إلى متى تبقى السينما العراقية سجينة الماضي وحده؟

فيلم محمد شكري جميل محبوس في إيران

المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
TT

إلى متى تبقى السينما العراقية سجينة الماضي وحده؟

المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»
المخرج العراقي محمد شكري جميل خلال تصوير «مسرات وأوجاع»

* في عام 2013، عندما تم اختيار مدينة بغداد عاصمة للثقافة العربية، تنادت الدعوات لإنتاج وتحقيق أفلام جديدة تكون الواجهة السينمائية المكملة لكل النشاطات الثقافية والفنية الموازية. وأحد الذين لبّوا الدعوة المخرج العراقي المخضرم محمد شكري جميل الذي اختار رواية فؤاد التكرلي «مسرات وأوجاع»، وهي رواية اشتهرت بطولها وبرصدها الوضع العراقي في النصف الثاني من التسعينات وما بعد ولو على نحو ذاتي أكثر مما هو واقعي، لتقديمها لفيلم يعود به إلى السينما بعد طول انقطاع.
محمد شكري جميل كان من عداد السينمائيين الأهم أيام أطلقت مؤسسة السينما والمسرح العراقية بوادرها لإنتاج أفلام كبيرة. كان حقق «الظامئون» سنة 1973 (يحتل الفيلم مكانته الكلاسيكية اليوم)، وعندما قام المخرج مصطفى العقاد بتحقيق «الرسالة» و«عمر المختار» وفّرت المؤسسة للمخرج جميل كل الإمكانيات لتحقيق فيلم بميزانية كبيرة مع الرغبة في توزيعه عالميًا. الفيلم كان «المسألة الكبرى» سنة 1982. وبين هذين الفيلمين يبرز فيلم آخر للمخرج ذاته هو «الأسوار» الذي ربما كان أفضل أعماله. فيها جميعًا، على أي حال، دلالات موهبة خاصة تتطوّر من فيلم لآخر، ولو أنها لم تكن نضجت تمامًا بعد عندما داهمت الأحداث والمتغيرات الحياة السياسية والأمنية العراقية بدءًا من حرب الخليج الأولى وما بعد.
«مسرات وأوجاع» هو، إذن، فيلم العودة للمخرج بعد كل هذه السنوات التي مضت على توقفه عن العمل. والفيلم الوحيد الذي تم تحقيقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية لكنه ما زال غير معروض لليوم.

* منظور أوسع
السبب في عدم عرضه لا يخلو من الغرابة. سواء نسبة للعلاقات المتميّزة بين الحكومة العراقية وإيران، أو ربما لعدم رضا المخرج عن مستوى العمل المخبري لعمليات ما بعد التصوير في بغداد، تم اختيار الاستوديوهات الإيرانية لاستكمال التصوير.. و.. هذه كانت آخر مرّة شاهد فيها العاملون نسخًا من الفيلم. فالفيلم دخل المعامل الإيرانية قبل أشهر عديدة وهو ما زال «محبوسًا فيها». السبب غير واضح لأن أحدًا لا يبدو قادرًا إلا على التخمين: البعض يقول إن الميزانية المتوافرة للعمل كانت استنفدت بالكامل قبل وصول الفيلم لمرحلة ما بعد الإنتاج مما يجعل الفيلم مدينًا، والبعض الآخر يقول إن هناك سببًا سياسيًا كون الفيلم يختلف عن عدّة أعمال عراقية أنتجت قبل وبعد عام 2013 من حيث أنه لا يغازل الحكومة الحاضرة ولا ينتقد، إلا بقدر محدود، عراق صدّام حسين.
نقد النظام السابق كان لولب غالبية الأفلام العراقية التي تم إنتاجها منذ سنوات عديدة. لكن في حين أن ذلك النظام حفل بالتعسّف والجور وعانى من التفريق بين الطوائف ومارس حملة عسكرية عنيفة على الأكراد في الشمال، فإن فتح السجل للحديث عن تلك الفترة لم يصاحبه في الوقت ذاته أي نقد للوضع اللاحق. بعض تلك الأفلام تحدّثت عن الجور الذي أصاب طائفة معينة، لكنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن الطائفة الأخرى تعرضت كذلك للاعتقال والتعسّف، وأن الشعب بأسره عانى من حجز الحريات وتكميم المعارضات لأي اتجاه انتمت.
نجد في عام 2009 نموذجًا لذلك متمثلاً في فيلم «فجر العالم» لعباس فاضل (فنيًا من بين أفضل ما حققته السينما العراقية منذ ذلك الحين) حيث تحدّث عن الحرب العراقية - الإيرانية من زاوية إدانة الجانب العراقي فيها وتصويرها كما لو كانت وبالا على شيعة العراق وحدهم، في حين أن البلاد بأسرها عانت منها. الفيلم لا يتعامل والمنظور الأوسع لها، إذ كانت تهدف إلى الحد من الخطر المتمثّل بأحلام الإمبراطورية الفارسية في الجوار العربي وهو لب الأزمة التي تعاني منها دول عربية في أكثر من موقع اليوم.

* دعم مادي
الواقع أن اللجوء إلى التاريخ لنقده هو الفعل الوحيد المتاح في أنظمة قامت على قمع الكلمة. أفلام نقدية الجانب مثل «أحلام» و«تحت رمال بابل» لمحمد الدراجي، ومثل «صمت الراعي» لرعد مشتت، و«ألف تفاحة وتفاحة» لطه كريمي، لم يكن لها أن تتحقق بطبيعة الحال خلال تلك الحقبة التي انتقدتها لاحقًا. لذلك ما إن وجد المخرجون الفرصة مواتية حتى انطلقوا ينجزون ما كانوا غير قادرين على إنجازه من قبل بما في ذلك فتح جبهة جديدة من الأفلام لم تكن متوافرة بكاملها من قبل وهي تلك المنتجة والمنفّذة بواسطة سينمائيين أكراد.
والملاحظ اختلاف المعالجات الفنية بالنسبة للأفلام الآتية من شمال العراق عن تلك المستوطنة في بغداد أو في جنوب البلاد. الأفلام الكردية، ومنها في العامين الأخيرين «مريدان» لبه تين قوبادي و«ذكريات منقوشة على حجر» لشوكت أمين كوركي، تميّزت بجماليات الإنتاج وانضباط عناصره. ليس أن بعض الأفلام العراقية الأخيرة لم تحظ بالميزانيات الكبيرة عبر دعم حكومي مباشر، لكن المشاهد لن يستطع مشاهدة آثار تلك الميزانيات مرتسمة على الشاشة. على العكس، في بعض الحالات، تبدو الأفلام كما لو أنتجت بتمويل محدود. أما في الجانب الكردي من العراق، فإن الميزانيات، صغيرة كانت أو كبيرة، تبدو مستخدمة بالكامل سامحة للمخرج بتحقيق ما يرغب تحقيقه ومانحة الفيلم تلك الجماليات الكامنة في الموضوع كما في طريقة صياغته.
وكما في كل الدول العربية (وغير العربية) التي عانت من حروب (لبنان، فلسطين، سوريا، بريطانيا، فيتنام) فإن العديد من الأفلام دارت عنها. الاختلاف الوحيد هو أنها في العراق لم تدر حول أي شيء آخر بعد.
لكن المستقبل لا يبدو واعدًا على الأقل بالنسبة لسينما العاصمة العراقية. التطوّرات الأخيرة هذه السنة ووجود الخطر المدهم للإمارة الإسلامية حتى من قبل أن يتاح للمواطن العراقي الاستقرار الأمني الذي وُعد به بعد الغزو الأميركي، جعل من المستحيل إنجاز ما بدا أن السينما العراقية سائرة في إنجازه. أساسًا لم تنجز الحكومة العراقية في عام 2013 ما وعدت به من تحريك عجلة الصناعة السينمائية. خصصت ميزانيات وتم توزيع بعضها بوفرة على بعض المخرجين، لكن لا هؤلاء حققوا أعمالاً مبهرة ولا امتد الاهتمام لتحديث آليات العمل والإبداع التي تحتاج إليهما صناعة الفيلم في أي مكان.
لذا، فإن الاستقلالية الإدارية التي تمتعت بها السينما الكردية، وتلك المواهب العراقية الآتية من الخارج (مثل المخرج سمير صاحب «أوديسا عراقية» وفيلم عباس فاضل التسجيلي الجديد «هوملاند»، وكلاهما من الأفلام التي تزيد مدة عرضها على ثلاث ساعات) احتلت المقدّمة بين جل ما تم إنتاجه تحت مظلة «السينما العراقية» إلى الآن.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.