إلى متى تبقى السينما العراقية سجينة الماضي وحده؟

فيلم محمد شكري جميل محبوس في إيران

المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
TT

إلى متى تبقى السينما العراقية سجينة الماضي وحده؟

المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»

* في عام 2013، عندما تم اختيار مدينة بغداد عاصمة للثقافة العربية، تنادت الدعوات لإنتاج وتحقيق أفلام جديدة تكون الواجهة السينمائية المكملة لكل النشاطات الثقافية والفنية الموازية. وأحد الذين لبّوا الدعوة المخرج العراقي المخضرم محمد شكري جميل الذي اختار رواية فؤاد التكرلي «مسرات وأوجاع»، وهي رواية اشتهرت بطولها وبرصدها الوضع العراقي في النصف الثاني من التسعينات وما بعد ولو على نحو ذاتي أكثر مما هو واقعي، لتقديمها لفيلم يعود به إلى السينما بعد طول انقطاع.
محمد شكري جميل كان من عداد السينمائيين الأهم أيام أطلقت مؤسسة السينما والمسرح العراقية بوادرها لإنتاج أفلام كبيرة. كان حقق «الظامئون» سنة 1973 (يحتل الفيلم مكانته الكلاسيكية اليوم)، وعندما قام المخرج مصطفى العقاد بتحقيق «الرسالة» و«عمر المختار» وفّرت المؤسسة للمخرج جميل كل الإمكانيات لتحقيق فيلم بميزانية كبيرة مع الرغبة في توزيعه عالميًا. الفيلم كان «المسألة الكبرى» سنة 1982. وبين هذين الفيلمين يبرز فيلم آخر للمخرج ذاته هو «الأسوار» الذي ربما كان أفضل أعماله. فيها جميعًا، على أي حال، دلالات موهبة خاصة تتطوّر من فيلم لآخر، ولو أنها لم تكن نضجت تمامًا بعد عندما داهمت الأحداث والمتغيرات الحياة السياسية والأمنية العراقية بدءًا من حرب الخليج الأولى وما بعد.
«مسرات وأوجاع» هو، إذن، فيلم العودة للمخرج بعد كل هذه السنوات التي مضت على توقفه عن العمل. والفيلم الوحيد الذي تم تحقيقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية لكنه ما زال غير معروض لليوم.

* منظور أوسع
السبب في عدم عرضه لا يخلو من الغرابة. سواء نسبة للعلاقات المتميّزة بين الحكومة العراقية وإيران، أو ربما لعدم رضا المخرج عن مستوى العمل المخبري لعمليات ما بعد التصوير في بغداد، تم اختيار الاستوديوهات الإيرانية لاستكمال التصوير.. و.. هذه كانت آخر مرّة شاهد فيها العاملون نسخًا من الفيلم. فالفيلم دخل المعامل الإيرانية قبل أشهر عديدة وهو ما زال «محبوسًا فيها». السبب غير واضح لأن أحدًا لا يبدو قادرًا إلا على التخمين: البعض يقول إن الميزانية المتوافرة للعمل كانت استنفدت بالكامل قبل وصول الفيلم لمرحلة ما بعد الإنتاج مما يجعل الفيلم مدينًا، والبعض الآخر يقول إن هناك سببًا سياسيًا كون الفيلم يختلف عن عدّة أعمال عراقية أنتجت قبل وبعد عام 2013 من حيث أنه لا يغازل الحكومة الحاضرة ولا ينتقد، إلا بقدر محدود، عراق صدّام حسين.
نقد النظام السابق كان لولب غالبية الأفلام العراقية التي تم إنتاجها منذ سنوات عديدة. لكن في حين أن ذلك النظام حفل بالتعسّف والجور وعانى من التفريق بين الطوائف ومارس حملة عسكرية عنيفة على الأكراد في الشمال، فإن فتح السجل للحديث عن تلك الفترة لم يصاحبه في الوقت ذاته أي نقد للوضع اللاحق. بعض تلك الأفلام تحدّثت عن الجور الذي أصاب طائفة معينة، لكنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن الطائفة الأخرى تعرضت كذلك للاعتقال والتعسّف، وأن الشعب بأسره عانى من حجز الحريات وتكميم المعارضات لأي اتجاه انتمت.
نجد في عام 2009 نموذجًا لذلك متمثلاً في فيلم «فجر العالم» لعباس فاضل (فنيًا من بين أفضل ما حققته السينما العراقية منذ ذلك الحين) حيث تحدّث عن الحرب العراقية - الإيرانية من زاوية إدانة الجانب العراقي فيها وتصويرها كما لو كانت وبالا على شيعة العراق وحدهم، في حين أن البلاد بأسرها عانت منها. الفيلم لا يتعامل والمنظور الأوسع لها، إذ كانت تهدف إلى الحد من الخطر المتمثّل بأحلام الإمبراطورية الفارسية في الجوار العربي وهو لب الأزمة التي تعاني منها دول عربية في أكثر من موقع اليوم.

* دعم مادي
الواقع أن اللجوء إلى التاريخ لنقده هو الفعل الوحيد المتاح في أنظمة قامت على قمع الكلمة. أفلام نقدية الجانب مثل «أحلام» و«تحت رمال بابل» لمحمد الدراجي، ومثل «صمت الراعي» لرعد مشتت، و«ألف تفاحة وتفاحة» لطه كريمي، لم يكن لها أن تتحقق بطبيعة الحال خلال تلك الحقبة التي انتقدتها لاحقًا. لذلك ما إن وجد المخرجون الفرصة مواتية حتى انطلقوا ينجزون ما كانوا غير قادرين على إنجازه من قبل بما في ذلك فتح جبهة جديدة من الأفلام لم تكن متوافرة بكاملها من قبل وهي تلك المنتجة والمنفّذة بواسطة سينمائيين أكراد.
والملاحظ اختلاف المعالجات الفنية بالنسبة للأفلام الآتية من شمال العراق عن تلك المستوطنة في بغداد أو في جنوب البلاد. الأفلام الكردية، ومنها في العامين الأخيرين «مريدان» لبه تين قوبادي و«ذكريات منقوشة على حجر» لشوكت أمين كوركي، تميّزت بجماليات الإنتاج وانضباط عناصره. ليس أن بعض الأفلام العراقية الأخيرة لم تحظ بالميزانيات الكبيرة عبر دعم حكومي مباشر، لكن المشاهد لن يستطع مشاهدة آثار تلك الميزانيات مرتسمة على الشاشة. على العكس، في بعض الحالات، تبدو الأفلام كما لو أنتجت بتمويل محدود. أما في الجانب الكردي من العراق، فإن الميزانيات، صغيرة كانت أو كبيرة، تبدو مستخدمة بالكامل سامحة للمخرج بتحقيق ما يرغب تحقيقه ومانحة الفيلم تلك الجماليات الكامنة في الموضوع كما في طريقة صياغته.
وكما في كل الدول العربية (وغير العربية) التي عانت من حروب (لبنان، فلسطين، سوريا، بريطانيا، فيتنام) فإن العديد من الأفلام دارت عنها. الاختلاف الوحيد هو أنها في العراق لم تدر حول أي شيء آخر بعد.
لكن المستقبل لا يبدو واعدًا على الأقل بالنسبة لسينما العاصمة العراقية. التطوّرات الأخيرة هذه السنة ووجود الخطر المدهم للإمارة الإسلامية حتى من قبل أن يتاح للمواطن العراقي الاستقرار الأمني الذي وُعد به بعد الغزو الأميركي، جعل من المستحيل إنجاز ما بدا أن السينما العراقية سائرة في إنجازه. أساسًا لم تنجز الحكومة العراقية في عام 2013 ما وعدت به من تحريك عجلة الصناعة السينمائية. خصصت ميزانيات وتم توزيع بعضها بوفرة على بعض المخرجين، لكن لا هؤلاء حققوا أعمالاً مبهرة ولا امتد الاهتمام لتحديث آليات العمل والإبداع التي تحتاج إليهما صناعة الفيلم في أي مكان.
لذا، فإن الاستقلالية الإدارية التي تمتعت بها السينما الكردية، وتلك المواهب العراقية الآتية من الخارج (مثل المخرج سمير صاحب «أوديسا عراقية» وفيلم عباس فاضل التسجيلي الجديد «هوملاند»، وكلاهما من الأفلام التي تزيد مدة عرضها على ثلاث ساعات) احتلت المقدّمة بين جل ما تم إنتاجه تحت مظلة «السينما العراقية» إلى الآن.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز