هناك صفقات رديئة في عالم العقار بعضها من الحجم الثقيل. ولكنها في الغالب لا تظهر إعلاميا لعدم رغبة المتورطين فيها وضحاياها في التعريف بما ارتكبوه أو وقعوا فيه. ولكنها قضايا يمكن أن تكون تحذيرا للمستثمرين لاتخاذ الحذر في إجراء صفقات العقار الدولية.
وبوجه عام توجد عدة قواعد لصفقات العقار الرديئة التي لا يجب الخوض فيها أصلا. وهي:
- العقارات التي لا تولد دخلا إيجاريا ومنها العقارات السياحية التي تظل شاغرة والأراضي غير المستغلة.
- العقارات الفاخرة ذات التكلفة العالية في وسط المدن أو على السواحل.
- تطوير المشاريع من على الخريطة: وهي عالية المخاطر وتتطلب إمكانيات مالية كبيرة.
- العقارات الأجنبية: حيث تزداد المخاطر ومنها مخاطر أسعار الصرف.
- المشاركة بالوقت: وهي استثمارات أثبتت أنها رديئة في معظم الأحوال.
التاريخ العقاري الدولي مليء بالصفقات الرديئة التي تصلح فيما بينها لكي تكون دليلا للمستثمر العقاري العربي عما يجب أن يتجنبه عند اتخاذ قرار الاستثمار العقاري داخل أو خارج الحدود. وتلك هي بعض النماذج:
* إفلاس أوليمبيا أند يورك: في الثمانينات من القرن الماضي كانت شركة «أوليمبيا أند يورك» واحدة من أكبر شركات العقار وأكثرها ثراء. وكانت استراتيجية الشركة هي تقسيم استثماراتها العقارية مناصفة بين أميركا ولندن. وفي لندن توجهت الشركة نحو أضخم مشروع عقاري أوروبي في ذلك الوقت وهو مشروع تطوير منطقة «كناري وارف» شرقي لندن. والمنطقة لمن لا يعرفها كانت الميناء البحري اللندني على العالم في القرون الماضية التي كانت فيها السفن أصغر حجما وتستطيع الإبحار داخل مصب نهر التيمز حتى مشارف لندن. ولكن مع بدايات هذا القرن تغيرت المعادلة وتضاعفت أحجام السفن واتجهت إلى موانئ بحرية مفتوحة. وبالتالي تحول ميناء «كناري وارف» إلى منطقة أشباح مهجورة لعشرات السنين حتى قررت عدة جهات، منها بلدية لندن، تحويل المنطقة إلى مركز مالي عالمي. وكانت شركة «أوليمبيا أند يورك» أكبر شريكة في المشروع الذي كان مبهرا عند مشاهدته على الخريطة. ولكن ما حدث فيما بعد لم يكن في الحسبان. من ناحية ضربت موجة كساد الاقتصاد الأميركي وتراجعت قيمة العقار كما شحت السيولة. ومن ناحية أخرى كان هذا الكساد في طريقه من أميركا إلى أوروبا. وعانت شركة «أوليمبيا أند يورك» من أزمة ائتمانية خانقة في وقت كان عليها أن تقود تمويل أكبر مشروع عقاري في أوروبا. ولذا قررت الشركة تصفية عقاراتها الأميركية والتركيز على الاستثمار في «كناري وارف». ولكن هذه الخطوة كانت قاتلة للشركة التي اعتمدت استراتيجيتها من البداية على وضع أصولها في سوقين فقط. وفي بداية التسعينات تم إعلان إفلاس شركة «أوليمبيا أند يورك» بعد ضخها ملايين الدولارات في مشروع هائل في وقت كانت أسعار العقار تتهاوى.
* ثمن المشروع حياة المستثمر: تقوم مدينة لاس فيغاس على فكرة بسيطة هي تحويل قطعة من الأرض الصحراوية إلى جنة خضراء من الملاهي والمطاعم والفنادق لكبار الزوار الذين يريدون قضاء وقت طيب بغض النظر عن التكاليف. وكان واضحا من البداية أن الفكرة رائعة وأن المستثمرين فيها سوف يحققون أرباحا خيالية. وهنا دخل مجال الاستثمار رجل المافيا الشهير باغزي سيغال الذي كان واحدا من أكبر عتاة الجريمة المنظمة واشتهر بالعنف والثروة والنفوذ. وقرر سيغال دخول مجال الاستثمار العقاري في فيغاس في الأربعينات في بدايات تحول المدينة إلى مركز السياحة والملاهي الأميركية. واقترض سيغال الملايين من زعماء المافيا الآخرين وضخ مبالغ هائلة في مشروع فندق أطلق عليه اسم «فلامينكو». ولكن أكبر غلطة ارتكبها سيغال هو اعتقاده أن بإمكانه إدارة شركة تطوير عقاري على نمط إدارته لعصابة المافيا. ولم يستطع أحد أن يناقشه في التصميم الغريب للفندق الذي يخالف بقية فنادق المدينة ولا في التكاليف الباهظة التي أصر عليها في بناء الفندق وتجهيزه وحتى افتتاحه. وتزايدت الشكوك، حتى من مموليه في المافيا، في أن المشروع لن يغطي تكاليفه. وتأكدت المخاوف عندما فشل المشروع عند افتتاحه في تغطية أقساط القروض المستحقة. ولكن النهاية في مشروع سيغال كانت مأساوية حيث قررت المافيا التخلص منه وبيع الفندق لاستعادة بعض الخسائر. والغريب أن الفندق نجح بعد ذلك وحقق أرباحا طائلة وكان نموذجا لما سوف تكون عليه لاس فيغاس فيما بعد.
* شراء أراض على القمر: في الثمانينات أيضا خرجت شركة اسمها «لونار امباسي» أو سفارة القمر لتعلن عن تخطيط مساحات للبيع على القمر بسعر بسيط لا يتعدى 37 دولارا للفدان. واستطاعت الشركة أن تخدع عدة ملايين من سكان الأرض وباعت لهم 300 مليون فدان من أراضي القمر. وهو استثمار يصلح وصفه بأنه «باع من لا يملك لمن لا يفهم». وبخلاف الشكوك التي تحيط بمثل هذه الملكية، فلا يمكن لأي مالك أن يتحقق من ممتلكاته على القمر أو حتى يصل إليها أو يحقق منها أي عوائد. وعلاوة على ذلك فهناك معاهدة دولية يعود تاريخها إلى عام 1967 حددت قواعد وقوانين التعامل مع الأجرام السماوية وهي تحظر الملكية على الدول والجهات الخاصة. وكل ما يملكه المستثمرون في القمر هي شهادات لا تساوي قيمة الورق المنصوص عليه حقوق الملكية.
* مركز روكفللر: وهي ناطحة سحاب مشهورة في نيويورك تحمل اسم العائلة الثرية التي بنتها. وباعتها العائلة إلى شركة ميتسوبيشي العقارية اليابانية بمبلغ 1.4 مليار دولار في الثمانينات، وهو ضعف ما كانت شركة يابانية أخرى مستعدة لدفعه. وبالنسبة لشركة ميتسوبيشي كانت الصفقة تعتبر مربحة لأنها تحصل بها على أشهر مبنى في نيويورك يوفر دخلا مضمونا ويمكن أن تبني عليه إمبراطورية عقارية دولية. ولكن الحقيقة هي أن عائلة روكفللر كانت تعرف أن تكاليف صيانة المبنى كانت أكثر من عائداته، كما كان المبنى يعاني أكثر من غيره في فترة الثمانينات التي سبقت الانهيار العقاري في عام 1990. وخسرت شركة ميتسوبيشي عوائد كان يمكن أن تحققها من استثمار مثل هذا المبلغ في أي مجال آخر. واضطرت الشركة إلى تقسيم الاستثمار على صناديق استثمارية لصغار المستثمرين تحت إغراء الاسم الشهير. ومرة أخرى توافد الآلاف على الاستثمار الورقي في العقار نفسه وخسر معظمهم الحصة الأكبر من استثماراته.
* وادي السيليكون: تعرف المنطقة المحيطة بمدينة سان فرانسيسكو في كاليفورنيا باسم وادي السيليكون لتجمع أكبر نسبة من شركات التكنولوجيا والإنترنت فيها. وفي قمة فقاعة «الدوت كوم» في التسعينات كانت صفقات العقار تجري في المدينة بأسعار تتزايد يوميا. وشملت الفقاعة أسعار المكاتب والمخازن والأراضي والمنازل. واقترض مستثمرون بالملايين لضخها في مجالي العقار والإنترنت في موجة كانت تشبه الجنون الجماعي في ذلك الوقت. وعندما انفجرت الفقاعة كانت النتيجة مدمرة. وبقيت العقارات مهجورة لسنوات طويلة بعد ذلك وانهارت قيمة الإيجارات وفقدت الشركات رؤوس أموالها بالجملة.
* النفايات السامة: أكثر المستثمرين خبرة يمكنه أيضا أن يتعرض لمخاطر الخسارة في مشروعات تبدو في ظاهرها جيدة. من هؤلاء الكبار كان المستثمر العقاري الشهير دونالد ترامب الذي أعلن في عام 2007 شراكته مع شركة متخصصة في رياضة الغولف لتطوير مساحة كبيرة من الأراضي قرب نيوجيرسي كانت تستخدم لأغراض تخزين النفايات السامة. وكان المشروع مكونا من ملاعب غولف خضراء ومجمعات سكنية ومكتبية متنوعة الاستخدامات. ولكن المشروع فشل فشلا ذريعا لأن الشركة التي اختارها ترامب لتنظيف الموقع أثبتت أنها لا تعرف شيئا عن مجال تخصصها وبدلا من تنظيف الموقع زادته سوءا ولم تعرف كيف تتصرف في النفايات السامة. وعندما طبقت عليها غرامات التأخير أعلنت إفلاسها. وبلغ من الدعاية السلبية التي صاحبت المشروع والمنازعات القضائية فيه أن إجمالي المستثمرين في المشروع انسحبوا لعدم رغبتهم في لعب الغولف أو السكن فوق موقع نفايات سامة. وما زالت أراضي المشروع مهجورة حتى الآن.
* فقاعة الائتمان: وهو عصر فقاعة الائتمان العقارية التي انفجرت في عام 2008 وفقد معها الملايين استثماراتهم وعقاراتهم بسبب سوق التمويل الذي انطلق بلا ضوابط في خلال تلك الفترة. فكانت القروض تقدم بكامل قيمة العقار، وأحيانا بنسبة 110 في المائة، ولم تكن البنوك تطلب أكثر من دفع أقساط الفوائد فقط، وكان الإقراض سهلا بالتواطؤ بين شركات العقار وشركات الإقراض. وتقول إحصاءات تلك الفترة بأنه في عام 2005 كان أكثر من ربع إجمالي القروض العقارية في الغرب على أساس دفع الفائدة فقط، وكانت نسبة 15 في المائة من القروض الأميركية على أساس «ادفع ما تستطيعه شهريا». وعندما انكشف الغطاء الائتماني في قطاع العقارات الرديئة، كان حجم الأزمة قد تضخم إلى أكبر من موارد البنوك وانتشر على مستوى عالمي. وفي عام 2007 بدأت عمليات الإفلاس العقاري في أميركا وبلغ عددها مليونا و300 ألف عقار في سنة واحدة. وتراجعت أسعار العقار بنحو 50 في المائة في بعض الأسواق.
* والفنانون أيضا: هناك الكثير من المشاهير الذين عرف عنهم الاستغراق في الاستثمار العقاري، وبعضهم لديه محافظ استثمارية عقارية هائلة. من هؤلاء الذين اضطروا للبيع بالخسارة كان الممثل نيكولاس كيج والكوميدي ايدي ميرفي. وركز كيج في استثماراته على العقارات السوبر فاخرة ولكنه لم يكتف بمصادر دخله الواسعة واتجه إلى الاقتراض بمعدلات عالية إلى درجة أن أقساط العقارات بلغ حجمها عدة ملايين من الدولارات شهريا. وعندما وقعت أزمة عام 2008 لم يجد كيج مفرا من طرح الكثير من عقاراته للبيع في السوق مضطرا. وبالطبع تهاوت الأسعار إلى ما بين النصف والثلثين لما دفعه كيج فيها نظرا لصعوبة العثور على عملاء في القطاع السوبر يشترون في وقت أزمة عالمية. وباع كيج قصرا يطل على البحر على شاطئ نيوبورت في كاليفورنيا وقلعة في بافاريا الألمانية وقلعة في بريطانيا وشقتين فاخرتين في نيويورك. أما ميرفي فعرض قصره الفاخر في نيوجيرسي للبيع بمبلغ 30 مليون دولار، وهو قصر يشمل ثماني غرف نوم بثماني حمامات. ولكنه اضطر لتخفيض الثمن عدة مرات حتى وصل به إلى النصف، أي 15 مليون دولار فقط، من دون أن يعثر على مشترٍ. واضطر ميرفي إلى إضافة مزرعة يملكها بمساحة مائتي فدان بالقرب من نيويورك، وخفض سعرها أيضا من تسعة ملايين إلى ستة ملايين دولار لكي ينقذ وضعه المالي من تأثير الأزمة العقارية.
وهناك الكثير من الدروس والعبر من قصص أسوأ الاستثمارات العقارية ولكن ربما أهمها هي عدم التوسع غير المحسوب بالاقتراض وضرورة حسن توقيت الدخول إلى السوق والخروج منها. هذا بالإضافة إلى تجنب الشراء على كواكب أخرى!
أسوأ الاستثمارات العقارية.. وقع فيها كبار المستثمرين أيضًا
منها البناء على نفايات سامة وشراء أراضٍ على القمر
أسوأ الاستثمارات العقارية.. وقع فيها كبار المستثمرين أيضًا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
