المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

هل تعكس الصناديق ترحيب المجتمع بالسعوديات المتميزات؟

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية
TT

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

كان ضربًا من خيال، لكنه استوى اليوم، وبفعل قرارات سياسية سامية تطمح أن تكون للمرأة السعودية فرص المشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، بعد عقود لم يعرف المجتمع السعودي أن تكون المرأة سوى في سلك التعليم، رغم أن التعليم كذلك كان علاجه الأخير من المؤسسة السياسية لا صراعات المجتمع، في تاريخ لا ينسى منذ الستينات الميلادية.
ولئن كانت الكويت ذات التجربة الديمقراطية التي تتجاوز الخمسة عقود، لم تسمح للمرأة بدخول مجلس الأمة إلا في عام 2005 بعد صراعات داخل المجلس في قبول تصويت المرأة قبل ترشحها؛ فإنها حققت الحضور الأول في عام 2009 بأربع عضوات من النساء، والمقارنة مع الكويت باب من تأثير المجتمعات الخليجية ببعضها واتصالها المجتمعي.
تعيش المملكة العربية السعودية اليوم تبدلاً بارزًا في الظروف الاجتماعية المتصلة بشؤون المرأة، وكانت المرأة السعودية قد حققت على الدوام، ولكن خلال العقود الأخيرة بالذات، منجزات كبرى داخل المملكة وخارجها. ويطل اليوم استحقاق جديد وفرصة مهمة لافتة من باب «المجالس البلدية» في انتخابات الدورة الثالثة، بعد أن حملت الأولى تجربة أولى للمملكة كان التوافد عليها جيدًا في عام 2005 وزادت في انتخابات الدورة الثانية خلال عام 2011.
لقد شهد التاريخ السعودي، خاصة فيما يتعامل مباشرة مع شؤون النساء، أن الدولة بمفهومها وجهازها السياسي هي من تقود تطوير المرأة، تاركة النقاشات المجتمعية والرؤى التقليدية المحكومة بعوامل عدة على هامش الصحف أو في حيّز أحاديث المجالس البعيدة عن صناعة القرار. ومن ثم تنطلق النساء السعوديات بعد «مجلس الشورى» في رحلة جديدة، ومعلومٌ أن «الشورى» كان فاتحة تاريخية بكل المقاييس حين جرى تعيين ثلاثين سيدة بعضوية كاملة داخل المجلس، وعبره شكلت مساهمة المرأة خلال سنتين منذ دخولها لقاعة المجلس الذهبي في عام 2013 حضورًا بارزًا على صعيد كثير من الملفات، وحاولت تلك «الكوتة» النسائية في حيزها أداء الكثير على شتى اللجان العاملة.

* تحديات أمام المرشحات والناخبات
بين المرشحات وعضوية المجالس البلدية صندوق الاقتراع، وبين حضورها كمرشحة أو ناخبة أمواج من التحديات تتمثل في الثقة التي من الممكن أن تنالها وسط المنافسة الرجالية الكبرى، ومحاولة إشعال الحراك الانتخابي بوجود امرأة في أي مجلس من المجالس البلدية في مدن ومحافظات المملكة كافة.
وإذا عادت الأيام القهقرى، فإن الأحداث تسجّل للمرأة السعودية حضورًا مبكرًا جاء عبر انتخابات الأندية الأدبية، وإن كانت المشاركة حينها مبتدئة لحداثة التجربة من ناحية، وإن نخبوية في عالم المثقفين من ناحية لأخرى. تلك الانتخابات في أواخر عام 2011 تمخضت عن مشاركة نسائية محدودة لم تشكل إلا أقل من 15 في المائة، وفي حقيقة الأمر، حملت معها مؤشرات خفت بريقها في عدد من الأندية إذ انتهى مطاف بعضها إلى المحاكم اعتراضا، كما واكبتها شكوك مثقفين على نطاق واسع حول الانتخابات ونزاهتها.
وعلى صعيد آخر، في القطاع التجاري، كانت انتخابات مجالس الغرف التجارية ذات السبق في التصويت النسائي، وشهدت الغرفة التجارية الصناعية في جدة عام 2005 أول فوز لسيدتين سعوديتين - هما لمى السليمان ونشوى طاهر - في تاريخ انتخابات المجالس التجارية، وكانت هذه سابقة جعلت من الانتخابات على ذلك الصعيد الأشرس في تاريخ الانتخابات بين التجار.

* تمثيل سليم لمجتمع طبيعي
في لقاءات أجرتها «الشرق الأوسط» مع العد التنازلي لمساهمة المرأة في الانتخابات البلدية، اعتبرت الدكتورة لطيفة الشعلان، عضوة مجلس الشورى، في حوار معها أن مشاركة المرأة في المجلس البلدي كمرشحة وناخبة «حدث استثنائي يصب في تمكين المرأة السعودية، ويوازي في أهميته دخول النساء إلى مجلس الشورى للمرة الأولى في تاريخه خلال الدورة السادسة الحالية». ورأت أن «دخول النساء إلى المجالس البلدية سوف يساهم في تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء باعتبار انتخابات المجالس البلدية القادمة ستعكس تمثيلاً سليمًا لمجتمع طبيعي يتكون من النساء والرجال».
غير أن الدكتورة الشعلان أضافت أن هناك «تحديات كثيرة ستقف في طريق حصول النساء على عضوية المجالس البلدية خاصة ضمن الثلثين المختارين بالانتخاب، وأن هذه التحديات كثيرة منها وقوف بعض التيارات ضد تمكين المرأة، ولقد بدأنا نرى بوادر ذلك في بعض الحملات الموجّهة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى طبيعة الثقافة النمطية والتقاليد السائدة في النظرة الدونية إلى قدرات النساء».
أيضا قالت إنه «ليس لدينا تجربة سابقة للقياس عليها سوى في انتخابات الغرف التجارية، وهذه تعزّز حضور المرأة فيها من خلال التعيين المباشر، وبالنسبة للانتخابات البلدية من المتوقع أو المفترض أن تعزز فرص النساء من خلال (كوتة) ثابتة وذلك ضمن الثلث الذي سيجري تعيينه وهذا هو المعمول به في دول كثيرة».
وأردفت الشعلان في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن العمل البلدي «عمل مجتمعي تنموي، والمرأة شريك في المجتمع ولديها الكثير من الرؤى التي ستساهم في تحقيق الأهداف الموضوعة لعمل المجالس البلدية، خاصة، ما يتعلق بتنمية المجتمع المحلي والمشاركة في السلطة الرقابية واقتراح الخطط والبرامج ودراسة مشاريع الأنظمة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، مع اتساع صلاحيات هذه المجالس في الدورة الجديدة». وأكدت أنها ترى أن «التطور في تمكين المرأة خلال السنوات الأخيرة، الذي عزّز من خريطة الإصلاح في الدولة، لم يكن له أن يحدث من دون وجود قاعدة واسعة من النساء السعوديات المتعلمات تعليمًا نوعيًا ويتميزن بالمؤهلات من خلال تكوينهن المعرفي وخبراتهن المتنوعة، وذلك بمستوى إن لم يتفوّق فهو لا يقل عن مثيلاتهن في الدول العربية والإسلامية الأخرى».
واختتمت الدكتورة الشعلان كلامها بالإعراب عن أملها بأن «تكون الانتخابات البلدية فتحًا جديدًا لمجالات أخرى أمام المرأة على صعيد التمكين ورسم السياسات العامة في كل مناحي الدولة، سواءً في الداخل أو على صعيد التمثيل الخارجي وأن يؤدي التوسع في منح المرأة حقوقها إلى إضعاف الصراع الاجتماعي المكرّر والباهظ التكلفة بين الأطياف المختلفة حول قضية المرأة».

* المرأة وجه للتقدم الاجتماعي
من جهة ثانية، ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة سمية حسن الصافي أن «حضور المرأة سيعزز من قيمة دخولها العمل السياسي بشكل كبير، وأنه لا يمكن الحكم على شيء حديث بمدى تقبل المجتمع للنساء شريكات في العمل الاجتماعي».
وأضافت الصافي خلال اتصال هاتفي بـ«الشرق الأوسط» أن «الإسلام منح المرأة مشاركة متساوية على كافة الأمور من الثواب إلى العقاب مع الرجل، وحفظ لها مكانة العمل والمشاركة في المسؤولية التي تعتبر أن المجالس البلدية هي أحد أوجه المشاركة». وشدّدت على أن رقي المجتمعات وصياغة قواعده الاجتماعية معني بالمرأة على الدرجة الأولى، ومشاركتها للرجل سيجعل من العمل الاجتماعي ذا تطوّر أكبر، مشيدة بالقرار السياسي الذي تتوقع أن «يمكّن المرأة من كسر القيود الوهمية التي ظلت عالقة في تفكير المجتمعات».
هذا، وترى الدكتورة الصافي في حديثها أنه «لا عوائق ستقف في وجه النساء خلال مشاركتها بالانتخابات البلدية، حتى وإن خرجت نتائجها النهائية - وفق توقعها - من دون أسماء نسائية ستساهم هذه الانتخابات ومشاركة المرأة فيها في تشكيل وعي آخر حول الدور الذي تلعبه المرأة في التقدم الاجتماعي، ذلك أن أي تحرير لقيود حول المرأة هو تحرير قيود أخرى عن الرجل».

* سجل من ذهب
في الحقيقة، حضور السعوديات في الشأنين العام والخاص شكّل ذهنية أخرى، وحضورهن عبر إنجازاتهن في مختلف المجالات على مدى السنوات الماضية كان لافتًا ومؤثرًا، وإن عارضته أصوات، تظل أصوات معروفة ومواقفها مألوفة معتادة. ومنذ فتح باب مشروع الابتعاث الكبير للطلبة السعوديين والسعوديات في الجامعات العالمية، ومرورًا بفتح مجالات العمل للمرأة في الأنشطة التجارية، وحتى دخول النخبة الكبرى إلى «مجلس الشورى»، ظلت الرياح المؤقتة تحاول النيل من نجاحات المرأة، ولكن من دون التأثير سلبًا لا على زخم التطور ولا قيمة الإنجازات.
من الدكتورة ثريا عبيد، التي سبق لها العمل وكيلا للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة تنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وحتى العالمة سميرة إسلام التي حازت على جائزة اليونيسكو لأفضل النساء في العالم نظير تميزها في مجال الأدوية، مرورًا بالدكتورة فاتن خورشيد عالمة اكتشاف علاج سرطان الرئة، والدكتورة إلهام أبو الجدايل عالمة الخلايا الجذعية، وغيرهن.
لا تزال القائمة عبر أجيال نسائية سعودية حاضرة تمتد، من الثقافة إلى العلوم مرورًا بالإدارة والسياسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في بريطانيا حازت الدكتورة أفنان الشعيبي التي تتبوأ منصب الأمين العام والرئيس التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية، على جائزة «دبلوماسي العام» عن عام 2011 تقديرًا لإسهامها الكبير في تحسين العلاقات التجارية بين العالم العربي وبريطانيا وتطوير قطاع التجارة والإعمال.
وعلى المدى الزمني القصير ذاته في السنوات الماضية، كانت الباحثة السعودية هبة الدوسري ذات إنجاز مختلف في محاولة إيجاد علاج للسرطان، باستخدام تقنية «النانو»، متفوقة بذلك على أكثر من ألفي طالب من أكثر من مائة دولة، ما حدا بالرئيس التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني، مارتن ديفيدسون، إلى وصفها بـ«المؤثرة والمهمة».
ومن الإنجاز إلى تبوء المناصب القيادية، كانت نورة الفايز أول امرأة سعودية تنال مرتبة وزير، عندما جرى تعيينها في عام 2009 نائبا لوزير التربية والتعليم لتعليم البنات، وحملت كذلك الأوامر الملكية السامية تعيين الدكتورة منيرة العلولا نائبة لمحافظ مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، وترافق ذلك مع تعيين الدكتورة أروى الأعمى نائبا لأمين محافظة جدة.
وتمرّ الشواهد الكثيرة وتتعدّد حتى على صعيد العمل في سفارات المملكة خارجيًا بالدكتورة موضي الخلف التي تسنمت حتى الشهر الماضي منصب مساعد الملحق الثقافي للشؤون الثقافية والاجتماعية.
وبناءّ عليه، مع أبواب قيد الناخبين والناخبات في انتخابات المجالس البلدية في الدورة الثالثة، تكون المرأة السعودية خطت خطوة جبارة أخرى نحو تفعيل دورها المجتمعي. ثم لاحقًا، مع مشاركتها الفعلية ترشحًا واقتراعًا ستؤكد بصورة مختلفة وبأوجه واضحة صلاحيات أوسع عن سابقتيها. جدير بالذكر، تتولى المجالس البلدية إقرار الخطط والبرامج البلدية ذات الصلة بتنفيذ المشاريع البلدية المعتمدة في الميزانية، ومشاريع التشغيل والصيانة، والمشاريع التطويرية والاستثمارية وكذلك الدراسة والرأي حول المخططات الهيكلية والسكنية، وكذلك مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وشروط وضوابط البناء، بجانب نظم استخدام الأراضي والخدمات البلدية والرسوم والغرامات البلدية، ومتابعة الشروط والمعايير المتعلقة بالصحة العامة.

* الدورة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية
ساهمت المجالس البلدية خلال الدورتين السابقتين في تطوير العمل البلدي عبر رسم الخطط والبرامج ومتابعة تنفيذ المشروعات، وتلبية احتياجات المواطنين من الخدمات البلدية وتحسين مستوياتها وتفعيل أداء البلديات والرفع من قدراتها حتى تتمكن من تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وتنطلق الدورة الثالثة من انتخابات أعضاء المجالس البلدية خلال الفترة القادمة بحلة جديدة إذ تشهد جملة من التحديثات التطويرية للعملية الانتخابية التي أقرها نظام المجالس البلدية الجديد الذي سيتم العمل بموجبه خلال هذه الدورة من عمل المجالس البلدية، بما في ذلك الانتخابات المتعلقة بتشكيلها.

** من أبرز هذه التحديثات التي أرساها النظام الجديد ما يلي:
* رفع نسبة أعضاء المجالس البلدية المنتخبين من النصف إلى الثلثين.
* خفض سن القيد للناخب من 21 عامًا إلى 18 سنة.
* فتح باب مشاركة المرأة كناخب ومرشح (حسب الضوابط الشرعية).
وتتيح انتخابات أعضاء المجالس البلدية للمواطنين فرصة المشاركة في صنع القرار من خلال اختيار ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة الشؤون المحلية والخدمات البلدية، ويقوم مفهوم الانتخابات بصفة عامة على إدلاء مجموعة من المواطنين تتوافر فيهم الشروط اللازمة لممارسة حق الانتخاب بأصواتهم لصالح المرشحين الذي يحظون بتأييدهم، ضمن عملية منظمة وفق أنظمة الاقتراع المعتمدة. وتستمد انتخابات أعضاء المجالس البلدية أهميتها من مشاركة المواطنين للأجهزة الحكومية في إدارة الخدمات البلدية، إذ تعد هذه المشاركة عاملاً مساعدا في دعم القرار الحكومي بما يحقق مصلحة المواطنين، إضافة إلى ذلك فإن هذه المشاركة تجعل المواطنين في موقع المسؤولية المشتركة مع الجهات الرسمية، وهذا يزيد من مستوى الوعي والمبادرة لدى المواطنين.
وقد حرصت وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية على إطلاق تطبيق «انتخاب» للأجهزة الذكية يحتوي على الخدمات الإلكترونية واللوائح والقوائم وكافة التفاصيل المتعلقة في العملية الانتخابية.

* قيد الناخبين
تعد مرحلة قيد الناخبين التي تستمر لمدة (21) يومًا أولى المراحل العملية لإجراء الانتخابات، وفي هذه المرحلة يجري حصر وتسجيل من تنطبق عليهم شروط الانتخاب في سجلات مخصصة تسمى جداول قيد الناخبين، ويتم فيها قيد الناخبين خلال المدة المحددة في مراكز الانتخاب التي تنشأ في نطاق المجلس البلدي، ويصار بعد انتهاء مدة القيد إصدار جداول قيد الناخبين ونشرها لمدة محددة وبالشكل الذي يتيح الاطلاع عليها ويفتح مجال الطعن والتصحيح فيها. وتعد مرحلة قيد الناخبين بالنسبة للمواطن المتوافرة فيه الشروط اختيارية وليست إلزامية ومن يفقد فرصة القيد في المدة المحددة لا يحق له الترشح أو الاقتراع في يوم التصويت.

* تسجيل المرشحين
تتميز الدورة الثالثة، وللمرة الأولى بتزامن عملية قيد الناخبين مع تسجيل المرشحين وتستمر لمدة (17) يومًا إذ لا بد لممارسة حق الترشح أن يكون طالب الترشيح مقيدًا في جداول قيد الناخبين. وسيكون الترشح خلال الفترة المحددة ووفق إجراءات معينة تسبق إصدار قوائم المرشحين ونشرها في الدوائر الانتخابية بما يتيح الاطلاع عليها ويفتح باب الطعن والتصحيح فيها ثم تنشر بشكلها النهائي.
حملات الدعاية الانتخابية للمرشحين
وهي المرحلة قبل الأخيرة وتبدأ بعد نشر القوائم النهائية لأسماء المرشحين وتستمر لمدة (12) يومًا حيث يفتح المجال للمرشحين المقبولين لبدء حملاتهم الانتخابية وتعريف الناخبين بهم وببرامجهم الانتخابية وأفكارهم وتطلعاتهم وخططهم المستقبلية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبدأ أي مرشح حملته الانتخابية أو الإعلان عن ترشيح نفسه قبل إعلان القوائم النهائية لأسماء المرشحين. ولهذه الحملات أهمية بالنسبة للمرشحين وللناخبين في آن واحد فهي تعطي الفرصة للناخب ليقرر من هو المرشح الأنسب الذي يرى فيه العناصر التي تجعله صالحًا لعضوية المجلس البلدي، ومن ناحية أخرى فهي فرصة لقيام المرشح بإيصال رسالته للناخبين وتعريفهم بنفسه للحصول على تأييدهم له يوم الاقتراع.

* خلفيات عن الانتخابات البلدية
* تُعقد الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية مرة كل أربع سنوات، وتتيح للمواطنين المشاركة في إدارة شئون المجالس البلدية واختيار أعضائها من الأكفاء، حيث ينص نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم 5-م في 21-2-1397هـ (10 فبراير/شباط 1977) في مادته التاسعة على أنه «يتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب، ويختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من ذوي الكفاءة والأهلية». كما تنصّ المادة العاشرة منه على أن «يختار المجلس البلدي رئيسه ونائبه من بين أعضائه بصفة دورية لمدة سنتين قابلة للتجديد، وإذا تساوت الأصوات بين المرشحين فيعتبر قرار وزير الشؤون البلدية والقروية مرجحًا».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.