صعود وهبوط ثم غموض صاحب «الحاسة السادسة»

صعود وهبوط ثم غموض صاحب «الحاسة السادسة»

شيامالان استلهم سينماه من أفلام الدهشة
الجمعة - 7 ذو القعدة 1436 هـ - 21 أغسطس 2015 مـ
المخرج م. نايت شيامالان أثناء التصوير و من فيلمه الجديد «الزيارة»

«أرى أمواتًا».. يقول الصبي هايلي جووَل أوزمنت ناظرًا إلى بروس ويليس في «الحاسة السادسة» (1999) ولاحقًا ما نعرف أن بروس ويليس هو أيضًا إنسان ميّت كان الصبي هايلي جووَل أوزمنت يتحدث إليه.
كلنا نعلم ما حل بهما: هايلي كبر سنّا وتعرضت مهنته أمام الكاميرا لانقطاع ما بين 2003 و2012 بسبب استكماله لدروسه، وهو وإن عاد الآن، إلا أنه لم يحقق النجومية التي حققها في دوره ذاك. بروس ويليس عاد إلى الحياة في كل أفلامه اللاحقة، وما زال من بين أنجح الأسماء المتداولة في هوليوود وحول العالم.
لكن ماذا عن مخرج «الحاسة السادسة» م. نايت شيامالان (وحرف الميم نسبة إلى اسمه الأول مانوج)؟ ما الذي حدث له بعد ذلك؟ هل واصل نجاحه؟ وإلى متى؟ لماذا ظهر بقوّة واختفى بقوّة أيضًا؟ وماذا عن أفلامه في السنوات الأخيرة؟


باب التدريب


في العروض القريبة فيلم «الزيارة» الموقّع باسم المخرج شيامالان. وهو من بطولة ممثلين غير معروفين، من بينهم كاثرين هون وإد أوكسبولد وأوليفيا ديجونج. والسائد قوله في هوليوود أن المخرج استخدم أجره (خمسة ملايين دولار) عن تحقيقه فيلمه السابق «بعد الأرض» لأجل تمويل فيلمه هذا، وأنه حرص على القيام بإنتاجه ومتابعة توليفه بنفسه ليتأكد من أن الفيلم يطابق المواصفات التي يريدها له. بعد ذلك عرضه على شركة «يونيفرسال»، التي لم يسبق لها التعامل معه من قبل، وهذه وافقت على توزيعه.
سيرة شيامالان، المولود في الهند من أبوين طبيبين، والنازح - معهما - إلى ولاية فيلادلفيا عندما كان لا يزال صبيًا يافعًا - تشي بأنه مخرج عشق السينما من دون خطّة فنية مسبقة. استلهم إعجابه من أفلام الدهشة (يقول إنه تأثر بأفلام ستيفن سبيلبرغ ولو أن هذا التأثر لا يمكن أن يكون قد طبّق أسلوبيًا). وبعد فيلمين كوميديين، يعتبرهما شيامالان من باب التدريب، أنجز فيلمه الرئيسي الأول «الحاسّة السادسة» متعاملاً مع الغيبيات والأرواح. الصبي المعذّب بتلك القدرة على رؤية الأرواح تتحرك ليس كهلامات وأشباح بل كأجساد أيضًا. المعضلة الخفية التي يفصح الفيلم عنها بمهارة وتدرّج هي أن هؤلاء الأشخاص البادين له ولنا، ومنهم شخصية الطبيب مالكولم (بروس ويليس) لا يعلمون أنهم موتى!
كان لهذا الفيلم صدى نقدي وتجاري كبير (أنجز نحو 600 مليون دولار حول العالم). الحال أنه ما من ناقد غربي إلا وذكر أن شيامالان هو اكتشاف جديد ومهم للسينما. والحقيقة أنه في ذلك الفيلم كان محاطًا بخبرات لا تستطيع أن تفشل ولا تسمح له بأن يفشل أيضًا: المنتجان كاثلين كندي وفرانك مارشال، اللذان كانا لا يزال يعملان مع ستيفن سبيلبرغ، توليا إنتاج هذا الفيلم.


انحدار


لم ينتظر م. نايت شيامالان طويلاً. بعد عام واحد ضرب من جديد. هذه المرّة ارتفعت الميزانية من 40 مليونا إلى 75 مليونا، ومع أن الفيلم، وعنوانه «غير قابل للكسر» Unbreakable لم ينجز الرقم الكبير الذي حققه الفيلم الأول، إلا أنه أكد على لمعان مخرجه. هذه المرّة تعامل شيامالان مع سيناريو غرائبي آخر حول الرجل الذي يتعرض لحادثة قطار مليء بالركاب. كلهم ماتوا باستثنائه.
فيلمه الثالث، «إشارات» كان أيضًا لـ«ديزني» وفي البطولة مل غيبسون الذي يلعب دور مزارع ورب أسرة يحاول فهم ألغاز تقع في أرضه. هل هبطت مخلوقات فضاء؟ هل هي مخلوقات شريرة؟ طيّبة أو أن الطيبة والشر أمران نسبيان في هذا العالم وما وراءه؟!
عند هذا الحد انطفأت الشعلة المتوهجة بدليل أن أفلامه اللاحقة، وقد كتبها أو شارك بكتابتها جميعًا، أخفقت في إبقائه على السدّة التي وصل إليها. كان شيامالان قد صعد القمّة ولم يبق له سوى البقاء فوقها، إذا استطاع، أو الانحدار إذا لم يستطع. وهو انحدر. ليس عن قصد بالطبع، لكن بنتيجة مركّبة من ثقة فاضت عن الحاجة وصعب عليها تحقيق أهدافها جيدًا.
هذه الأفلام اللاحقة بدأت بفيلم «القرية» (2004) حيث فتاة عمياء تضيع في الغابة لكنها لا ترتطم بأي شجرة، و«السيدة في الماء» (2006): حكاية بين البوليسي والغموض الميتافيزيقي والملل المؤكد. ثم، بعد سنتين، «الحادث» حيث يحاول طبيب (مارك وولبرغ) وزوجته (زووي دشانل) تجنّب وباء يدفع المصاب للانتحار، ثم «آخر الملاحين» وهو فيلم خيالي علمي تميّز بكونه لم يكن رديء الكتابة والإخراج فقط، بل رديء التنفيذ تقنيًا (شغل ديجيتال) في كل صعيد. وهذه الرداءة شيء لها أن تتجسد بالأبعاد الثلاثة.
وآخر الإخفاقات وقع قبل عامين عندما أنجز «بعد الأرض» حكاية طيّار وابنه (ول سميث وابنه الفعلي جادن) يهبطان من الكوكب البعيد إلى سطح الأرض التي كان الآدميون هاجروا منها. الأب لا يستطيع الحراك لكسر في قدمه، وعلى ابنه السفر لثلاثة أيام وسط المجاهل والمخاطر لكي يعود بجزء من المركبة سقط بعيدًا عنها عندما تحطّمت في تلك المجاهل.
في «الزيارة» يعيد ترتيب نفسه، أو كما يقول لصحيفة «ذا نيويورك تايمز»: «لا أدري ما حدث لي.. شيء خرّب عقلي». الشيء، يقول بعد حين، كان أشبه بكم من الدهونات التي تراكمت عليه. أدرك أنه إذ غادر جهد الابتكار الفعلي سقط في منوال الفيلم للفيلم وليس للإبداع. وهو يؤكد أنه تعلّم الدرس فهو كان شعر بتخمة الشهرة. اعتقد أن أي شيء يقدّمه سينجح وعلى هذا المنوال استمر ليكتشف أن النجاحات نسبية، وأسوأها ذلك الذي يتبدى له كنجاح في حين أنه حفرة لا تمكنه من الرؤية بعيدًا.
«الزيارة» فيلم صغير (بعيد بسنوات ضوئية عن ميزانيات أفلامه الأخرى) حول أم (كاثرين هون) اكتشفت أن ولديها الصغيرين (صبي وفتاة) باتا يتصرّفان على نحو غريب، منذ أن عادا من زيارة الجدّة. هذا الفاصل الدقيق بين الطبيعي والغرائبي الذي مارسه شيامالان في «الحاسّة السادسة» هو ما يعاود التطرّق إليه في فيلم وصفه أحد نقاد المواقع الإلكترونية بأنه «أفضل فيلم لشيامالان منذ زمن بعيد جدًّا».


اختيارات المحرر

فيديو