المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

هل تعكس الصناديق ترحيب المجتمع بالسعوديات المتميزات؟

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية
TT

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

كان ضربًا من خيال، لكنه استوى اليوم، وبفعل قرارات سياسية سامية تطمح أن تكون للمرأة السعودية فرص المشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، بعد عقود لم يعرف المجتمع السعودي أن تكون المرأة سوى في سلك التعليم، رغم أن التعليم كذلك كان علاجه الأخير من المؤسسة السياسية لا صراعات المجتمع، في تاريخ لا ينسى منذ الستينات الميلادية.
ولئن كانت الكويت ذات التجربة الديمقراطية التي تتجاوز الخمسة عقود، لم تسمح للمرأة بدخول مجلس الأمة إلا في عام 2005 بعد صراعات داخل المجلس في قبول تصويت المرأة قبل ترشحها؛ فإنها حققت الحضور الأول في عام 2009 بأربع عضوات من النساء، والمقارنة مع الكويت باب من تأثير المجتمعات الخليجية ببعضها واتصالها المجتمعي.
تعيش المملكة العربية السعودية اليوم تبدلاً بارزًا في الظروف الاجتماعية المتصلة بشؤون المرأة، وكانت المرأة السعودية قد حققت على الدوام، ولكن خلال العقود الأخيرة بالذات، منجزات كبرى داخل المملكة وخارجها. ويطل اليوم استحقاق جديد وفرصة مهمة لافتة من باب «المجالس البلدية» في انتخابات الدورة الثالثة، بعد أن حملت الأولى تجربة أولى للمملكة كان التوافد عليها جيدًا في عام 2005 وزادت في انتخابات الدورة الثانية خلال عام 2011.
لقد شهد التاريخ السعودي، خاصة فيما يتعامل مباشرة مع شؤون النساء، أن الدولة بمفهومها وجهازها السياسي هي من تقود تطوير المرأة، تاركة النقاشات المجتمعية والرؤى التقليدية المحكومة بعوامل عدة على هامش الصحف أو في حيّز أحاديث المجالس البعيدة عن صناعة القرار. ومن ثم تنطلق النساء السعوديات بعد «مجلس الشورى» في رحلة جديدة، ومعلومٌ أن «الشورى» كان فاتحة تاريخية بكل المقاييس حين جرى تعيين ثلاثين سيدة بعضوية كاملة داخل المجلس، وعبره شكلت مساهمة المرأة خلال سنتين منذ دخولها لقاعة المجلس الذهبي في عام 2013 حضورًا بارزًا على صعيد كثير من الملفات، وحاولت تلك «الكوتة» النسائية في حيزها أداء الكثير على شتى اللجان العاملة.

* تحديات أمام المرشحات والناخبات
بين المرشحات وعضوية المجالس البلدية صندوق الاقتراع، وبين حضورها كمرشحة أو ناخبة أمواج من التحديات تتمثل في الثقة التي من الممكن أن تنالها وسط المنافسة الرجالية الكبرى، ومحاولة إشعال الحراك الانتخابي بوجود امرأة في أي مجلس من المجالس البلدية في مدن ومحافظات المملكة كافة.
وإذا عادت الأيام القهقرى، فإن الأحداث تسجّل للمرأة السعودية حضورًا مبكرًا جاء عبر انتخابات الأندية الأدبية، وإن كانت المشاركة حينها مبتدئة لحداثة التجربة من ناحية، وإن نخبوية في عالم المثقفين من ناحية لأخرى. تلك الانتخابات في أواخر عام 2011 تمخضت عن مشاركة نسائية محدودة لم تشكل إلا أقل من 15 في المائة، وفي حقيقة الأمر، حملت معها مؤشرات خفت بريقها في عدد من الأندية إذ انتهى مطاف بعضها إلى المحاكم اعتراضا، كما واكبتها شكوك مثقفين على نطاق واسع حول الانتخابات ونزاهتها.
وعلى صعيد آخر، في القطاع التجاري، كانت انتخابات مجالس الغرف التجارية ذات السبق في التصويت النسائي، وشهدت الغرفة التجارية الصناعية في جدة عام 2005 أول فوز لسيدتين سعوديتين - هما لمى السليمان ونشوى طاهر - في تاريخ انتخابات المجالس التجارية، وكانت هذه سابقة جعلت من الانتخابات على ذلك الصعيد الأشرس في تاريخ الانتخابات بين التجار.

* تمثيل سليم لمجتمع طبيعي
في لقاءات أجرتها «الشرق الأوسط» مع العد التنازلي لمساهمة المرأة في الانتخابات البلدية، اعتبرت الدكتورة لطيفة الشعلان، عضوة مجلس الشورى، في حوار معها أن مشاركة المرأة في المجلس البلدي كمرشحة وناخبة «حدث استثنائي يصب في تمكين المرأة السعودية، ويوازي في أهميته دخول النساء إلى مجلس الشورى للمرة الأولى في تاريخه خلال الدورة السادسة الحالية». ورأت أن «دخول النساء إلى المجالس البلدية سوف يساهم في تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء باعتبار انتخابات المجالس البلدية القادمة ستعكس تمثيلاً سليمًا لمجتمع طبيعي يتكون من النساء والرجال».
غير أن الدكتورة الشعلان أضافت أن هناك «تحديات كثيرة ستقف في طريق حصول النساء على عضوية المجالس البلدية خاصة ضمن الثلثين المختارين بالانتخاب، وأن هذه التحديات كثيرة منها وقوف بعض التيارات ضد تمكين المرأة، ولقد بدأنا نرى بوادر ذلك في بعض الحملات الموجّهة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى طبيعة الثقافة النمطية والتقاليد السائدة في النظرة الدونية إلى قدرات النساء».
أيضا قالت إنه «ليس لدينا تجربة سابقة للقياس عليها سوى في انتخابات الغرف التجارية، وهذه تعزّز حضور المرأة فيها من خلال التعيين المباشر، وبالنسبة للانتخابات البلدية من المتوقع أو المفترض أن تعزز فرص النساء من خلال (كوتة) ثابتة وذلك ضمن الثلث الذي سيجري تعيينه وهذا هو المعمول به في دول كثيرة».
وأردفت الشعلان في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن العمل البلدي «عمل مجتمعي تنموي، والمرأة شريك في المجتمع ولديها الكثير من الرؤى التي ستساهم في تحقيق الأهداف الموضوعة لعمل المجالس البلدية، خاصة، ما يتعلق بتنمية المجتمع المحلي والمشاركة في السلطة الرقابية واقتراح الخطط والبرامج ودراسة مشاريع الأنظمة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، مع اتساع صلاحيات هذه المجالس في الدورة الجديدة». وأكدت أنها ترى أن «التطور في تمكين المرأة خلال السنوات الأخيرة، الذي عزّز من خريطة الإصلاح في الدولة، لم يكن له أن يحدث من دون وجود قاعدة واسعة من النساء السعوديات المتعلمات تعليمًا نوعيًا ويتميزن بالمؤهلات من خلال تكوينهن المعرفي وخبراتهن المتنوعة، وذلك بمستوى إن لم يتفوّق فهو لا يقل عن مثيلاتهن في الدول العربية والإسلامية الأخرى».
واختتمت الدكتورة الشعلان كلامها بالإعراب عن أملها بأن «تكون الانتخابات البلدية فتحًا جديدًا لمجالات أخرى أمام المرأة على صعيد التمكين ورسم السياسات العامة في كل مناحي الدولة، سواءً في الداخل أو على صعيد التمثيل الخارجي وأن يؤدي التوسع في منح المرأة حقوقها إلى إضعاف الصراع الاجتماعي المكرّر والباهظ التكلفة بين الأطياف المختلفة حول قضية المرأة».

* المرأة وجه للتقدم الاجتماعي
من جهة ثانية، ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة سمية حسن الصافي أن «حضور المرأة سيعزز من قيمة دخولها العمل السياسي بشكل كبير، وأنه لا يمكن الحكم على شيء حديث بمدى تقبل المجتمع للنساء شريكات في العمل الاجتماعي».
وأضافت الصافي خلال اتصال هاتفي بـ«الشرق الأوسط» أن «الإسلام منح المرأة مشاركة متساوية على كافة الأمور من الثواب إلى العقاب مع الرجل، وحفظ لها مكانة العمل والمشاركة في المسؤولية التي تعتبر أن المجالس البلدية هي أحد أوجه المشاركة». وشدّدت على أن رقي المجتمعات وصياغة قواعده الاجتماعية معني بالمرأة على الدرجة الأولى، ومشاركتها للرجل سيجعل من العمل الاجتماعي ذا تطوّر أكبر، مشيدة بالقرار السياسي الذي تتوقع أن «يمكّن المرأة من كسر القيود الوهمية التي ظلت عالقة في تفكير المجتمعات».
هذا، وترى الدكتورة الصافي في حديثها أنه «لا عوائق ستقف في وجه النساء خلال مشاركتها بالانتخابات البلدية، حتى وإن خرجت نتائجها النهائية - وفق توقعها - من دون أسماء نسائية ستساهم هذه الانتخابات ومشاركة المرأة فيها في تشكيل وعي آخر حول الدور الذي تلعبه المرأة في التقدم الاجتماعي، ذلك أن أي تحرير لقيود حول المرأة هو تحرير قيود أخرى عن الرجل».

* سجل من ذهب
في الحقيقة، حضور السعوديات في الشأنين العام والخاص شكّل ذهنية أخرى، وحضورهن عبر إنجازاتهن في مختلف المجالات على مدى السنوات الماضية كان لافتًا ومؤثرًا، وإن عارضته أصوات، تظل أصوات معروفة ومواقفها مألوفة معتادة. ومنذ فتح باب مشروع الابتعاث الكبير للطلبة السعوديين والسعوديات في الجامعات العالمية، ومرورًا بفتح مجالات العمل للمرأة في الأنشطة التجارية، وحتى دخول النخبة الكبرى إلى «مجلس الشورى»، ظلت الرياح المؤقتة تحاول النيل من نجاحات المرأة، ولكن من دون التأثير سلبًا لا على زخم التطور ولا قيمة الإنجازات.
من الدكتورة ثريا عبيد، التي سبق لها العمل وكيلا للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة تنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وحتى العالمة سميرة إسلام التي حازت على جائزة اليونيسكو لأفضل النساء في العالم نظير تميزها في مجال الأدوية، مرورًا بالدكتورة فاتن خورشيد عالمة اكتشاف علاج سرطان الرئة، والدكتورة إلهام أبو الجدايل عالمة الخلايا الجذعية، وغيرهن.
لا تزال القائمة عبر أجيال نسائية سعودية حاضرة تمتد، من الثقافة إلى العلوم مرورًا بالإدارة والسياسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في بريطانيا حازت الدكتورة أفنان الشعيبي التي تتبوأ منصب الأمين العام والرئيس التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية، على جائزة «دبلوماسي العام» عن عام 2011 تقديرًا لإسهامها الكبير في تحسين العلاقات التجارية بين العالم العربي وبريطانيا وتطوير قطاع التجارة والإعمال.
وعلى المدى الزمني القصير ذاته في السنوات الماضية، كانت الباحثة السعودية هبة الدوسري ذات إنجاز مختلف في محاولة إيجاد علاج للسرطان، باستخدام تقنية «النانو»، متفوقة بذلك على أكثر من ألفي طالب من أكثر من مائة دولة، ما حدا بالرئيس التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني، مارتن ديفيدسون، إلى وصفها بـ«المؤثرة والمهمة».
ومن الإنجاز إلى تبوء المناصب القيادية، كانت نورة الفايز أول امرأة سعودية تنال مرتبة وزير، عندما جرى تعيينها في عام 2009 نائبا لوزير التربية والتعليم لتعليم البنات، وحملت كذلك الأوامر الملكية السامية تعيين الدكتورة منيرة العلولا نائبة لمحافظ مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، وترافق ذلك مع تعيين الدكتورة أروى الأعمى نائبا لأمين محافظة جدة.
وتمرّ الشواهد الكثيرة وتتعدّد حتى على صعيد العمل في سفارات المملكة خارجيًا بالدكتورة موضي الخلف التي تسنمت حتى الشهر الماضي منصب مساعد الملحق الثقافي للشؤون الثقافية والاجتماعية.
وبناءّ عليه، مع أبواب قيد الناخبين والناخبات في انتخابات المجالس البلدية في الدورة الثالثة، تكون المرأة السعودية خطت خطوة جبارة أخرى نحو تفعيل دورها المجتمعي. ثم لاحقًا، مع مشاركتها الفعلية ترشحًا واقتراعًا ستؤكد بصورة مختلفة وبأوجه واضحة صلاحيات أوسع عن سابقتيها. جدير بالذكر، تتولى المجالس البلدية إقرار الخطط والبرامج البلدية ذات الصلة بتنفيذ المشاريع البلدية المعتمدة في الميزانية، ومشاريع التشغيل والصيانة، والمشاريع التطويرية والاستثمارية وكذلك الدراسة والرأي حول المخططات الهيكلية والسكنية، وكذلك مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وشروط وضوابط البناء، بجانب نظم استخدام الأراضي والخدمات البلدية والرسوم والغرامات البلدية، ومتابعة الشروط والمعايير المتعلقة بالصحة العامة.

* الدورة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية
ساهمت المجالس البلدية خلال الدورتين السابقتين في تطوير العمل البلدي عبر رسم الخطط والبرامج ومتابعة تنفيذ المشروعات، وتلبية احتياجات المواطنين من الخدمات البلدية وتحسين مستوياتها وتفعيل أداء البلديات والرفع من قدراتها حتى تتمكن من تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وتنطلق الدورة الثالثة من انتخابات أعضاء المجالس البلدية خلال الفترة القادمة بحلة جديدة إذ تشهد جملة من التحديثات التطويرية للعملية الانتخابية التي أقرها نظام المجالس البلدية الجديد الذي سيتم العمل بموجبه خلال هذه الدورة من عمل المجالس البلدية، بما في ذلك الانتخابات المتعلقة بتشكيلها.

** من أبرز هذه التحديثات التي أرساها النظام الجديد ما يلي:
* رفع نسبة أعضاء المجالس البلدية المنتخبين من النصف إلى الثلثين.
* خفض سن القيد للناخب من 21 عامًا إلى 18 سنة.
* فتح باب مشاركة المرأة كناخب ومرشح (حسب الضوابط الشرعية).
وتتيح انتخابات أعضاء المجالس البلدية للمواطنين فرصة المشاركة في صنع القرار من خلال اختيار ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة الشؤون المحلية والخدمات البلدية، ويقوم مفهوم الانتخابات بصفة عامة على إدلاء مجموعة من المواطنين تتوافر فيهم الشروط اللازمة لممارسة حق الانتخاب بأصواتهم لصالح المرشحين الذي يحظون بتأييدهم، ضمن عملية منظمة وفق أنظمة الاقتراع المعتمدة. وتستمد انتخابات أعضاء المجالس البلدية أهميتها من مشاركة المواطنين للأجهزة الحكومية في إدارة الخدمات البلدية، إذ تعد هذه المشاركة عاملاً مساعدا في دعم القرار الحكومي بما يحقق مصلحة المواطنين، إضافة إلى ذلك فإن هذه المشاركة تجعل المواطنين في موقع المسؤولية المشتركة مع الجهات الرسمية، وهذا يزيد من مستوى الوعي والمبادرة لدى المواطنين.
وقد حرصت وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية على إطلاق تطبيق «انتخاب» للأجهزة الذكية يحتوي على الخدمات الإلكترونية واللوائح والقوائم وكافة التفاصيل المتعلقة في العملية الانتخابية.

* قيد الناخبين
تعد مرحلة قيد الناخبين التي تستمر لمدة (21) يومًا أولى المراحل العملية لإجراء الانتخابات، وفي هذه المرحلة يجري حصر وتسجيل من تنطبق عليهم شروط الانتخاب في سجلات مخصصة تسمى جداول قيد الناخبين، ويتم فيها قيد الناخبين خلال المدة المحددة في مراكز الانتخاب التي تنشأ في نطاق المجلس البلدي، ويصار بعد انتهاء مدة القيد إصدار جداول قيد الناخبين ونشرها لمدة محددة وبالشكل الذي يتيح الاطلاع عليها ويفتح مجال الطعن والتصحيح فيها. وتعد مرحلة قيد الناخبين بالنسبة للمواطن المتوافرة فيه الشروط اختيارية وليست إلزامية ومن يفقد فرصة القيد في المدة المحددة لا يحق له الترشح أو الاقتراع في يوم التصويت.

* تسجيل المرشحين
تتميز الدورة الثالثة، وللمرة الأولى بتزامن عملية قيد الناخبين مع تسجيل المرشحين وتستمر لمدة (17) يومًا إذ لا بد لممارسة حق الترشح أن يكون طالب الترشيح مقيدًا في جداول قيد الناخبين. وسيكون الترشح خلال الفترة المحددة ووفق إجراءات معينة تسبق إصدار قوائم المرشحين ونشرها في الدوائر الانتخابية بما يتيح الاطلاع عليها ويفتح باب الطعن والتصحيح فيها ثم تنشر بشكلها النهائي.
حملات الدعاية الانتخابية للمرشحين
وهي المرحلة قبل الأخيرة وتبدأ بعد نشر القوائم النهائية لأسماء المرشحين وتستمر لمدة (12) يومًا حيث يفتح المجال للمرشحين المقبولين لبدء حملاتهم الانتخابية وتعريف الناخبين بهم وببرامجهم الانتخابية وأفكارهم وتطلعاتهم وخططهم المستقبلية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبدأ أي مرشح حملته الانتخابية أو الإعلان عن ترشيح نفسه قبل إعلان القوائم النهائية لأسماء المرشحين. ولهذه الحملات أهمية بالنسبة للمرشحين وللناخبين في آن واحد فهي تعطي الفرصة للناخب ليقرر من هو المرشح الأنسب الذي يرى فيه العناصر التي تجعله صالحًا لعضوية المجلس البلدي، ومن ناحية أخرى فهي فرصة لقيام المرشح بإيصال رسالته للناخبين وتعريفهم بنفسه للحصول على تأييدهم له يوم الاقتراع.

* خلفيات عن الانتخابات البلدية
* تُعقد الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية مرة كل أربع سنوات، وتتيح للمواطنين المشاركة في إدارة شئون المجالس البلدية واختيار أعضائها من الأكفاء، حيث ينص نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم 5-م في 21-2-1397هـ (10 فبراير/شباط 1977) في مادته التاسعة على أنه «يتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب، ويختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من ذوي الكفاءة والأهلية». كما تنصّ المادة العاشرة منه على أن «يختار المجلس البلدي رئيسه ونائبه من بين أعضائه بصفة دورية لمدة سنتين قابلة للتجديد، وإذا تساوت الأصوات بين المرشحين فيعتبر قرار وزير الشؤون البلدية والقروية مرجحًا».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».