجودا وليس البرجوازيون وحدهم من يؤطره، بل إن هناك جمهورًا آخر كان موجودًا منذ بداية الفضاء العمومي. فإلى جانب البرجوازيين هناك دومًا: جمهور المواطنين، صغار الفلاحين، النساء والنخبة، جمهور الطبقة العاملة.. إنه جمهور عريض متعدد ومتنوع. وإن العلاقات بين الجمهور البرجوازي وباقي العموم هي على الدوام علاقات صراعيّة، وهو الأمر الذي يقر به جوف إيلي Geoff Ely، بحيث لا يمكن أن يولد الفضاء العمومي إلا في خِضم الصراع الاجتماعي. مما يعني أن النموذج الهابرماسي وفق التأويلات الجديدة هو مجرد نموذج مثالي، طوباوي. كانت المقاربة الهابرماسية مبنية على أسس وطنية أي داخل الإطار الوطني، وهو الأمر الذي نجده لدى الانتقادات المتنوعة التي تعيد التفكير في الفضاء العمومي من وجهة نظر النوع (النساء) والعرق (الأقليات) والطبقة (الفقراء). ولم تتم أشكلة نظرية الفضاء العمومي إلا في العقود الأخيرة بفضل تنامي الظواهر العابرة للأمم والمرتبطة بالعولمة أو بما بعد الاستعمار أو بالتعددية الثقافية.. حيث أصبح من الضروري بحث إمكانية وضرورة إعادة تشكيل نظرية الفضاء العمومي على أسس عابرة للأمم (دولية، عالمية).
يطرح الإطار الوطني للفضاء العمومي في النظرية التقليدية الكثير من المشكلات التي يمكن تحديدها في مشكلتين أساسيتين:
الأولى، الفرق بين الدول الوطنية والسلطات الخاصة، بحيث صار من الواجب إعادة بناء السلطات العمومية على نحو دولي (عالمي) من أجل الحد من سطوة السلطات الخاصة، ولفرض رقابة ديمقراطية دولية عليها؛
الثانية، تتصل بالفرق بين المواطنة داخل الدولة الواحدة والبلدان الأخرى، بحيث يجب مأسسة عناصر المواطنة الدولية-الكونية، وإنتاج تضامن واسع وغير مقيد بالفروقات اللغوية والعرقية (الإثنية) والدينية والوطنية. ومن ثمة إنتاج فضاءات عمومية واسعة مبنية على تواصل ديمقراطي مفتوح وبناؤها.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.