صعود وهبوط ثم غموض صاحب «الحاسة السادسة»

شيامالان استلهم سينماه من أفلام الدهشة

المخرج م. نايت شيامالان أثناء التصوير و من فيلمه الجديد «الزيارة»
المخرج م. نايت شيامالان أثناء التصوير و من فيلمه الجديد «الزيارة»
TT

صعود وهبوط ثم غموض صاحب «الحاسة السادسة»

المخرج م. نايت شيامالان أثناء التصوير و من فيلمه الجديد «الزيارة»
المخرج م. نايت شيامالان أثناء التصوير و من فيلمه الجديد «الزيارة»

«أرى أمواتًا».. يقول الصبي هايلي جووَل أوزمنت ناظرًا إلى بروس ويليس في «الحاسة السادسة» (1999) ولاحقًا ما نعرف أن بروس ويليس هو أيضًا إنسان ميّت كان الصبي هايلي جووَل أوزمنت يتحدث إليه.
كلنا نعلم ما حل بهما: هايلي كبر سنّا وتعرضت مهنته أمام الكاميرا لانقطاع ما بين 2003 و2012 بسبب استكماله لدروسه، وهو وإن عاد الآن، إلا أنه لم يحقق النجومية التي حققها في دوره ذاك. بروس ويليس عاد إلى الحياة في كل أفلامه اللاحقة، وما زال من بين أنجح الأسماء المتداولة في هوليوود وحول العالم.
لكن ماذا عن مخرج «الحاسة السادسة» م. نايت شيامالان (وحرف الميم نسبة إلى اسمه الأول مانوج)؟ ما الذي حدث له بعد ذلك؟ هل واصل نجاحه؟ وإلى متى؟ لماذا ظهر بقوّة واختفى بقوّة أيضًا؟ وماذا عن أفلامه في السنوات الأخيرة؟

باب التدريب

في العروض القريبة فيلم «الزيارة» الموقّع باسم المخرج شيامالان. وهو من بطولة ممثلين غير معروفين، من بينهم كاثرين هون وإد أوكسبولد وأوليفيا ديجونج. والسائد قوله في هوليوود أن المخرج استخدم أجره (خمسة ملايين دولار) عن تحقيقه فيلمه السابق «بعد الأرض» لأجل تمويل فيلمه هذا، وأنه حرص على القيام بإنتاجه ومتابعة توليفه بنفسه ليتأكد من أن الفيلم يطابق المواصفات التي يريدها له. بعد ذلك عرضه على شركة «يونيفرسال»، التي لم يسبق لها التعامل معه من قبل، وهذه وافقت على توزيعه.
سيرة شيامالان، المولود في الهند من أبوين طبيبين، والنازح - معهما - إلى ولاية فيلادلفيا عندما كان لا يزال صبيًا يافعًا - تشي بأنه مخرج عشق السينما من دون خطّة فنية مسبقة. استلهم إعجابه من أفلام الدهشة (يقول إنه تأثر بأفلام ستيفن سبيلبرغ ولو أن هذا التأثر لا يمكن أن يكون قد طبّق أسلوبيًا). وبعد فيلمين كوميديين، يعتبرهما شيامالان من باب التدريب، أنجز فيلمه الرئيسي الأول «الحاسّة السادسة» متعاملاً مع الغيبيات والأرواح. الصبي المعذّب بتلك القدرة على رؤية الأرواح تتحرك ليس كهلامات وأشباح بل كأجساد أيضًا. المعضلة الخفية التي يفصح الفيلم عنها بمهارة وتدرّج هي أن هؤلاء الأشخاص البادين له ولنا، ومنهم شخصية الطبيب مالكولم (بروس ويليس) لا يعلمون أنهم موتى!
كان لهذا الفيلم صدى نقدي وتجاري كبير (أنجز نحو 600 مليون دولار حول العالم). الحال أنه ما من ناقد غربي إلا وذكر أن شيامالان هو اكتشاف جديد ومهم للسينما. والحقيقة أنه في ذلك الفيلم كان محاطًا بخبرات لا تستطيع أن تفشل ولا تسمح له بأن يفشل أيضًا: المنتجان كاثلين كندي وفرانك مارشال، اللذان كانا لا يزال يعملان مع ستيفن سبيلبرغ، توليا إنتاج هذا الفيلم.

انحدار

لم ينتظر م. نايت شيامالان طويلاً. بعد عام واحد ضرب من جديد. هذه المرّة ارتفعت الميزانية من 40 مليونا إلى 75 مليونا، ومع أن الفيلم، وعنوانه «غير قابل للكسر» Unbreakable لم ينجز الرقم الكبير الذي حققه الفيلم الأول، إلا أنه أكد على لمعان مخرجه. هذه المرّة تعامل شيامالان مع سيناريو غرائبي آخر حول الرجل الذي يتعرض لحادثة قطار مليء بالركاب. كلهم ماتوا باستثنائه.
فيلمه الثالث، «إشارات» كان أيضًا لـ«ديزني» وفي البطولة مل غيبسون الذي يلعب دور مزارع ورب أسرة يحاول فهم ألغاز تقع في أرضه. هل هبطت مخلوقات فضاء؟ هل هي مخلوقات شريرة؟ طيّبة أو أن الطيبة والشر أمران نسبيان في هذا العالم وما وراءه؟!
عند هذا الحد انطفأت الشعلة المتوهجة بدليل أن أفلامه اللاحقة، وقد كتبها أو شارك بكتابتها جميعًا، أخفقت في إبقائه على السدّة التي وصل إليها. كان شيامالان قد صعد القمّة ولم يبق له سوى البقاء فوقها، إذا استطاع، أو الانحدار إذا لم يستطع. وهو انحدر. ليس عن قصد بالطبع، لكن بنتيجة مركّبة من ثقة فاضت عن الحاجة وصعب عليها تحقيق أهدافها جيدًا.
هذه الأفلام اللاحقة بدأت بفيلم «القرية» (2004) حيث فتاة عمياء تضيع في الغابة لكنها لا ترتطم بأي شجرة، و«السيدة في الماء» (2006): حكاية بين البوليسي والغموض الميتافيزيقي والملل المؤكد. ثم، بعد سنتين، «الحادث» حيث يحاول طبيب (مارك وولبرغ) وزوجته (زووي دشانل) تجنّب وباء يدفع المصاب للانتحار، ثم «آخر الملاحين» وهو فيلم خيالي علمي تميّز بكونه لم يكن رديء الكتابة والإخراج فقط، بل رديء التنفيذ تقنيًا (شغل ديجيتال) في كل صعيد. وهذه الرداءة شيء لها أن تتجسد بالأبعاد الثلاثة.
وآخر الإخفاقات وقع قبل عامين عندما أنجز «بعد الأرض» حكاية طيّار وابنه (ول سميث وابنه الفعلي جادن) يهبطان من الكوكب البعيد إلى سطح الأرض التي كان الآدميون هاجروا منها. الأب لا يستطيع الحراك لكسر في قدمه، وعلى ابنه السفر لثلاثة أيام وسط المجاهل والمخاطر لكي يعود بجزء من المركبة سقط بعيدًا عنها عندما تحطّمت في تلك المجاهل.
في «الزيارة» يعيد ترتيب نفسه، أو كما يقول لصحيفة «ذا نيويورك تايمز»: «لا أدري ما حدث لي.. شيء خرّب عقلي». الشيء، يقول بعد حين، كان أشبه بكم من الدهونات التي تراكمت عليه. أدرك أنه إذ غادر جهد الابتكار الفعلي سقط في منوال الفيلم للفيلم وليس للإبداع. وهو يؤكد أنه تعلّم الدرس فهو كان شعر بتخمة الشهرة. اعتقد أن أي شيء يقدّمه سينجح وعلى هذا المنوال استمر ليكتشف أن النجاحات نسبية، وأسوأها ذلك الذي يتبدى له كنجاح في حين أنه حفرة لا تمكنه من الرؤية بعيدًا.
«الزيارة» فيلم صغير (بعيد بسنوات ضوئية عن ميزانيات أفلامه الأخرى) حول أم (كاثرين هون) اكتشفت أن ولديها الصغيرين (صبي وفتاة) باتا يتصرّفان على نحو غريب، منذ أن عادا من زيارة الجدّة. هذا الفاصل الدقيق بين الطبيعي والغرائبي الذي مارسه شيامالان في «الحاسّة السادسة» هو ما يعاود التطرّق إليه في فيلم وصفه أحد نقاد المواقع الإلكترونية بأنه «أفضل فيلم لشيامالان منذ زمن بعيد جدًّا».



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.