هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

المتصالح مع طهران.. وزير الدعاية الذي يكرّر سقوطه

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟
TT

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

كان يتحدّث عما سماها خطة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور لعزل مصر عن العالم العربي وتغيير ملامح الحياة فيها، في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ومعها اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفياتي في عز الاشتغال بوأد المعسكر الغربي للشيوعية.
وعاد بذات النبرة والبنية الهيكلية لخطاب الكلمات مسترسلا، يحاول الثورة على صورة التحليلات الواقعية بعلاج هو الداء. كيف لا، وهو المكروه اليوم كما الأمس من كل التيارات والأحزاب السياسية، عدا مرحلة صانع بريقه في المرحلة الناصرية، ليكون في دفتر مخضرمي الصحافة العربية.

في كل مرحلة يمتدح محمد حسنين هيكل قائدها، وبعدها لا يلبث أن ينقلب على من رسم الإطراء لهم. فبعد عبد الناصر، صاغ مقالاته في صحيفته «الأهرام» التي رأس تحريرها قرابة العقدين مدادًا من ذهب لحقبة الرئيس أنور السادات، قائلاً عنه: «سيظل السادات قائدًا تاريخيًا لشعبه، وهي قيادة يتضاءل أمامها كرسي الرئاسة إلى جوار مقعد القائد والزعيم الذي يمثله السادات نفسه». لكنه عاد منقلبًا عليه رغم انتصارات «حرب أكتوبر»، وبعدها انقلب على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك رغم أن مبارك كان مَن كسر قيودًا أمنية كانت تحيط بمعصميه بعد أن شمله الإيقاف بعد اغتيال السادات.
ومع مرحلة الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني) 2011 كان متحمّسا لأفكار الثورة الشبابية، وانتقد «المجلس العسكري» الذي قاد الجمهورية إلى مسار تأمين الانتقال نحو المرحلة الديمقراطية. وقبل وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم كان من أشد الناقمين عليهم واصفًا وصولهم إلى السلطة بأنه «كارثة»، لكن بعد سقوط «الإخوان» بأيام عقد هيكل اجتماعًا مع قيادات من حزب الحرية والعدالة الإخواني لبحث سبل إعادة الجماعة إلى الواجهة، وذلك في سبتمبر (أيلول) من عام 2013، رغم اتهامه للجماعة من قبل بإحراق مكتبته ومنزله.
وبعد إنقاذ الجيش لمصر نتيجة فشل محمد مرسي وجماعته في السلطة، قال إنه يرفض ترشح الفريق عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) في أعقاب سقوط نظام مرسي. وأضاف هيكل: «أعرف أن الرجل يواجه مأزقًا شديدًا، وفي آخر لقاء لي معه رأيت أمامي رجلاً حائرًا ولديه أسباب حقيقية للحيرة، فهو يواجه مأزقًا حقيقيًا»، كون الجيش المصري سيفقد بريقه، لكن وكالعادة، عاد وكأن الكلمات لا تحفظ في أرشيف الصحافة الذي يعشق هيكل تقليب صفحاته، ليقول إن الرئيس السيسي «أنقذ مصر» من محاولات صياغة خريطة جديدة للمنطقة.
الواقع أن تصريحات هيكل تحاط دومًا بكم هائل من الجدل واللغط لما تتضمنه عادة من مغالطات تاريخية وتحليلات يعتبرها أهل الشأن بعيدة عن أبجديات التحليل الرصين، وهذا ما وضعه في مرمى كثيرين انتقدوا طروحاته، لا سيما تلك التي توهم القارئ والمتابع له بأنه كان في مطابخ الظل وراء العديد من القرارات حول الشرق الأوسط.
ومن أحدث تحليلاته المثيرة للجدل واللغط ما ورد في حوار صحافي أجرته معه صحيفة «السفير» اللبنانية يوم 21 من شهر يوليو (تموز) الماضي، وخلاله عاود هيكل الظهور على خلفيات أحداث كبرى في المنطقة، كان أبرزها «عاصفة الحزم» التي أغضبت إيران لأنها قوضت مخطط طهران الإقليمي المنطوي على دعم ميليشيا الحوثي وترسيخ هيمنتها على اليمن.
هيكل قال في حواره الشهير، الذي وقف فيه صراحةً في صف إيران - وهو المعتاد خلال حواراته الأخيرة على القول إن إيران صاحبة النصر الأكبر بعد الاتفاق النووي مع قوى المجتمع الدولي - إن «السعودية ودول الخليج أضعف من أن تشاغب على الاتفاق». ثم اعتبر أن السعودية، التي دعمت مصر بعد ثورتيها في يناير 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 «دولة غير قابلة للبقاء»!
من ناحية أخرى، دافع هيكل خلال الحوار مع «السفير» عن نظام بشار الأسد رغم الأعداد الهائلة من الضحايا والنازحين والمشردين، بفعل الفظائع التي يقترفها نظام الأسد بحق الشعب السوري. كذلك دافع عن حزب الله ذراع إيران في المنطقة، معتبرًا أن قتاله ضد السوريين داخل الأراضي السورية قتال «الدفاع عن نفسه، وليس في معركة إثبات نفوذ»، وذلك رغم ما تكشفه دول الخليج من أن الحزب في قفص الاتهام بسبب سعيه إلى ضرب استقرار الخليج من بابي البحرين والكويت.
ولم ينسَ هيكل خلال الحوار المذكور مع «السفير» - التي سوّقت لقب «الأستاذ» على هيكل، وجعلت منطلق أسئلتها من باب إيران ومن ثم قياس ذلك على الداخل اليمني وعلاقة الخليج باليمن - القول إنه يرى من مصلحة مصر التقارب مع إيران، وهي (أي مصر) التي طوت تلك الصفحة التي أحدثها حكم محمد مرسي في عامه الوحيد.

* «الحالم بالسياسة من باب الصحافة»
محمد حسنين هيكل، العجوز ذو التسعين عامًا، يوصف بـ«الحالم بالسياسة من باب الصحافة». كان مستشارًا إعلاميًا لعدد محدود من الزعماء السياسيين المصريين، ورغم أنه تدرج بقوة وبزغ نجمه كمحلل لخريطة الشرق الأوسط، يظل خروجه بعد المرحلة الناصرية كارثيًا، فكثير من التحليلات تسقط خارج دفة الحدث، وقراءاته تساق إلى هوامش غير مرتبة. لا حقيقة تقع ولا تحليل يصيب، وربما في وصف الكاتب محمد علي إبراهيم، عن حسنين هيكل أنه «كان مؤسسة ذاتية نجح في ترسيخها وتسويقها في عقول الأجيال المتلاحقة. وكانت النتيجة أنه أساء للتاريخ والباحثين».
يُعد هيكل مدافعًا متحمسًا عن إيران وأعوانها في المحيط العربي، مع أن أول كتبه كان عن إيران، وحمل عنوان «إيران فوق بركان» الصادر عام 1951، واليوم وفق رؤيته يرى أن الخليجيين لديهم مخاوف وصفها بـ«غير المبرّرة» من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دون أن يتطرق حتى في صولاته التلفزيونية الأخيرة إلى شيء من النقد حول إيران.
وفي أواخر عام 2013، لم يرَ هيكل أن حزب الله حقًا تنظيم إرهابي، وفي تبريره ما ذهب إليه استشهد بالأمم المتحدة - التي ينتقدها غالبًا - فقال إنها لم تستطع أن تجعل الحزب في قائمة التنظيمات الراعية للإرهاب. ومن ثم، انغمس في تمرير فكرة «المقاومة» والمواجهة ضد إسرائيل، مطالبًا بأن يكون حزب الله وزعيمه حسن نصر الله ضمن الحسابات. فهو يراه فاعلاً ولاعبًا رئيسيًا في المنطقة، بينما لا يرى قص أجنحة إيران في سوريا ولبنان والعراق، وهذا ما يجده محللون تفسيرًا لمعارضته «عاصفة الحزم» التي أعادته إلى الواجهة الإعلامية بعدما اتخذ قرارًا بالركون للراحة، فعاد حاملاً لواء المعارضة ضد العاصفة، في ظل مشاركة القوات المصرية ضمن قوات التحالف، حفاظًا على الأمن القومي العربي.
أما موقفه الوحيد الثابت الذي لم يتغيّر عنه منذ الستينات، رغم تكالب الظروف وتغير هوى الأحداث، فهو موقفه السلبي من الخليجيين؛ إذ لم يقف هيكل ولو بالكلمة الحق مع الخليجيين الذين أسهموا في إنقاذ مصر ودعموها في مراحل حاسمة وتحدّيات جمّة وأخطار متلاحقة تطاردها، بل هو يعتبر الخليج فرصة له أن يعوم بين خيراته، واللعنات أكثر من شكره.
ثمة محللون وكتّاب عرب مقتنعون بأنه مصاب بـ«عقدة الخليج والسعودية»، إذ لا تتغير صيغة خطاباته تجاه قادة الخليج، بل بدأت تأخذ الطابع الثوري على السعودية مع صعود الثورة الخمينية في إيران، وهو ما يجد التفسير من تقارب تيارات الود مع طهران وكذلك جماعة الإخوان المسلمين مع هيكل.
ولقد ألف المؤرخ العراقي سيار الجميّل، عام 1999، كتابًا عنونه بـ«تفكيك هيكل»، آخذًا البعد النقدي في ما يعتمد عليه هيكل في وثائقه ومستنداته وبعض مقالاته وتصريحاته، وقبلها ارتباطاتها الشخصية والفكرية. وجعله تحت مجهر نقدي واستعراض شامل وردود تاريخية خاصة في علاقة المملكة الأردنية متخذًا - أي الجميّل - وضع الطبيب المشخّص لكل السموم التي يحاول تسويقها عن دور الأردن ملكًا وشعبًا في القضايا العربية، ومثلها دور المغرب والعراق إزاء القضايا العربية، وهي للعلم أدوار لا تروق للصحافي السياسي هيكل.
ويبرز الجميّل كأحد الناقدين بل وأشدهم شراسة في مواجهة هيكل، رغم تكرار قول الأول إنه لا يبحث عن مجد سوى أنه - والحديث ما زال عن سيار الجميّل: «مؤمن بأن هيكل يلعب دورًا خطيرًا عندما يتلقف الناس كتبه أو يجلسون للاستماع إلى حكاياه.. من دون أن ينبههم أحد إلى طبيعة ما يكتبه أو ما يقول».
الدكتور الجميّل الذي قال عن هيكل إنه «بارع في اللف والدوران.. يستطيع أن يجعل من اللون الأبيض أسود ومن الأسود أبيض.. لكنه يفر من الميدان حين يرى أن هناك من سيجادله أو يعلمه أسلوب الكشف عن الحقيقة»، فتح النار مجدّدًا على الصحافي والكاتب المصري الذي يراه البعض قامة تاريخية عالية عبر كتاب «بقايا هيكل»، مستعرضًا في فصول عدة نشرت بعضها صحف مصرية ومنها صحيفتا «الوفد» و«روز اليوسف» ما يعطي الانطباع بالرأي بأن هيكل يجد المعارضة حتى من طيف واسع من المصريين، رغم هرميته التي شكّلها بين الباحثين والطلبة في مصر.
يقول المؤرخ الجميّل إن اتهاماته للعديد من الزعماء بعد رحيلهم مباشرة تلفيقية وخطيرة من القصص والأكاذيب عنهم ولا أساس لها من الصحة، بعد أن يكون قد مدحهم وهم أحياء، ومنهم: أنور السادات والملك حسين والملك سعود والملك فيصل والملك الحسن الثاني والملك إدريس وشاه إيران وغيرهم.
من جهة ثانية، يعتبر المفكر والكاتب السعودي علي العميم أن الجميّل لم يوفق في عرض المادة الكبيرة عن هيكل، لكنه رغم ذلك يعد ما أنجزه بداية جادة وجدية لدراسة شاملة وموسعة ودقيقة لهيكل. وأردف العميم الذي صفّ ذلك الرأي في كتابه «شيء من النقد.. شيء من التاريخ» أن أقوى السجالات وأمتنها التي تعرضت لمنهجية التفكير لدى محمد حسنين هيكل هو كتاب فؤاد زكريا «كم عمر خريف الغضب.. هيكل وأزمة العقل العربي»، الذي ألفه بعد كتاب هيكل «خريف الغضب». ولقد قدّم زكريا من خلاله طروحات نقدية كاشفًا عن أقنعة عربية كان يحرص هيكل عليها.
أما الكاتب التونسي سيد الحمادي، الذي ظل دهرًا في خصام مع هيكل قبل أن يركن إلى الصمت بعد طول انتظار منه لهيكل للرد على كتابات دقيقة سبقه بها سيّار الجميّل، فيرى خلال حديث مع «الشرق الأوسط» أن «هيكل يبتعد عن مرافئ الحقيقة رغم وضوحها»، معتبرًا أنه وإن كان لهيكل من بعض توثيق صحيح خاصة في حقبة العهد الناصري فإن كشف الرئيس محمد نجيب (أول رئيس لجمهورية مصر العربية) حول تنميقه للأكاذيب يعد نقطة تستحق مراجعة لأجيال اليوم تبحث عن الحقيقة وليس الكلام بالصوت والتعبير عنها بمواقف شخصية، على حد وصفه. وأضاف أن علاقة هيكل بدول الخليج دومًا ما تكون بعيدة عن فهم الذهنية العربية لطبيعة العلاقات بين الخليجيين ومواقف الدول التي تظل، في رأي الكاتب التونسي، ثابتة، عادًا إياه «مجرد شخص يحاول قراءة التاريخ ويسعى إلى إسقاطه على سراب الوحدة الذي كان هيكل يمتصّ منه طوال عقود». ويخلص الحمادي إلى القول: «إن ما سيكسر طوق هيكل اليوم هو هيكل نفسه مهما تعدّدت النصوص ردًا عليه؛ نظير الوجودية التي ينغمس فيها دون مراعاة للأطراف الأخرى أو مناقشتها في وثائق ليست ذات صدقية، خاصة ما عرضه منها في برنامجه الذي يراه (فخًا) وبثته قناة الجزيرة».

* استنطاق الموتى
يقول هيكل في التباسات تتكرر: «إن الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، قد جرى التنازل عنها لإيران مقابل استقلال البحرين وإمساك الأقلية السنية بالحكم فيها»، زاعمًا مشاركته في مفاوضات خلال عهد جمال عبد الناصر. وكان حينها رد وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد آل خليفة ببضعة أحرف عبر الطائر الأزرق «تويتر»: «حسنين هيكل لا يستنطق إلا الموتى وأصحاب الآخرة.. إن كانت لديه وثيقة واحدة تثبت مزاعمه عن البحرين وجزر الإمارات فليبرزها.. وإلا فليصمت».
ومن السعودية، كان السفير السعودي في القاهرة ومندوب المملكة الدائم بالجامعة العربية، أحمد قطان، في منحى تفكيك هيكل بصيغة رسمية قوية، إذ قال بعد تزايد هجوم هيكل على السعودية إن «علاقة المملكة ومصر ستبقى قوية رغم أنف هيكل، فالرجل لا علاقة له بالحقائق ويقول كلامًا مغلوطًا»، في معرض إجابة عن تساؤل أثناء لقاء السفير بصحافيين أوائل شهر أغسطس (آب) الحالي.
والحقيقة أن هجوم هيكل على السعودية ليس وليد الأمس ليتكرر اليوم، بل كان منهجه منذ بواكير طلعته، إبان رئاسته لتحرير «الأهرام»، ذا توجهات تتحدى القيادة السعودية في عهد الراحل الملك سعود. وفي ما بعد تجاهل دور الملك فيصل رحمه الله بعد «نصر أكتوبر»، وكذلك دور المملكة الحاسم في تحرير الكويت، معتبرًا آنذاك أن السعودية تقود «حربًا صليبية»، لكن الصحافة المصرية فسرت خلفيات هجومه بالقول إنه «يزعجه أن تظل السعودية آمنة ومستقرة وصانعة تنمية».
هيكل عاش أزمنة الحضور الأولى التي اشتعل بريقه خلالها في ظل عبد الناصر. وكان ذراعًا إعلامية في زمن «الانتكاسة» وفشل الوحدة العربية. يشابه زمن النصر الصوتي، وبالصوت يحضر حاليًا، بأراجيف الحكواتية، فلا يزال يحاول النيل من كل وحدة عربية أو وقفات جادة لإعادة بلورتها ما لم تكن ناصرية المكان والهوى، رغم خسارتها فكرًا ومشروعًا آنذاك. وهذا بينما تسعى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، اليوم إلى لمّ الصف العربي، لمواجهة التحديات والاضطرابات، وعلى وجه الخصوص الشرق الأوسط.
من جهة أخرى، علّق السياسي المصري مصطفى الزهار، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن ما يعاب على محمد حسنين هيكل ومسانديه أخذ تصريحاته التي تجانب بعضها الحقيقة وكأنها رأي رسمي، مشددًا على أن هيكل يحمل الكثير من المغالطات التي لا تدعم وجود بلاده وتحدياته منذ الماضي وحتى اليوم، وأن «هيكل غير جيد للحديث عن التاريخ المصري وليس العربي فقط».

* قضية التسميم المزعوم لعبد الناصر
واستشهد الزهار باتهام هيكل للرئيس السادات والتلميح إلى أنه «سمّم الرئيس جمال عبد الناصر» وفق حديثه في قناة «الجزيرة». وقال عن ذلك الاتهام إنه وبعدما رفعت عائلة السادات دعوى على هيكل تراجع عن اتهامه، واعتبر أن ما قاله أحاديث يتحدث بها المجتمع المصري، لكن الحقيقة وفق حديث الزهار أن هيكل جعلها مثار حديث رغم عدم وجود أي أدلة. ومن ثم شرح الزهار الكثير من الإشكاليات التي ترافق مقالات وحوارات هيكل، أبرزها «غياب الموضوعية في تناول الشؤون التاريخية، ومحاولته إثبات أنه يمتلك وثائق في مسيرته تغيب عن وثائق الدولة، إضافة إلى إيقاع خلافات سياسية بين الدول، وهذا أمر يحتاج إلى الدراسة والبحث لا مجرد نقل، أساء إلى كثير من الدول العربية».
وعن سر اتهاماته لدول الخليج وكيل الاتهامات لها، قال الزهار إن «مشروع هيكل لم يتخل عنه منذ ثورة الخميني في إيران ودعمه للمشروع الفارسي، الذي يحاول إلغاء المحيط بها وتعزيز العلاقة مع مصر، وكذلك تركيا»، نظرا لأسبقية هيكل في العمل مستشارا لقيادات الثورة في إيران، وهو ما عده سعيا إيرانيا لتوظيف عدد من الإعلاميين والسياسيين المصريين.
وكانت لهيكل مشاركة في صياغة كتاب معمّر القذافي «الكتاب الأخضر» الذي تحوّل منذ صدوره وحتى اليوم إلى كتاب تتقاذفه السخريات في كل البلدان العربية، لكن، ورغم الاسم الذي صنعه هيكل لنفسه في العالم العربي، يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر، تروق له ويطبق مضمونها، عندما قال «الدعاية الجيدة أن تكذب وتكذب حتى يصدقك الناس». ورغم قرب هيكل من جمال عبد الناصر، فحتى الأخير لم يسلم من هجوم هيكل عليه في مقالات عديدة، ويورد المحامي المصري الراحل طلعت السادات، نجل شقيق الرئيس أنور السادات، أن هيكل كان يتوقع بعد النكسة (1967) أن يكون نائبا للرئيس عبد الناصر، وهو ما حاول تسويقه عبر علاقاته بالإعلام الغربي.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.