المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

هل تعكس الصناديق ترحيب المجتمع بالسعوديات المتميزات؟

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية
TT

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

كان ضربًا من خيال، لكنه استوى اليوم، وبفعل قرارات سياسية سامية تطمح أن تكون للمرأة السعودية فرص المشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، بعد عقود لم يعرف المجتمع السعودي أن تكون المرأة سوى في سلك التعليم، رغم أن التعليم كذلك كان علاجه الأخير من المؤسسة السياسية لا صراعات المجتمع، في تاريخ لا ينسى منذ الستينات الميلادية.
ولئن كانت الكويت ذات التجربة الديمقراطية التي تتجاوز الخمسة عقود، لم تسمح للمرأة بدخول مجلس الأمة إلا في عام 2005 بعد صراعات داخل المجلس في قبول تصويت المرأة قبل ترشحها؛ فإنها حققت الحضور الأول في عام 2009 بأربع عضوات من النساء، والمقارنة مع الكويت باب من تأثير المجتمعات الخليجية ببعضها واتصالها المجتمعي.
تعيش المملكة العربية السعودية اليوم تبدلاً بارزًا في الظروف الاجتماعية المتصلة بشؤون المرأة، وكانت المرأة السعودية قد حققت على الدوام، ولكن خلال العقود الأخيرة بالذات، منجزات كبرى داخل المملكة وخارجها. ويطل اليوم استحقاق جديد وفرصة مهمة لافتة من باب «المجالس البلدية» في انتخابات الدورة الثالثة، بعد أن حملت الأولى تجربة أولى للمملكة كان التوافد عليها جيدًا في عام 2005 وزادت في انتخابات الدورة الثانية خلال عام 2011.
لقد شهد التاريخ السعودي، خاصة فيما يتعامل مباشرة مع شؤون النساء، أن الدولة بمفهومها وجهازها السياسي هي من تقود تطوير المرأة، تاركة النقاشات المجتمعية والرؤى التقليدية المحكومة بعوامل عدة على هامش الصحف أو في حيّز أحاديث المجالس البعيدة عن صناعة القرار. ومن ثم تنطلق النساء السعوديات بعد «مجلس الشورى» في رحلة جديدة، ومعلومٌ أن «الشورى» كان فاتحة تاريخية بكل المقاييس حين جرى تعيين ثلاثين سيدة بعضوية كاملة داخل المجلس، وعبره شكلت مساهمة المرأة خلال سنتين منذ دخولها لقاعة المجلس الذهبي في عام 2013 حضورًا بارزًا على صعيد كثير من الملفات، وحاولت تلك «الكوتة» النسائية في حيزها أداء الكثير على شتى اللجان العاملة.

* تحديات أمام المرشحات والناخبات
بين المرشحات وعضوية المجالس البلدية صندوق الاقتراع، وبين حضورها كمرشحة أو ناخبة أمواج من التحديات تتمثل في الثقة التي من الممكن أن تنالها وسط المنافسة الرجالية الكبرى، ومحاولة إشعال الحراك الانتخابي بوجود امرأة في أي مجلس من المجالس البلدية في مدن ومحافظات المملكة كافة.
وإذا عادت الأيام القهقرى، فإن الأحداث تسجّل للمرأة السعودية حضورًا مبكرًا جاء عبر انتخابات الأندية الأدبية، وإن كانت المشاركة حينها مبتدئة لحداثة التجربة من ناحية، وإن نخبوية في عالم المثقفين من ناحية لأخرى. تلك الانتخابات في أواخر عام 2011 تمخضت عن مشاركة نسائية محدودة لم تشكل إلا أقل من 15 في المائة، وفي حقيقة الأمر، حملت معها مؤشرات خفت بريقها في عدد من الأندية إذ انتهى مطاف بعضها إلى المحاكم اعتراضا، كما واكبتها شكوك مثقفين على نطاق واسع حول الانتخابات ونزاهتها.
وعلى صعيد آخر، في القطاع التجاري، كانت انتخابات مجالس الغرف التجارية ذات السبق في التصويت النسائي، وشهدت الغرفة التجارية الصناعية في جدة عام 2005 أول فوز لسيدتين سعوديتين - هما لمى السليمان ونشوى طاهر - في تاريخ انتخابات المجالس التجارية، وكانت هذه سابقة جعلت من الانتخابات على ذلك الصعيد الأشرس في تاريخ الانتخابات بين التجار.

* تمثيل سليم لمجتمع طبيعي
في لقاءات أجرتها «الشرق الأوسط» مع العد التنازلي لمساهمة المرأة في الانتخابات البلدية، اعتبرت الدكتورة لطيفة الشعلان، عضوة مجلس الشورى، في حوار معها أن مشاركة المرأة في المجلس البلدي كمرشحة وناخبة «حدث استثنائي يصب في تمكين المرأة السعودية، ويوازي في أهميته دخول النساء إلى مجلس الشورى للمرة الأولى في تاريخه خلال الدورة السادسة الحالية». ورأت أن «دخول النساء إلى المجالس البلدية سوف يساهم في تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء باعتبار انتخابات المجالس البلدية القادمة ستعكس تمثيلاً سليمًا لمجتمع طبيعي يتكون من النساء والرجال».
غير أن الدكتورة الشعلان أضافت أن هناك «تحديات كثيرة ستقف في طريق حصول النساء على عضوية المجالس البلدية خاصة ضمن الثلثين المختارين بالانتخاب، وأن هذه التحديات كثيرة منها وقوف بعض التيارات ضد تمكين المرأة، ولقد بدأنا نرى بوادر ذلك في بعض الحملات الموجّهة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى طبيعة الثقافة النمطية والتقاليد السائدة في النظرة الدونية إلى قدرات النساء».
أيضا قالت إنه «ليس لدينا تجربة سابقة للقياس عليها سوى في انتخابات الغرف التجارية، وهذه تعزّز حضور المرأة فيها من خلال التعيين المباشر، وبالنسبة للانتخابات البلدية من المتوقع أو المفترض أن تعزز فرص النساء من خلال (كوتة) ثابتة وذلك ضمن الثلث الذي سيجري تعيينه وهذا هو المعمول به في دول كثيرة».
وأردفت الشعلان في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن العمل البلدي «عمل مجتمعي تنموي، والمرأة شريك في المجتمع ولديها الكثير من الرؤى التي ستساهم في تحقيق الأهداف الموضوعة لعمل المجالس البلدية، خاصة، ما يتعلق بتنمية المجتمع المحلي والمشاركة في السلطة الرقابية واقتراح الخطط والبرامج ودراسة مشاريع الأنظمة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، مع اتساع صلاحيات هذه المجالس في الدورة الجديدة». وأكدت أنها ترى أن «التطور في تمكين المرأة خلال السنوات الأخيرة، الذي عزّز من خريطة الإصلاح في الدولة، لم يكن له أن يحدث من دون وجود قاعدة واسعة من النساء السعوديات المتعلمات تعليمًا نوعيًا ويتميزن بالمؤهلات من خلال تكوينهن المعرفي وخبراتهن المتنوعة، وذلك بمستوى إن لم يتفوّق فهو لا يقل عن مثيلاتهن في الدول العربية والإسلامية الأخرى».
واختتمت الدكتورة الشعلان كلامها بالإعراب عن أملها بأن «تكون الانتخابات البلدية فتحًا جديدًا لمجالات أخرى أمام المرأة على صعيد التمكين ورسم السياسات العامة في كل مناحي الدولة، سواءً في الداخل أو على صعيد التمثيل الخارجي وأن يؤدي التوسع في منح المرأة حقوقها إلى إضعاف الصراع الاجتماعي المكرّر والباهظ التكلفة بين الأطياف المختلفة حول قضية المرأة».

* المرأة وجه للتقدم الاجتماعي
من جهة ثانية، ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة سمية حسن الصافي أن «حضور المرأة سيعزز من قيمة دخولها العمل السياسي بشكل كبير، وأنه لا يمكن الحكم على شيء حديث بمدى تقبل المجتمع للنساء شريكات في العمل الاجتماعي».
وأضافت الصافي خلال اتصال هاتفي بـ«الشرق الأوسط» أن «الإسلام منح المرأة مشاركة متساوية على كافة الأمور من الثواب إلى العقاب مع الرجل، وحفظ لها مكانة العمل والمشاركة في المسؤولية التي تعتبر أن المجالس البلدية هي أحد أوجه المشاركة». وشدّدت على أن رقي المجتمعات وصياغة قواعده الاجتماعية معني بالمرأة على الدرجة الأولى، ومشاركتها للرجل سيجعل من العمل الاجتماعي ذا تطوّر أكبر، مشيدة بالقرار السياسي الذي تتوقع أن «يمكّن المرأة من كسر القيود الوهمية التي ظلت عالقة في تفكير المجتمعات».
هذا، وترى الدكتورة الصافي في حديثها أنه «لا عوائق ستقف في وجه النساء خلال مشاركتها بالانتخابات البلدية، حتى وإن خرجت نتائجها النهائية - وفق توقعها - من دون أسماء نسائية ستساهم هذه الانتخابات ومشاركة المرأة فيها في تشكيل وعي آخر حول الدور الذي تلعبه المرأة في التقدم الاجتماعي، ذلك أن أي تحرير لقيود حول المرأة هو تحرير قيود أخرى عن الرجل».

* سجل من ذهب
في الحقيقة، حضور السعوديات في الشأنين العام والخاص شكّل ذهنية أخرى، وحضورهن عبر إنجازاتهن في مختلف المجالات على مدى السنوات الماضية كان لافتًا ومؤثرًا، وإن عارضته أصوات، تظل أصوات معروفة ومواقفها مألوفة معتادة. ومنذ فتح باب مشروع الابتعاث الكبير للطلبة السعوديين والسعوديات في الجامعات العالمية، ومرورًا بفتح مجالات العمل للمرأة في الأنشطة التجارية، وحتى دخول النخبة الكبرى إلى «مجلس الشورى»، ظلت الرياح المؤقتة تحاول النيل من نجاحات المرأة، ولكن من دون التأثير سلبًا لا على زخم التطور ولا قيمة الإنجازات.
من الدكتورة ثريا عبيد، التي سبق لها العمل وكيلا للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة تنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وحتى العالمة سميرة إسلام التي حازت على جائزة اليونيسكو لأفضل النساء في العالم نظير تميزها في مجال الأدوية، مرورًا بالدكتورة فاتن خورشيد عالمة اكتشاف علاج سرطان الرئة، والدكتورة إلهام أبو الجدايل عالمة الخلايا الجذعية، وغيرهن.
لا تزال القائمة عبر أجيال نسائية سعودية حاضرة تمتد، من الثقافة إلى العلوم مرورًا بالإدارة والسياسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في بريطانيا حازت الدكتورة أفنان الشعيبي التي تتبوأ منصب الأمين العام والرئيس التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية، على جائزة «دبلوماسي العام» عن عام 2011 تقديرًا لإسهامها الكبير في تحسين العلاقات التجارية بين العالم العربي وبريطانيا وتطوير قطاع التجارة والإعمال.
وعلى المدى الزمني القصير ذاته في السنوات الماضية، كانت الباحثة السعودية هبة الدوسري ذات إنجاز مختلف في محاولة إيجاد علاج للسرطان، باستخدام تقنية «النانو»، متفوقة بذلك على أكثر من ألفي طالب من أكثر من مائة دولة، ما حدا بالرئيس التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني، مارتن ديفيدسون، إلى وصفها بـ«المؤثرة والمهمة».
ومن الإنجاز إلى تبوء المناصب القيادية، كانت نورة الفايز أول امرأة سعودية تنال مرتبة وزير، عندما جرى تعيينها في عام 2009 نائبا لوزير التربية والتعليم لتعليم البنات، وحملت كذلك الأوامر الملكية السامية تعيين الدكتورة منيرة العلولا نائبة لمحافظ مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، وترافق ذلك مع تعيين الدكتورة أروى الأعمى نائبا لأمين محافظة جدة.
وتمرّ الشواهد الكثيرة وتتعدّد حتى على صعيد العمل في سفارات المملكة خارجيًا بالدكتورة موضي الخلف التي تسنمت حتى الشهر الماضي منصب مساعد الملحق الثقافي للشؤون الثقافية والاجتماعية.
وبناءّ عليه، مع أبواب قيد الناخبين والناخبات في انتخابات المجالس البلدية في الدورة الثالثة، تكون المرأة السعودية خطت خطوة جبارة أخرى نحو تفعيل دورها المجتمعي. ثم لاحقًا، مع مشاركتها الفعلية ترشحًا واقتراعًا ستؤكد بصورة مختلفة وبأوجه واضحة صلاحيات أوسع عن سابقتيها. جدير بالذكر، تتولى المجالس البلدية إقرار الخطط والبرامج البلدية ذات الصلة بتنفيذ المشاريع البلدية المعتمدة في الميزانية، ومشاريع التشغيل والصيانة، والمشاريع التطويرية والاستثمارية وكذلك الدراسة والرأي حول المخططات الهيكلية والسكنية، وكذلك مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وشروط وضوابط البناء، بجانب نظم استخدام الأراضي والخدمات البلدية والرسوم والغرامات البلدية، ومتابعة الشروط والمعايير المتعلقة بالصحة العامة.

* الدورة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية
ساهمت المجالس البلدية خلال الدورتين السابقتين في تطوير العمل البلدي عبر رسم الخطط والبرامج ومتابعة تنفيذ المشروعات، وتلبية احتياجات المواطنين من الخدمات البلدية وتحسين مستوياتها وتفعيل أداء البلديات والرفع من قدراتها حتى تتمكن من تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وتنطلق الدورة الثالثة من انتخابات أعضاء المجالس البلدية خلال الفترة القادمة بحلة جديدة إذ تشهد جملة من التحديثات التطويرية للعملية الانتخابية التي أقرها نظام المجالس البلدية الجديد الذي سيتم العمل بموجبه خلال هذه الدورة من عمل المجالس البلدية، بما في ذلك الانتخابات المتعلقة بتشكيلها.

** من أبرز هذه التحديثات التي أرساها النظام الجديد ما يلي:
* رفع نسبة أعضاء المجالس البلدية المنتخبين من النصف إلى الثلثين.
* خفض سن القيد للناخب من 21 عامًا إلى 18 سنة.
* فتح باب مشاركة المرأة كناخب ومرشح (حسب الضوابط الشرعية).
وتتيح انتخابات أعضاء المجالس البلدية للمواطنين فرصة المشاركة في صنع القرار من خلال اختيار ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة الشؤون المحلية والخدمات البلدية، ويقوم مفهوم الانتخابات بصفة عامة على إدلاء مجموعة من المواطنين تتوافر فيهم الشروط اللازمة لممارسة حق الانتخاب بأصواتهم لصالح المرشحين الذي يحظون بتأييدهم، ضمن عملية منظمة وفق أنظمة الاقتراع المعتمدة. وتستمد انتخابات أعضاء المجالس البلدية أهميتها من مشاركة المواطنين للأجهزة الحكومية في إدارة الخدمات البلدية، إذ تعد هذه المشاركة عاملاً مساعدا في دعم القرار الحكومي بما يحقق مصلحة المواطنين، إضافة إلى ذلك فإن هذه المشاركة تجعل المواطنين في موقع المسؤولية المشتركة مع الجهات الرسمية، وهذا يزيد من مستوى الوعي والمبادرة لدى المواطنين.
وقد حرصت وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية على إطلاق تطبيق «انتخاب» للأجهزة الذكية يحتوي على الخدمات الإلكترونية واللوائح والقوائم وكافة التفاصيل المتعلقة في العملية الانتخابية.

* قيد الناخبين
تعد مرحلة قيد الناخبين التي تستمر لمدة (21) يومًا أولى المراحل العملية لإجراء الانتخابات، وفي هذه المرحلة يجري حصر وتسجيل من تنطبق عليهم شروط الانتخاب في سجلات مخصصة تسمى جداول قيد الناخبين، ويتم فيها قيد الناخبين خلال المدة المحددة في مراكز الانتخاب التي تنشأ في نطاق المجلس البلدي، ويصار بعد انتهاء مدة القيد إصدار جداول قيد الناخبين ونشرها لمدة محددة وبالشكل الذي يتيح الاطلاع عليها ويفتح مجال الطعن والتصحيح فيها. وتعد مرحلة قيد الناخبين بالنسبة للمواطن المتوافرة فيه الشروط اختيارية وليست إلزامية ومن يفقد فرصة القيد في المدة المحددة لا يحق له الترشح أو الاقتراع في يوم التصويت.

* تسجيل المرشحين
تتميز الدورة الثالثة، وللمرة الأولى بتزامن عملية قيد الناخبين مع تسجيل المرشحين وتستمر لمدة (17) يومًا إذ لا بد لممارسة حق الترشح أن يكون طالب الترشيح مقيدًا في جداول قيد الناخبين. وسيكون الترشح خلال الفترة المحددة ووفق إجراءات معينة تسبق إصدار قوائم المرشحين ونشرها في الدوائر الانتخابية بما يتيح الاطلاع عليها ويفتح باب الطعن والتصحيح فيها ثم تنشر بشكلها النهائي.
حملات الدعاية الانتخابية للمرشحين
وهي المرحلة قبل الأخيرة وتبدأ بعد نشر القوائم النهائية لأسماء المرشحين وتستمر لمدة (12) يومًا حيث يفتح المجال للمرشحين المقبولين لبدء حملاتهم الانتخابية وتعريف الناخبين بهم وببرامجهم الانتخابية وأفكارهم وتطلعاتهم وخططهم المستقبلية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبدأ أي مرشح حملته الانتخابية أو الإعلان عن ترشيح نفسه قبل إعلان القوائم النهائية لأسماء المرشحين. ولهذه الحملات أهمية بالنسبة للمرشحين وللناخبين في آن واحد فهي تعطي الفرصة للناخب ليقرر من هو المرشح الأنسب الذي يرى فيه العناصر التي تجعله صالحًا لعضوية المجلس البلدي، ومن ناحية أخرى فهي فرصة لقيام المرشح بإيصال رسالته للناخبين وتعريفهم بنفسه للحصول على تأييدهم له يوم الاقتراع.

* خلفيات عن الانتخابات البلدية
* تُعقد الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية مرة كل أربع سنوات، وتتيح للمواطنين المشاركة في إدارة شئون المجالس البلدية واختيار أعضائها من الأكفاء، حيث ينص نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم 5-م في 21-2-1397هـ (10 فبراير/شباط 1977) في مادته التاسعة على أنه «يتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب، ويختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من ذوي الكفاءة والأهلية». كما تنصّ المادة العاشرة منه على أن «يختار المجلس البلدي رئيسه ونائبه من بين أعضائه بصفة دورية لمدة سنتين قابلة للتجديد، وإذا تساوت الأصوات بين المرشحين فيعتبر قرار وزير الشؤون البلدية والقروية مرجحًا».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.