سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

لا يزال قادرًا على تنفيذ 100 طلعة جوية يوميًا.. ومروحياته ترمي «سكود الفقراء»

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة
TT

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

قبل عام 2011، كان سلاح الجو السوري واحدًا من أضعف أسلحة النظام الذي يئس من قدرة حلفائه على تطوير هذا القطاع بما يكفي لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، فاختار أن يواجهه من على الأرض بواسطة أسلحة الدفاع الجوي التقليدية من صواريخ وبطاريات مدفعية ومنظومات رادار. أما اليوم، فقد بات هذا السلاح هو الأهم والأكثر فعالية لدى النظام السوري في مواجهة خصومه في الداخل، حتى بات يعرف بـ«ذراع النظام» الطويلة لقدرته على ضرب الأهداف في أي مكان في سوريا.
ويعتبر سلاح الجو السوري الأكبر بين الدول العربية لاحتوائه على نحو 900 طائرة، لكنه قد يكون الأقدم لاعتماده على طائرات معظمها قديم الصنع، فيما تواجه الطائرات الحديثة القليلة لديه مشكلة الذخيرة غير المتوافرة بكثرة والباهظة الثمن، ما يجبر النظام على استعمال الطائرات القديمة الصنع التي تضطر للهبوط إلى ارتفاعات منخفضة نسبيًا لضرب أهدافها، والهليكوبترات التي تلقي البراميل المتفجرة، وهذه البراميل تسمى بين الخبراء بـ«سكود الفقراء» لرخص ثمنها، مقارنة بالذخيرة الذكية للطائرات الحديثة.

يُعتقد اليوم أن سلاح الجو التابع للنظام السوري يحتوي على نحو 600 طائرة، أربعة أخماسها طائرات مقاتلة وقاذفة، والبقية مروحية (هليكوبترات)، بالإضافة إلى طائرات النقل. وتأتي صفقة طائرات الـ«ميغ 31» الستة التي يقال إن روسيا قد سلمتها إلى سوريا، لتزيد من قدرة النظام نوعيا، من غير أن تقدر على الزيادة الكمية. فسلاح الجو يواجه أعداء ضعفاء، بمعنى انعدام قدرتهم على إسقاط طائراته بما يكفي لردعه عن الطيران فوق مناطقهم. ويرى المراقبون أن هذه الصفقة - إن صحّت - تعد صفقة سياسية أكثر منها عسكرية، إذ إنها تأتي في وقت يتصاعد فيه الحديث عن تضاؤل الدعم الروسي وعدم التمسك الصارم ببقاء رئيس النظام بشار الأسد في السلطة.
يذكر أنه منذ اندلاع الثورة في سوريا تحول سلاح الجو إلى واحد من أعمدة بقاء نظام الأسد، وسببا رئيسا لبقاء هذا النظام ميدانيا، بسبب قدرته الواضحة على تحويل مسار المعارك في كثير من الأحيان، وهو القطاع نفسه الذي شهد خسارة 400 طائرة في مواجهة إسرائيل، منها نحو 80 طائرة في معركة واحدة حدثت فوق البقاع اللبناني مع الطيران إلإسرائيلي في عام 1982، انتهت بسقوط مائة طائرة سورية مقابل عشر طائرات إسرائيلية فقط سقطت جميعها بفضل صواريخ ومدفعية أرضية، لا بسلاح الطائرات الحربية المقابلة.
ولقد أكد تقرير نشرته مجلة «جينز» العسكرية المتخصصة العام الماضي أن قدرة الجيش السوري على ضرب عمق المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة المعارضة، وتقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية لم تتناقص على الرغم من فقدان كثير من الطائرات خلال أكثر من عامين على اندلاع الحرب. ونقلت عن مصادر عسكرية تركية أن سلاح الجو السوري قادر على تنفيذ 100 طلعة جوية مؤثرة في اليوم بما فيها طائرات الهليكوبتر والطائرات الحربية، وفي المتوسط 50 في المائة منها طلعة قتالية. فيما يتم تقسيم الطلعات الأخرى بالتساوي تقريبًا بين طائرات النقل ورحلات التدريب.
ويرى الخبير الاستراتيجي اللبناني العميد المتقاعد هشام جابر «أن طائرات الميغ 31 تعتبر فخر الصناعة الروسية الحالية، وهي ما زالت تعتبر من السلاح الاستراتيجي في القوات الجوية الروسية». ويقول جابر لـ«الشرق الوسط» إنه «تم تصميم المقاتلة ميغ - 31 وخصص استخدامها ضمن نظام الدفاع الجوي بغية اعتراض وتدمير الأهداف، فهي مقاتلة وقاذفة على حد سواء، يستطيع سلاح الجو السوري الاستفادة منها في زيادة فعالية سلاحه الجوي الذي فقد الكثير من فاعليته خلال السنوات الماضية».
ورجح جابر أن تكون قدرات سلاح الجو السوري وصلت إلى ما بين 70 و75 في المائة مما كانت عليه من قبل، بعد أن دمّرت بعض طائراته العسكرية في المطارات والبعض الآخر يحتاج إلى ورشة صيانة، موضحًا أن الجيش السوري النظامي يملك جميع الأجيال السابقة لطراز ميغ 31 وهو يستخدم حاليًا 9 مطارات عسكرية من أصل 18، وهي مجهّزة ومعدّة بشكل جيد ويستخدمها بحسب ترتيبات الوضع الأمني. وشدد على أن جيش النظام «ليس بوارد الاصطدام بالطائرات العسكرية الأميركية، ولا أميركا تنوي في أن تقوم بأي اعتداء على الطائرات السورية إذا ما أقيم حظر جوي في المنطقة الآمنة».
واعتبر جابر أن «ما تكشف عن تسليم موسكو طائرات ميغ 31 المتطورة لدمشق ينبئ باستمرار الدعم الروسي للقيادة السورية، في رسالة واضحة من روسيا لكل المعنيين بالملف السوري حول العالم». وأردف: «هو دعم يأتي بعد تزايد التكهنات مؤخرًا عن حصول تغير في الموقف الروسي، وصولاً إلى حد الحديث عن موافقة موسكو على التخلي عن حليفها الرئيس الأسد لمصالح لها مع أميركا ودول أخرى، كما يروج البعض». وأكد جابر أن« طائرات الميغ 31 مدفوع ثمنها من قبل سوريا، وأن روسيا ليست جمعية خيرية بل لها مصالح في سوريا، ومع أن روسيا ليست متمسكة بشخص بشار الأسد، إلا أنها تجد في النظام السوري ومؤسساته وجيشه حاميًا لمصالحها». وأضاف: «كل هذا يفتح أفق التساؤل والاستنتاج عن أبعاد الرسالة الروسية، وما إذا كانت تتجاوز الميدان السوري إلى الدول المنغمسة بالحرب على سوريا، مع ارتفاع وتيرة الحديث عن المنطقة العازلة، التي تسعى تركيا إلى إقامتها داخل الأراضي السورية».
من ناحية أخرى، يقول جيفري وايت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إنه «بعد أن أُنهك الجيش النظامي في حرب استنزاف، أصبحت القوات الجوية أكثر أهمية. وتشكل هذه القوات عنصرًا جوهريًّا في القوة النارية للنظام، وتمثل قدراتها إحدى أبرز نقاط عدم التكافؤ في الصراع. فالعمليات الجوية تشكل وسيلة رئيسية لاستنزاف قوات الثوار والتسبب بخسائر بين المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وليست أي منطقة في سوريا بمنأى من هجماتها». وتابع وايت أنها «قوة ذات مرونة واستجابة ولقد برهنت أنها قادرة على بذل جهد مستمر في العمليات الاستراتيجية وفي دعم العمليات الميدانية، الهجومية والدفاعية على حد سواء. وتحصل الضربات الجوية في ساحات معارك صعبة كالمدن أو الأرياف أو المناطق الجبلية أو الصحراوية. وتكون الأهداف قريبة من مناطق مأهولة أو ضمنها وغالبًا ما تكون قريبة من قوات النظام أو على اتصال بها. وعملت القوات الجوية السورية في كافة هذه البيئات، بكفاءة على الأقل، إن لم يكن بدقة».
وايت رأى أيضا أنه «بعد عامين ونصف العام من العمليات المستمرة في حرب لم يكن سلاح الجو السوري مستعدًا لها، ولكن أظهر هذا السلاح أيضًا مرونة مفاجئة، إذ فقد خمس قواعد من قواعده الجوية الخمسة والعشرين بينما يقع سبع أو ثمانٍ منها تحت الحصار أو هي هدف للهجمات الدورية». وواصل شرحه قائلا: «في بداية الحرب، كانت هذه القوات تملك أكثر من 500 طائرة حربية ثابتة الجناحين أو بجناحين متحركين تضم الأنواع التي تُستخدم بشكل أساسي في الحرب وهي طائرات (إل 39) و(ميغ 21) و(ميغ 23) و(ميغ 29) و(سوخوي سو 22) و(سوخوي سو 24)، بالإضافة إلى الهليكوبترات (مي 7 - 17) و(مي 24) لإلقاء البراميل المتفجرة والقصف. ومع أنه يصعب تعقب خسارات سلاح الجو السوري، لكن تشير تقديرات قائمة على تقارير المعارضة إلى أن أكثر من 200 طائرة مقاتلة قد تكون قد دُمرت، بالإضافة إلى عدد من أفراد الطاقم الجوي الذين قتلوا أو أسروا أو أصيبوا بجراح أو انشقوا عنها. وحتى مع أخذ المبالغة المتوقعة بعين الاعتبار، يبدو أن استنزافها كبير. وبغض النظر عن هذه الخسارات، يبدو أن القوات الجوية تجري نحو 50 طلعة جوية في اليوم استنادًا إلى تقارير محدودة من المعارضة ومصادر أخرى. ومن المرجح أن تكون روسيا وإيران قد قدمتا مساعدات حيوية للحفاظ على القوات الجوية بما في ذلك توفير قطع الغيار وعمليات تجديد وترميم وتحسين المعدات».
ووفقا لمعهد واشنطن، تنفذ القوات الجوية التابعة للنظام السوري مجموعة كبيرة من العمليات القتالية دعمًا لأهدافها عبر هجمات على مناطق مدنية، بما في ذلك المنازل والمرافق الطبية ومرافق المياه والمخابز والمحاصيل والثروة الحيوانية، يلعب فيها إلقاء البراميل المتفجرة من الهليكوبترات دورًا رئيسيًا. ودعم عمليات الحصار التي تهدف إلى تقويض المقاومة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، تلعب فيها الهليكوبترات أيضًا دورًا رئيسيًا. وضربات على أهداف عسكرية بما فيها القيادة والقوات والمعدات والخدمات اللوجيستية والمنشآت التابعة للثوار. واعتراض الحركة التكتيكية والعملياتية بما في ذلك شن هجمات على السيارات المدنية وقوافل الثوار وعمليات دعم جوي تكتيكية عن قرب لمساندة القوات البرية. الهجمات الانتقامية بعد سقوط منطقة في يد الثوار. وتشمل المهام العسكرية الهامة الأخرى لقوات الأسد الجوية إعادة التزويد الجوي للقوات المعزولة وإعادة الانتشار الجوي والتعزيز الجوي وإجلاء القوات (على الأقل الضباط) من المعاقل المهددة.
هذا، ويرى مراقبون أن الضربات الجوية المركزة التي وجهها النظام السوري إلى مقرات تنظيم داعش في الرقة، شمال البلاد، أبرزت متغيرًا عسكريًا مفصليًا في تجربة سلاح الجو النظامي الذي عرف في السابق باستخدام طائرات قديمة الطرازات وهليكوبترات هجومية وطائرات تدريب. فقد استخدم الطيران النظامي، لأول مرة في أغسطس (آب) 2014، طائرات تحلق على ارتفاع شاهق، رمت قنابل أصابت الأهداف بدقة، مما دفع سكان المنطقة في سوريا إلى الترجيح بأن هذه الطائرات «أميركية وليست سورية»، على ضوء الضربات الجوية الأميركية لمواقع التنظيم في العراق. غير أن نفي واشنطن ودمشق على حدّ سواء، وتأكيد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطائرات أقلعت من مطارات في البادية السورية (شرق حمص في وسط البلاد)، حسم الجدل بشأن هوية الطائرات بأنها سورية.
من جهة أخرى، لطالما استخدم النظام السوري الهليكوبترات أو الطائرات المروحية لرمي براميل متفجرة استهدف بها مناطق سيطرة المعارضة في حلب ودرعا وحماه وريف اللاذقية وداريا في ريف دمشق، كما استخدم طائرات «ميغ 21» القديمة الطراز، إضافة إلى طائرات تدريب من طراز «L36»، التي طورها النظام لتصبح قاذفة ترمي القنابل من علاقات. وحسب ضابط منشق عن الجيش النظامي فإن «النظام يمتلك طرازًا حديثًا من عائلة الميغ بينها (ميغ 29) الروسية الصنع، كما يمتلك طائرات (سوخوي) حديثة لكن تلك الطائرات كانت متوقفة في حظائرها، قبل عامين ونصف العام، بسبب افتقارها لقطع الغيار بحسب ما كانوا يقولون لنا»، من غير أن يستبعد أن تكون روسيا «وفرت قطع الغيار لتلك الطائرات، وزودتها بالقنابل الذكية، بما يتيح استخدامها من جديد».
وأضاف: «طائرات السوخوي معروفة بأنها قاذفات تصيب أهدافها بدقّة، وتحلق على ارتفاع شاهق، لذلك من غير المستبعد أن تكون روسيا أمرت بإعادة تشغيلها من جديد لمواكبة العملية العسكرية في الرقة».
وفي هذا السياق، علّق اللواء الطيار المنشق محمد الفارس لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن عدد الطائرات السورية العاملة تقلص نتيجة سقوط عدد من الطائرات جراء المعارك، مشيرًا إلى أن عدد الطائرات في الخدمة، أساسًا، «يقل عن النصف، نظرًا لأن طائرات كثيرة تحتاج إلى قطع غيار، مما ألزمها البقاء في المطارات العسكرية من غير القدرة على التحليق».
وحسب الفارس، وهو ضابط طيار منشق، إن سلاح الجو السوري، «لا يمتلك القدرة على تحقيق إصابات دقيقة، إذا ما قورن بالطائرات الغربية التي يمتلكها التحالف، لأن ترسانته الجوية، هي من الجيل القديم العائد إلى عقد السبعينات، وهي طائرات قديمة تعمل بأنظمة التوجيه البدائية» كلها طائرات روسية الصنع.
وأردف: «الروس لا يزوّدون النظام بأسلحة تتمتع بدقة عالية في تحقيق الإصابة، فالطائرات الموجودة لا تستطيع إصابة أهدافها عن بعد يتخطى العشرة كيلومترات، بينما طائرات التحالف تستطيع أن تحقق إصابات عن بعد يتخطى الـ40 كيلومترًا»، مشيرًا إلى أن الذخيرة الذكية «موجودة بكميات قليلة، وغير متوفرة لكل الطائرات، وتكلف النظام تكلفة عالية، لذلك لا يستطيع استخدامها».
ولفت الفارس إلى أن النظام «لا يحتاج أساسًا إلى أسلحة ذكية لأن هدفه القتل والتدمير وتهجير السكان وإرغام مقاتلي المعارضة على الاستسلام، لذلك يعتمد على البراميل المتفجرة التي تضرب الأهداف المدنية، وهي سلاح غبي لا يحتاج إلى دقة بالإصابة، نظرًا لأن الغاية منه هي ترهيب السكان وليس قتال قوات المعارضة المتغلغلة بكامل مساحة سوريا».
وفي هذا المجال تستخدم هليكوبترات روسية الصنع في الحرب السورية منذ بدء الاعتماد على سلاح الجو، وهي من طرازات «مي 8» و«مي 14» و«مي 25» القادرة على حمل نحو ثلاثة أطنان من الذخيرة، وتحلق على مسافات مرتفعة ورغم إخراج طائرات عن الخدمة نتيجة سيطرة قوات المعارضة على مطارات عسكرية، وإسقاط عدد من الطائرات الحربية والمروحية، ناهزت بمجملها خلال 4 سنوات، الـ40 طائرة، بحسب مصادر المعارضة، إلا أن القدرة على القصف الجوي، لا تزال فاعلة.
ووفق الفارس فإن احتفاظ سلاح الجو بقدرته على القصف، يعود إلى أنه «لا يلقى مقاومة تذكر، فمن الممكن أن تقلع طائرة من حمص لتضرب أهدافها في حلب، من غير رادع أو معترض، وهو ما مكّن النظام من الاعتماد على سلاح الجو بشكل أساسي»، مشيرًا إلى أن المضادات الأرضية التي تمتلكها المعارضة «بإمكانها أن تبعد طائرة، أو تضعها في دائرة الخطر لحظة انقضاضها لرمي حمولتها، لكنها لا تمنعها من التحليق، ذلك أن المقاتلين لا يمتلكون إلا الأسلحة الخفيفة».
وللعلم، برزت في شهر يونيو (حزيران) الماضي قدرة لدى المعارضة على إصابة الطائرات بصواريخ حرارية في درعا، فجرى تحييد هليكوبترات سلاح الجو الهجومية إلى حد كبير، وألزم الهليكوبترات على التحليق على مسافات شاهقة، قبل رمي حمولتها كما ساهمت تلك الصواريخ التي أسقطت طائرتين منذ مارس (آذار) الماضي في ريف درعا الشرقي، بتقلص عدد الطلعات الجوية نهارًا للطائرات الحربية، واعتماد النظام على القاذفات ليلاً.

* الذئاب المنفردة
يعتمد سلاح الجو النظامي السوري في حربه ضد معارضيه على استراتيجية «الذئاب المنفردة»، أي أن الغارات تنفذ تقريبا من قبل طائرة واحدة في كل مرة تقوم بقصف هدف محدد أو تغير عليه عدة مرات، وذلك بسبب صعوبة التنسيق بين أسراب الطائرات المقاتلة، ولتخفيف الإصابات في صفوفها.
ويقول جيفري وايت إن القوات الجوية السورية لجأت إلى اتباع مجموعة من التكتيكات خلال عملياتها أبرزها الطلعات الفردية المؤلفة من طائرة واحدة تحلق مرة أو أكثر فوق الهدف. والهجمات التسلسلية المؤلفة من ضربات متتالية تقوم بها طائرة واحدة. والهجمات المتكررة ضد منطقة مستهدفة خلال فترة من الزمن بطائرة واحدة أو أكثر. بالإضافة إلى هجمات دقيقة بأسلحة موجهة، ربما بطائرات من طراز «ميغ 29» و«سوخوي سو 24» كما القصف بالبراميل المتفجرة بهليكوبترات نقل وطوافات مقاتلة ضد مناطق مستهدفة.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.