في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

الصراع بين المعتدلين والمتطرفين داخل الحركة يتقرر وفق الأوضاع في الداخل ونجاح البراغماتيين

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة
TT

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

برزت حركة أحرار الشام كجماعة معارضة قوية تضم الآلاف من المقاتلين والكثير من النفوذ السياسي مع علاقات وثيقة تربطها بقوى إقليمية رئيسية، باعتبارها أكثر جماعات المعارضة نفوذا وقوة في الداخل السوري عبر الشهور الأخيرة. وقد تعهدت تلك الجماعة بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي ودعت إلى التواصل والتفاعل مع الغرب.
ولكن على الرغم من الكفاح الطويل من جانب الولايات المتحدة للعثور على قوة معارضة سوريا قادرة على البقاء في مواجهة الرئيس بشار الأسد ومحاربة تنظيم داعش، لم تبد إدارة الرئيس أوباما أي اهتمام للعمل مع تلك الجماعة المعروفة باسم «أحرار الشام».
وتكمن مشكلة الولايات المتحدة في جذور جماعة أحرار الشام الإسلامية المتشددة، وهي المخاوف التي نالت كذلك من الجهود السابقة الرامية إلى العثور على شركاء من ذوي الثقة في سوريا.
وبمواجهة الواقع السوري مجددا؛ حيث تنخرط الحكومة وتنظيم داعش وعدد من الجماعات المتمردة في حرب أهلية شديدة التعقيد، يقول بعض المحللين والمسؤولين الأميركيين السابقين، إنه بدا من الواضح وبشكل متزايد أنه لمواجهة تنظيم داعش والتأثير على مستقبل البلاد ككل، لا بد من التفاعل، على أدنى تقدير، وبمنتهى الحذر، مع جماعات على غرار أحرار الشام.
ويقول روبرت إس فورد، السفير الأميركي الأسبق لدى سوريا ويعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط للدراسات: «إنهم يوجدون في المنطقة الرمادية، ولكن في الحروب الأهلية لن تكون مستعدا بحال للتعامل مع من هم في المنطقة الرمادية. وأنا لا أنصح بتوفير أي دعم مادي لجماعة أحرار الشام، ناهيكم عن المساعدات العسكرية الأكثر فتكا، ولكن باعتبار وجودهم البارز في الجبهات الشمالية والوسطى، فسوف يكون لهم دور كبير يلعبونه في محادثات السلام، ولذلك ينبغي علينا محاولة فتح قناة اتصال معهم والبدء في التواصل عبرها».
وتتعاون جماعة أحرار الشام مع الذراع التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا (جبهة النصرة). وفي حين أن قادة الجماعة يقولون إنهم يسعون لإقامة حكومة ذات تمثيل برلماني، فإنهم دوما ما يتجنبون لفظة «الديمقراطية»، ويقولون إن الإسلام يجب أن يوجه ويقود أي دولة تتشكل في نهاية المطاف.
واستغرقت تساؤلات مماثلة حول مدى التفاعل مع القوى الإسلامية حول القضايا ذات الاهتمام المشترك جل تفكير صناع السياسة الأميركية منذ ثورات الربيع العربي، وفي خضم المحادثات النووية مع إيران مؤخرا. ومن الواضح بجلاء في أذهان القادة الأميركيين تاريخ أولئك المتشددين الذين تلقوا الدعم من الولايات المتحدة في أفغانستان إبان فترة الثمانينات والذين شكلوا فيما بينهم لاحقا ما عرف بتنظيم القاعدة.
وفي سوريا، كان تركيز الولايات المتحدة حتى الآن على العمل مع الجماعات التي تعتبرها «معتدلة» قد نجم عنه التعاون مع عدد قليل من الحلفاء الأقوياء. كما تعتبر قيادة المعارضة خارج البلاد غير ذات صلة بمجريات الأحداث إلى حد كبير، فلقد انهارت الجماعات المتمردة ذات الدعم الغربي، ولقي برنامج تدريب وتجهيز المتمردين المعتدلين الكثير من الانتكاسات الكبيرة.
وفي حين أن بعض الدبلوماسيين الأوروبيين قد اجتمعوا مع بعض المسؤولين السياسيين من جماعة أحرار الشام، فإن الولايات المتحدة بقيت بمعزل عن ذلك. يقول أحد كبار المسؤولين من إدارة الرئيس أوباما في مقابلة موجزة حول السياسة السورية: «إنهم يواجهون هجوما كبيرا»، متحدثا عن جماعة أحرار الشام.
وأشار المسؤول الأميركي الكبير إلى تصريحات عن تلك الجماعة، والتي يقولون فيها إنهم يركزون جهودهم على الداخل السوري ويؤيدون سيادة القانون. كما صرحت الجماعة كذلك أن صعود تنظيم داعش، قد جعل الولايات المتحدة أكثر «برغماتية» فيما يتعلق بعقد التحالفات الإقليمية.
ويتابع المسؤول الأميركي الكبير، مفضلا عدم نشر هويته لمناقشته التقديرات السرية، قوله «طالما أنهم على علاقات وثيقة بجبهة النصرة، فلا أعتقد أننا يمكننا العمل معهم».
وتشكلت جماعة أحرار الشام عبر اندماج الفصائل المسلحة السنية في شمال غربي سوريا في وقت مبكر من بدء الانتفاضة ضد الرئيس الأسد التي اندلعت في عام 2011. وضمت في عضويتها الكثير من السوريين الذين تخلوا عن الحركات الاحتجاجية، فضلا عن الإسلاميين الذين أفرج عنهم من السجون في إطار ما اعتبره الكثيرون، «استراتيجية من قبل الأسد لتقويض نشاط العناصر العلمانية». وكان أعضاء من الجماعة قد سبق لهم القتال في العراق وأفغانستان.
وعلى الرغم من أن الجماعة أعربت عن حسن نياتها باعتبارها قوة عسكرية تهدف لقتال الأسد، فإنها ظلت متأصلة في محيط الإسلام السني المتشدد. وهناك مقطع فيديو دعائي للجماعة يقتبس أقوالا من الشيخ عبد الله عزام، أستاذ أسامة بن لادن السابق في أفغانستان. كما دعا حسن عبود، أول قادة الجماعة، إلى إقامة حكومة إسلامية داخل سوريا.
وتطورت الحركة منذ ذلك الحين لتكون أكبر جماعات المعارضة السورية، حيث ينتشر مقاتلوها في مختلف أرجاء البلاد، مع مكاتب للإغاثة والشؤون السياسية، وسيطرت على المعابر الحدودية مع تركيا. وهي من الأعضاء البارزين في جيش الفتح، التحالف الكبير لقوى التمرد المحارب لحكومة الأسد في شمال غربي البلاد. وخلال هذا الشهر، كانت حركة أحرار الشام تمثل قوى المعارضة في المفاوضات مع إيران حول مصير ثلاثة مجتمعات داخلية محاصرة. (الزبداني والفوعة وكفرية)
يقف السوريون على رأس الجماعة، وهي تضم عددا قليلا من المقاتلين الأجانب وتعارض فكرة تقسيم البلاد. وهي لم تشن الحملات لفرض الأعراف الدينية الصارمة، كما أنها تحافظ على علاقات جيدة مع باقي المعارضين. وقد تعهد قادة الجماعة بحماية الأقليات، على الرغم من أن بعض أعضائها لا يزال يصفهم بألفاظ مستهجنة.
كما تعهدت الجماعة بمحاربة تنظيم داعش، واصفين إعلانها الخلافة انحرافا عن الدين. يقول أحمد قرة علي المتحدث باسم أحرار الشام، إنها «تتمتع باستقلال تام. وهي حركة سورية خالصة، ولا تربطها علاقات بأحد من الناحية التنظيمية أو الآيديولوجية، أو مع أية منظمات دولية».

ويقول أحد النشطاء من مدينة إدلب، مفضلا عدم نشر هويته خشية الانتقام منه: «ظللنا نبحث عن أفضل الألوية الموجودة على الساحة، ولكن ليس لدينا الآن إلا متطرفون إسلاميون وجماعة الأحرار، لذا فقد اخترنا الأحرار».
ويقول إسلاميون سوريون تربطهم صلات بجماعة أحرار الشام، إن «تطورات زمن الحرب قد خلفت الكثير من وجهات النظر لدى أعضائها والتي دائما ما تصطدم ببعضها البعض». ويقر قادتها على التنسيق الوثيق في ميدان المعركة مع عناصر جبهة النصرة، ولكن قائد الأحرار، هاشم الشيخ، وصف تبعية جبهة النصرة لتنظيم القاعدة، بأنها ذات تأثير سيئ على الانتفاضة السورية.
وهناك أعضاء آخرون من الجماعة تواصلوا مع الغرب في نقطة تحول يعتبرها الكثيرون بإيعاز من تركيا وقطر، اللتين منحتا الجماعة الدعم السياسي والمالي، وفقا للمسؤولين الأميركيين ودبلوماسيين من المنطقة. ففي الشهر الماضي، نشر لبيب النحاس، مسؤول العلاقات الخارجية والسياسية لدى الجماعة، مقالات رأي في صحيفة «واشنطن بوست» و«ديلي تليغراف» يؤكد فيها على أن الجماعة كانت جزءا من تيار المعارضة الرئيسية السورية، وأنه ما من سبيل لهزيمة «داعش» إلا من خلال «البديل السني الداخلي».
ووصف لبيب النحاس السياسة الأميركية في سوريا بـ«الفشل الذريع»، وكتب يقول إن أحرار الشام كانت ملتزمة بالحوار وسعت لتشكيل حكومة تمثيلية من شأنها العمل على حماية الأقليات مع التعبير عن الأغلبية السنية الكبيرة في سوريا.
وخلال هذا الشهر، نشرت أحرار الشام بيانا تمتدح فيه الملا محمد عمر، الزعيم السابق لحركة طالبان الأفغانية، لـ«محاربة جيوش الغزو»، وجمع القوة العسكرية مع السياسية و«تنسيق» طموحات الشعب الأفغاني.
أما الشيخ حسن الدغيم، وهو من علماء شمال سوريا ومن المقربين من قادة الجماعة، فقد قال خلال مقابلة إن الجماعة تضم بين صفوفها أقلية متطرفة ضئيلة.
ومن المتوقع للصراع بين تيار المعتدلين والمتطرفين داخل الجماعة أن يتقرر وفقا لتطورات الأوضاع في الداخل السوري ومدى النجاح المتحقق على أيدي البرغماتيين في كسب الدعم الخارجي لقضيتهم.
وأضاف الشيخ الدغيم أخيرا: «يعزز العنف من التيار العسكري، في حين تسلط الحلول السياسية الضوء على السياسيين فقط».



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.