في مطلع العام 1973 تسلم المنتج والمخرج السينمائي أنور القوادري الدفّة المهنية رسميًا من والده الراحل تيسير القوادري. ارتأى أن الوقت حان لكي يقف على قدميه لوحده. النتيجة فيلم أثار الكثير من اللغط حينها، إيجابا وسلبًا، عنوانه «قطط شارع الحمرا» الذي جمع في بطولته ممثلين من مصر (مديحة كامل ويوسف شعبان ونوال أبو الفتوح) ومن سوريا (محمود جبر، نجاح حفيظ) ومن لبنان (كريم أبو شقرا وعلي دياب وشوقي متّى). أما الإخراج فتولاه الراحل سمير الغصيني الذي انبرى بعد ذلك كواحد من أنشط المخرجين اللبنانيين عددًا إلى حين وافته المنية قبل عدة سنوات.
موعد في لندن
من عام 1973 إلى عام 2015 مرت مياه كثيرة تحت الجسر. سينمائيون مرّوا. آخرون توقفوا وفئة ما زالت مستمرة. من هذه الفئة أنور القوادري ذاته وإن كان استمراره من النوع الهادئ الذي ينتظر الفرصة، حتى إذا ما سنحت صنع منها الحدث الذي يريده للسينما.
ككثيرين من أبناء جيله هو عاشق للسينما، وبرهن على ذلك بمشاريع لم يتصدّى لها سواه: قام، في العام 1983، بتحويل «كسارة البندق» Nutcracker إلى أول اقتباس يقدم عليه سينمائي عربي لهذه المسرحية محاطة بموسيقى تشايكوفسكي، وبممثلة كانت ما زالت نجمة مسلسل «دالاس» الأميركي، وهي جوان كولينز.
بعده، بعامين، أخرج أول فيلم بريطاني يتم اقتباسه عن فيلم عربي. كان أعجبه فيلم محمد خان «موعد على العشاء»، فاشترى حقوق تحويله إلى فيلم سينمائي بعنوان «كلوديا»، مسندًا بطولته إلى ممثلة جميلة لمعت لاحقًا، اسمها ديبورا رافين.
ثم قام سنة 1998 بتحقيق فيلم روائي كامل عن الرئيس جمال عبد الناصر (وبالاسم نفسه) لعب بطولته المصري خالد الصاوي، في حين أدّى الممثل هشام سليم دور المشير عبد الحكيم عامر. الضجة التي شهدها الفيلم، والتي تراوحت بين الإعجاب والعداء، لم تمنعه من الاستمرار ولو بعد حين. ساهم في إنتاج فيلم بريطاني آخر مأخوذ عن مسرحية هو «هيدا غابلر»، وذلك في العام الماضي.
وها هو اليوم يقدم فيلمًا جديدًا عنوانه «ترنيمة مدينة» الذي سيشارك رسميًا في دورة مهرجان تورنتو السينمائي في دورته الأربعين التي تنطلق في العاشر من الشهر المقبل. الفيلم من إنتاج الشركة التي يرأسها المنتج السعودي إبراهيم دشيشة ويديرها أنور القوادري موظفًا لها خبرته السينمائية الطويلة. أما الإخراج فلسينمائي آخر ذي خبرة طويلة، هو مايكل كاتون - جونز الذي سبق له أن خاض غمار أفلام بريطانية وأميركية ناجحة وكثيرة، من بينها «قصّة هذا الصبي» و«الضبع» و«حاسة فطرية 2».
القوادري لا يخفي سعادته بالعمل ولا بعرضه في المهرجان الكبير ولا كذلك بالمرحلة التي يمر بها اليوم. يقول لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة خاصة:
- الحقيقة أنا سعيد جدًا في هذه المرحلة من حياتي كوني أعمل منتجًا سينمائيًا، وأقف وراء هذا الفيلم الجديد.
> لماذا اخترت تقديمه في مهرجان تورنتو وليس في مهرجان أوروبي؟
- مهرجان تورنتو يعتبر في غاية الأهمية بالنسبة لهذا الفيلم تحديدًا كون المهرجان البوابة الرسمية للسوق الأميركية، ولحسن الحظ فإن الفيلم لم يكن جاهزًا للمهرجانات الأوروبية الأخرى، لأني أفضل وجودي في مهرجان تورنتو الذي هو أنسب لتقديم هذا الفيلم عالميًا.
> يدور الفيلم حول أحداث الشغب التي وقعت في بريطانيا سنة 2011. هل تراه فيلمًا بريطانيًا؟
- قد يظن البعض أن موضوع الفيلم بريطاني فقط، وهذا ليس صحيحًا لأن مشكلة البطالة وحالات الضياع التي يعيشها الجيل الشاب هي حالة عامة نجدها في معظم الدول الأوروبية، كما في الولايات المتحدة وفي دولنا العربية. «ترنيمة مدينة» قبل كل شيء فيلم سينمائي يعكس رغبة شركتنا في تقديم أفلام عالمية تتميّز بالجودة وتعيد كلمة الفنان لدور المنتج، على غرار بعض كبار المنتجين في عالمنا.
> تتعاون مع المخرج البريطاني مايكل كاتون - جونز. كيف كان شكل هذا التعاون؟
- الكلمة الصحيحة: رائع. أنت تعلم أن كاتون - جونز من أفضل مخرجي السينما البريطانية. سبق له أن اكتشف ليوناردو ديكابريو عندما أخرج في هوليوود «قصّة هذا الصبي»، وخبر أفلاما صغيرة الإنتاج وأفلاما أخرى كبيرة مثل «الضبع» و«روب بوي» و«حاسة فطرية 2»، الذي كان آخر ما قدّمه من أفلام سنة 2006. بالتالي فإن «ترنيمة مدينة» هو فيلم العودة لهذا المخرج وهذا مصدر فخر كبير لي.
> كيف تصنّف نفسك عبر سنوات ممارسة السينما؟ هل تعتبر نفسك مخرجًا عربيًا أم مخرجًا ومنتجًا ذا أصل عربي؟
- أصنف نفسي كمخرج سينمائي يعشق السينما التي هي لغة يفهمها المشاهد في أي وطن. لذلك كنت أبحث عن نشر أفلامي في جميع أنحاء العالم. هل لك أن تتخيل مقدار سعادتي عندما أكون في زيارة في مدينة ما. أصل إلى غرفتي في الفندق وأفتح جهاز التلفزيون لأجد فيلمي «كسارة البندق» معروضًا على الشاشة.
> ماذا عن المواضيع المختارة؟ ما الجامع بينها؟
- يجمعها الجانب الإنساني والهوية العربية التي هي هاجس دائم عندي. إلى جانب هذا تجدني كثير الاهتمام بتقديم الوجوه الجديدة التي تنطلق بعد ذلك لتصبح معروفة عالميًا أو مشهورة في عالمها المحلي. مثلاً قدّمت فينولا هيوز في «كسارة البندق» التي أصبحت نجمة لاحقًا عندما لعبت بطولة «البقاء حيا» أمام جون ترافولتا. قدمت خالد الصاوي في «جمال عبد الناصر» والمرحوم خالد صالح بدور صلاح نصر في الفيلم نفسه. والآن دور لاتيشيا رايت الذي جاء بها كاتون – جونز، وهي مشروع لنجمة من الطراز الرفيع.





