سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

لا يزال قادرًا على تنفيذ 100 طلعة جوية يوميًا.. ومروحياته ترمي «سكود الفقراء»

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة
TT

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

قبل عام 2011، كان سلاح الجو السوري واحدًا من أضعف أسلحة النظام الذي يئس من قدرة حلفائه على تطوير هذا القطاع بما يكفي لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، فاختار أن يواجهه من على الأرض بواسطة أسلحة الدفاع الجوي التقليدية من صواريخ وبطاريات مدفعية ومنظومات رادار. أما اليوم، فقد بات هذا السلاح هو الأهم والأكثر فعالية لدى النظام السوري في مواجهة خصومه في الداخل، حتى بات يعرف بـ«ذراع النظام» الطويلة لقدرته على ضرب الأهداف في أي مكان في سوريا.
ويعتبر سلاح الجو السوري الأكبر بين الدول العربية لاحتوائه على نحو 900 طائرة، لكنه قد يكون الأقدم لاعتماده على طائرات معظمها قديم الصنع، فيما تواجه الطائرات الحديثة القليلة لديه مشكلة الذخيرة غير المتوافرة بكثرة والباهظة الثمن، ما يجبر النظام على استعمال الطائرات القديمة الصنع التي تضطر للهبوط إلى ارتفاعات منخفضة نسبيًا لضرب أهدافها، والهليكوبترات التي تلقي البراميل المتفجرة، وهذه البراميل تسمى بين الخبراء بـ«سكود الفقراء» لرخص ثمنها، مقارنة بالذخيرة الذكية للطائرات الحديثة.

يُعتقد اليوم أن سلاح الجو التابع للنظام السوري يحتوي على نحو 600 طائرة، أربعة أخماسها طائرات مقاتلة وقاذفة، والبقية مروحية (هليكوبترات)، بالإضافة إلى طائرات النقل. وتأتي صفقة طائرات الـ«ميغ 31» الستة التي يقال إن روسيا قد سلمتها إلى سوريا، لتزيد من قدرة النظام نوعيا، من غير أن تقدر على الزيادة الكمية. فسلاح الجو يواجه أعداء ضعفاء، بمعنى انعدام قدرتهم على إسقاط طائراته بما يكفي لردعه عن الطيران فوق مناطقهم. ويرى المراقبون أن هذه الصفقة - إن صحّت - تعد صفقة سياسية أكثر منها عسكرية، إذ إنها تأتي في وقت يتصاعد فيه الحديث عن تضاؤل الدعم الروسي وعدم التمسك الصارم ببقاء رئيس النظام بشار الأسد في السلطة.
يذكر أنه منذ اندلاع الثورة في سوريا تحول سلاح الجو إلى واحد من أعمدة بقاء نظام الأسد، وسببا رئيسا لبقاء هذا النظام ميدانيا، بسبب قدرته الواضحة على تحويل مسار المعارك في كثير من الأحيان، وهو القطاع نفسه الذي شهد خسارة 400 طائرة في مواجهة إسرائيل، منها نحو 80 طائرة في معركة واحدة حدثت فوق البقاع اللبناني مع الطيران إلإسرائيلي في عام 1982، انتهت بسقوط مائة طائرة سورية مقابل عشر طائرات إسرائيلية فقط سقطت جميعها بفضل صواريخ ومدفعية أرضية، لا بسلاح الطائرات الحربية المقابلة.
ولقد أكد تقرير نشرته مجلة «جينز» العسكرية المتخصصة العام الماضي أن قدرة الجيش السوري على ضرب عمق المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة المعارضة، وتقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية لم تتناقص على الرغم من فقدان كثير من الطائرات خلال أكثر من عامين على اندلاع الحرب. ونقلت عن مصادر عسكرية تركية أن سلاح الجو السوري قادر على تنفيذ 100 طلعة جوية مؤثرة في اليوم بما فيها طائرات الهليكوبتر والطائرات الحربية، وفي المتوسط 50 في المائة منها طلعة قتالية. فيما يتم تقسيم الطلعات الأخرى بالتساوي تقريبًا بين طائرات النقل ورحلات التدريب.
ويرى الخبير الاستراتيجي اللبناني العميد المتقاعد هشام جابر «أن طائرات الميغ 31 تعتبر فخر الصناعة الروسية الحالية، وهي ما زالت تعتبر من السلاح الاستراتيجي في القوات الجوية الروسية». ويقول جابر لـ«الشرق الوسط» إنه «تم تصميم المقاتلة ميغ - 31 وخصص استخدامها ضمن نظام الدفاع الجوي بغية اعتراض وتدمير الأهداف، فهي مقاتلة وقاذفة على حد سواء، يستطيع سلاح الجو السوري الاستفادة منها في زيادة فعالية سلاحه الجوي الذي فقد الكثير من فاعليته خلال السنوات الماضية».
ورجح جابر أن تكون قدرات سلاح الجو السوري وصلت إلى ما بين 70 و75 في المائة مما كانت عليه من قبل، بعد أن دمّرت بعض طائراته العسكرية في المطارات والبعض الآخر يحتاج إلى ورشة صيانة، موضحًا أن الجيش السوري النظامي يملك جميع الأجيال السابقة لطراز ميغ 31 وهو يستخدم حاليًا 9 مطارات عسكرية من أصل 18، وهي مجهّزة ومعدّة بشكل جيد ويستخدمها بحسب ترتيبات الوضع الأمني. وشدد على أن جيش النظام «ليس بوارد الاصطدام بالطائرات العسكرية الأميركية، ولا أميركا تنوي في أن تقوم بأي اعتداء على الطائرات السورية إذا ما أقيم حظر جوي في المنطقة الآمنة».
واعتبر جابر أن «ما تكشف عن تسليم موسكو طائرات ميغ 31 المتطورة لدمشق ينبئ باستمرار الدعم الروسي للقيادة السورية، في رسالة واضحة من روسيا لكل المعنيين بالملف السوري حول العالم». وأردف: «هو دعم يأتي بعد تزايد التكهنات مؤخرًا عن حصول تغير في الموقف الروسي، وصولاً إلى حد الحديث عن موافقة موسكو على التخلي عن حليفها الرئيس الأسد لمصالح لها مع أميركا ودول أخرى، كما يروج البعض». وأكد جابر أن« طائرات الميغ 31 مدفوع ثمنها من قبل سوريا، وأن روسيا ليست جمعية خيرية بل لها مصالح في سوريا، ومع أن روسيا ليست متمسكة بشخص بشار الأسد، إلا أنها تجد في النظام السوري ومؤسساته وجيشه حاميًا لمصالحها». وأضاف: «كل هذا يفتح أفق التساؤل والاستنتاج عن أبعاد الرسالة الروسية، وما إذا كانت تتجاوز الميدان السوري إلى الدول المنغمسة بالحرب على سوريا، مع ارتفاع وتيرة الحديث عن المنطقة العازلة، التي تسعى تركيا إلى إقامتها داخل الأراضي السورية».
من ناحية أخرى، يقول جيفري وايت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إنه «بعد أن أُنهك الجيش النظامي في حرب استنزاف، أصبحت القوات الجوية أكثر أهمية. وتشكل هذه القوات عنصرًا جوهريًّا في القوة النارية للنظام، وتمثل قدراتها إحدى أبرز نقاط عدم التكافؤ في الصراع. فالعمليات الجوية تشكل وسيلة رئيسية لاستنزاف قوات الثوار والتسبب بخسائر بين المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وليست أي منطقة في سوريا بمنأى من هجماتها». وتابع وايت أنها «قوة ذات مرونة واستجابة ولقد برهنت أنها قادرة على بذل جهد مستمر في العمليات الاستراتيجية وفي دعم العمليات الميدانية، الهجومية والدفاعية على حد سواء. وتحصل الضربات الجوية في ساحات معارك صعبة كالمدن أو الأرياف أو المناطق الجبلية أو الصحراوية. وتكون الأهداف قريبة من مناطق مأهولة أو ضمنها وغالبًا ما تكون قريبة من قوات النظام أو على اتصال بها. وعملت القوات الجوية السورية في كافة هذه البيئات، بكفاءة على الأقل، إن لم يكن بدقة».
وايت رأى أيضا أنه «بعد عامين ونصف العام من العمليات المستمرة في حرب لم يكن سلاح الجو السوري مستعدًا لها، ولكن أظهر هذا السلاح أيضًا مرونة مفاجئة، إذ فقد خمس قواعد من قواعده الجوية الخمسة والعشرين بينما يقع سبع أو ثمانٍ منها تحت الحصار أو هي هدف للهجمات الدورية». وواصل شرحه قائلا: «في بداية الحرب، كانت هذه القوات تملك أكثر من 500 طائرة حربية ثابتة الجناحين أو بجناحين متحركين تضم الأنواع التي تُستخدم بشكل أساسي في الحرب وهي طائرات (إل 39) و(ميغ 21) و(ميغ 23) و(ميغ 29) و(سوخوي سو 22) و(سوخوي سو 24)، بالإضافة إلى الهليكوبترات (مي 7 - 17) و(مي 24) لإلقاء البراميل المتفجرة والقصف. ومع أنه يصعب تعقب خسارات سلاح الجو السوري، لكن تشير تقديرات قائمة على تقارير المعارضة إلى أن أكثر من 200 طائرة مقاتلة قد تكون قد دُمرت، بالإضافة إلى عدد من أفراد الطاقم الجوي الذين قتلوا أو أسروا أو أصيبوا بجراح أو انشقوا عنها. وحتى مع أخذ المبالغة المتوقعة بعين الاعتبار، يبدو أن استنزافها كبير. وبغض النظر عن هذه الخسارات، يبدو أن القوات الجوية تجري نحو 50 طلعة جوية في اليوم استنادًا إلى تقارير محدودة من المعارضة ومصادر أخرى. ومن المرجح أن تكون روسيا وإيران قد قدمتا مساعدات حيوية للحفاظ على القوات الجوية بما في ذلك توفير قطع الغيار وعمليات تجديد وترميم وتحسين المعدات».
ووفقا لمعهد واشنطن، تنفذ القوات الجوية التابعة للنظام السوري مجموعة كبيرة من العمليات القتالية دعمًا لأهدافها عبر هجمات على مناطق مدنية، بما في ذلك المنازل والمرافق الطبية ومرافق المياه والمخابز والمحاصيل والثروة الحيوانية، يلعب فيها إلقاء البراميل المتفجرة من الهليكوبترات دورًا رئيسيًا. ودعم عمليات الحصار التي تهدف إلى تقويض المقاومة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، تلعب فيها الهليكوبترات أيضًا دورًا رئيسيًا. وضربات على أهداف عسكرية بما فيها القيادة والقوات والمعدات والخدمات اللوجيستية والمنشآت التابعة للثوار. واعتراض الحركة التكتيكية والعملياتية بما في ذلك شن هجمات على السيارات المدنية وقوافل الثوار وعمليات دعم جوي تكتيكية عن قرب لمساندة القوات البرية. الهجمات الانتقامية بعد سقوط منطقة في يد الثوار. وتشمل المهام العسكرية الهامة الأخرى لقوات الأسد الجوية إعادة التزويد الجوي للقوات المعزولة وإعادة الانتشار الجوي والتعزيز الجوي وإجلاء القوات (على الأقل الضباط) من المعاقل المهددة.
هذا، ويرى مراقبون أن الضربات الجوية المركزة التي وجهها النظام السوري إلى مقرات تنظيم داعش في الرقة، شمال البلاد، أبرزت متغيرًا عسكريًا مفصليًا في تجربة سلاح الجو النظامي الذي عرف في السابق باستخدام طائرات قديمة الطرازات وهليكوبترات هجومية وطائرات تدريب. فقد استخدم الطيران النظامي، لأول مرة في أغسطس (آب) 2014، طائرات تحلق على ارتفاع شاهق، رمت قنابل أصابت الأهداف بدقة، مما دفع سكان المنطقة في سوريا إلى الترجيح بأن هذه الطائرات «أميركية وليست سورية»، على ضوء الضربات الجوية الأميركية لمواقع التنظيم في العراق. غير أن نفي واشنطن ودمشق على حدّ سواء، وتأكيد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطائرات أقلعت من مطارات في البادية السورية (شرق حمص في وسط البلاد)، حسم الجدل بشأن هوية الطائرات بأنها سورية.
من جهة أخرى، لطالما استخدم النظام السوري الهليكوبترات أو الطائرات المروحية لرمي براميل متفجرة استهدف بها مناطق سيطرة المعارضة في حلب ودرعا وحماه وريف اللاذقية وداريا في ريف دمشق، كما استخدم طائرات «ميغ 21» القديمة الطراز، إضافة إلى طائرات تدريب من طراز «L36»، التي طورها النظام لتصبح قاذفة ترمي القنابل من علاقات. وحسب ضابط منشق عن الجيش النظامي فإن «النظام يمتلك طرازًا حديثًا من عائلة الميغ بينها (ميغ 29) الروسية الصنع، كما يمتلك طائرات (سوخوي) حديثة لكن تلك الطائرات كانت متوقفة في حظائرها، قبل عامين ونصف العام، بسبب افتقارها لقطع الغيار بحسب ما كانوا يقولون لنا»، من غير أن يستبعد أن تكون روسيا «وفرت قطع الغيار لتلك الطائرات، وزودتها بالقنابل الذكية، بما يتيح استخدامها من جديد».
وأضاف: «طائرات السوخوي معروفة بأنها قاذفات تصيب أهدافها بدقّة، وتحلق على ارتفاع شاهق، لذلك من غير المستبعد أن تكون روسيا أمرت بإعادة تشغيلها من جديد لمواكبة العملية العسكرية في الرقة».
وفي هذا السياق، علّق اللواء الطيار المنشق محمد الفارس لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن عدد الطائرات السورية العاملة تقلص نتيجة سقوط عدد من الطائرات جراء المعارك، مشيرًا إلى أن عدد الطائرات في الخدمة، أساسًا، «يقل عن النصف، نظرًا لأن طائرات كثيرة تحتاج إلى قطع غيار، مما ألزمها البقاء في المطارات العسكرية من غير القدرة على التحليق».
وحسب الفارس، وهو ضابط طيار منشق، إن سلاح الجو السوري، «لا يمتلك القدرة على تحقيق إصابات دقيقة، إذا ما قورن بالطائرات الغربية التي يمتلكها التحالف، لأن ترسانته الجوية، هي من الجيل القديم العائد إلى عقد السبعينات، وهي طائرات قديمة تعمل بأنظمة التوجيه البدائية» كلها طائرات روسية الصنع.
وأردف: «الروس لا يزوّدون النظام بأسلحة تتمتع بدقة عالية في تحقيق الإصابة، فالطائرات الموجودة لا تستطيع إصابة أهدافها عن بعد يتخطى العشرة كيلومترات، بينما طائرات التحالف تستطيع أن تحقق إصابات عن بعد يتخطى الـ40 كيلومترًا»، مشيرًا إلى أن الذخيرة الذكية «موجودة بكميات قليلة، وغير متوفرة لكل الطائرات، وتكلف النظام تكلفة عالية، لذلك لا يستطيع استخدامها».
ولفت الفارس إلى أن النظام «لا يحتاج أساسًا إلى أسلحة ذكية لأن هدفه القتل والتدمير وتهجير السكان وإرغام مقاتلي المعارضة على الاستسلام، لذلك يعتمد على البراميل المتفجرة التي تضرب الأهداف المدنية، وهي سلاح غبي لا يحتاج إلى دقة بالإصابة، نظرًا لأن الغاية منه هي ترهيب السكان وليس قتال قوات المعارضة المتغلغلة بكامل مساحة سوريا».
وفي هذا المجال تستخدم هليكوبترات روسية الصنع في الحرب السورية منذ بدء الاعتماد على سلاح الجو، وهي من طرازات «مي 8» و«مي 14» و«مي 25» القادرة على حمل نحو ثلاثة أطنان من الذخيرة، وتحلق على مسافات مرتفعة ورغم إخراج طائرات عن الخدمة نتيجة سيطرة قوات المعارضة على مطارات عسكرية، وإسقاط عدد من الطائرات الحربية والمروحية، ناهزت بمجملها خلال 4 سنوات، الـ40 طائرة، بحسب مصادر المعارضة، إلا أن القدرة على القصف الجوي، لا تزال فاعلة.
ووفق الفارس فإن احتفاظ سلاح الجو بقدرته على القصف، يعود إلى أنه «لا يلقى مقاومة تذكر، فمن الممكن أن تقلع طائرة من حمص لتضرب أهدافها في حلب، من غير رادع أو معترض، وهو ما مكّن النظام من الاعتماد على سلاح الجو بشكل أساسي»، مشيرًا إلى أن المضادات الأرضية التي تمتلكها المعارضة «بإمكانها أن تبعد طائرة، أو تضعها في دائرة الخطر لحظة انقضاضها لرمي حمولتها، لكنها لا تمنعها من التحليق، ذلك أن المقاتلين لا يمتلكون إلا الأسلحة الخفيفة».
وللعلم، برزت في شهر يونيو (حزيران) الماضي قدرة لدى المعارضة على إصابة الطائرات بصواريخ حرارية في درعا، فجرى تحييد هليكوبترات سلاح الجو الهجومية إلى حد كبير، وألزم الهليكوبترات على التحليق على مسافات شاهقة، قبل رمي حمولتها كما ساهمت تلك الصواريخ التي أسقطت طائرتين منذ مارس (آذار) الماضي في ريف درعا الشرقي، بتقلص عدد الطلعات الجوية نهارًا للطائرات الحربية، واعتماد النظام على القاذفات ليلاً.

* الذئاب المنفردة
يعتمد سلاح الجو النظامي السوري في حربه ضد معارضيه على استراتيجية «الذئاب المنفردة»، أي أن الغارات تنفذ تقريبا من قبل طائرة واحدة في كل مرة تقوم بقصف هدف محدد أو تغير عليه عدة مرات، وذلك بسبب صعوبة التنسيق بين أسراب الطائرات المقاتلة، ولتخفيف الإصابات في صفوفها.
ويقول جيفري وايت إن القوات الجوية السورية لجأت إلى اتباع مجموعة من التكتيكات خلال عملياتها أبرزها الطلعات الفردية المؤلفة من طائرة واحدة تحلق مرة أو أكثر فوق الهدف. والهجمات التسلسلية المؤلفة من ضربات متتالية تقوم بها طائرة واحدة. والهجمات المتكررة ضد منطقة مستهدفة خلال فترة من الزمن بطائرة واحدة أو أكثر. بالإضافة إلى هجمات دقيقة بأسلحة موجهة، ربما بطائرات من طراز «ميغ 29» و«سوخوي سو 24» كما القصف بالبراميل المتفجرة بهليكوبترات نقل وطوافات مقاتلة ضد مناطق مستهدفة.



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.