عمّال لبنان يعانون: «نزيف» في الرواتب وهجرة مستمرة

تدهورت قيمة العملة اللبنانية وارتفع التضخم بنسبة 168 %؜ منذ عام 2019 (أرشيفية - رويترز)
تدهورت قيمة العملة اللبنانية وارتفع التضخم بنسبة 168 %؜ منذ عام 2019 (أرشيفية - رويترز)
TT

عمّال لبنان يعانون: «نزيف» في الرواتب وهجرة مستمرة

تدهورت قيمة العملة اللبنانية وارتفع التضخم بنسبة 168 %؜ منذ عام 2019 (أرشيفية - رويترز)
تدهورت قيمة العملة اللبنانية وارتفع التضخم بنسبة 168 %؜ منذ عام 2019 (أرشيفية - رويترز)

ينهي أحمد أسعد (48 عاماً) دوامه الليلي منتظراً وصول الحافلة لتقله إلى منزله بعد قضاء أكثر من عشر ساعات في عمله - حارساً لإحدى الشركات التجارية في وسط بيروت - بعد صرفه من عمله السابق. وهو الحامل لشهادة جامعية في الهندسة المدنية. يتحدث أسعد لوكالة أنباء «العالم العربي» عن قسوة الأمر، ليس من ناحية نوعية الوظيفة الحالية، إنما عن تلك السنين الطويلة التي أمضاها في الدراسة والعمل، وكان من المفترض أن تصل به إلى استقرار مالي واجتماعي يتناسب مع قدراته المهنية وجهوده. فالأزمة الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية وصلت تبعاتها لشركته السابقة، فقررت تسريحه مع عدد من الموظفين لعدم قدرتها على دفع رواتبهم.
أزمة صرف العاملين من وظائفهم شملت مختلف القطاعات. فبحسب الأرقام الصادرة عن مصرف لبنان، انخفض عدد الموظفين العاملين في المصارف من نحو 25941 موظفاً في نهاية عام 2018. إلى 18440 موظفاً عام 2021.
ويتحدث طارق يزبك، الذي يعمل سائقاً لسيارة أجرة، عن المعاناة المشتركة مع الزبائن. فتسعيرة الراكب الواحد تحددت بين 150 و200 ألف ليرة لبنانية (ما بين 1.5 و2 دولار تقريباً)، ونتيجة اشتداد الأزمة المالية على الموطنين ازدادت المفاوضات بين الراكب والسائق لمحاولة تخفيض التكلفة. ويتساءل: «هل يقبل بائع الخبز أن يخفض من سعره، أو الطبيب من قيمة معاينته للمريض؟ لا أحد يقبل منهما، فلماذا يفرض علينا الزبائن القبول وكأننا نحقق أرباحاً عالية؟». وكانت التعرفة في شهر فبراير (شباط) الماضي 100 ألف ليرة للراكب الواحد، بينما كانت ألفي ليرة عام 2019. يعتبر يزبك أن العمال يعيشون أزمة مجتمعية، نتيجة اتساع فجوة القدرة الشرائية بين المواطنين، فهناك من يقبض رواتبه بالليرة اللبنانية، وأغلبهم من موظفي القطاع العام، والآخر يتسلمه بالدولار، ومعظم هؤلاء من العاملين في مؤسسات القطاع الخاص.

* نزيف قطاع العمال
في 27 أبريل (نيسان) الماضي، أعلن المكتب الإعلامي في وزارة المالية عن تسديد كامل رواتب القطاع العام العائدة لشهر مايو (أيار) 2023 على سعر صرف 60 ألف ليرة، الخطوة التي اعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر أنها لا تكتمل إلا بتثبيث سعر صرف الدولار. وقال الأسمر للوكالة: «كل علاج خارج هذا الإطار لن يؤدي إلى شيء، فنحن في دائرة مميتة».
ويصف الأسمر الخطوة بأنها تخدير مؤقت للعمال بالقطاعين العام والخاص، الذين قال عنهم: «ما حققوه هو بعض المكتسبات، ولكن إذا ارتفع سعر الصرف، فهم يخسرون هذه المكتسبات في لحظات». ويرى الأسمر أن الحل يكمن في التوافق السياسي كمدخل للاستقرار الاقتصادي. ويقدّر الأسمر الحد الأدنى المقبول للأجور بأربعين مليون ليرة لبنانية (نحو 416 دولاراً)، مشيراً إلى أن هذا هو الحد الذي يؤمّن العيش فقط من أساسيات وضروريات، لكنه لا يشكل القدرة الشرائية اللازمة للعيش اللائق. ويشير رئيس الاتحاد العمالي العام إلى أن عدد العمال في القطاعين العام والخاص يبلغ نحو 800 ألف. ويقول: «نعاني من واقع سيء، ومن هجرة الأدمغة والجامعيين والفنيين، ونزيف أكثر من 100 ألف جامعي غادروا لبنان خلال بضع سنوات، إضافة لمئات الأطباء والمدرسين والتقنيين».
ويتخوف الأسمر من تحول لبنان إلى بلد كهل، وإن كان يشير إلى أن هناك من يرى أن من يغادر البلاد يساهم من خلال تحويلاته المالية في دعم عائلته وإنعاش الاقتصاد، حيث تُقدر تحويلات العاملين في الخارج بنحو سبعة مليارات دولار سنوياً. وفي دول الخليج العربية وحدها هناك 450 ألف عامل لبناني. ويؤكد الأسمر على ضرورة رقابة مؤسسات الدولة على المؤسسات التجارية والمصارف وقطاع المحروقات، وهو ما وصفه بأنه رقابة مفقودة بفعل عدم وجود الأجهزة اللازمة والأعداد الكافية.
ويتابع: «في وزارة الاقتصاد تقريباً بين 70 و80 مراقباً، وفي وزارة العمل 100 مراقب. فلا قدرة للدولة على مراقبة كل شيء، إضافة إلى تحرك الدولار بشكل كارثي. فخلال 40 يوماً (بين شهري مارس (آذار) وأبريل) تحرك إلى 100 ألف ليرة، ثم بعد أسبوعين تراجع إلى 50 ألف ليرة. هناك غرف سوداء تتحكم بمصير الناس، ولا قدرة للدولة على ضبطها».

* ارتفاع نسب الفقر
تشير الدكتورة علا بطرس، المشرفة العامة على خطة لبنان للاستجابة للأزمة، إلى عام 2019 وتقول إنه كشف عن أزمة اقتصادية عميقة، بحيث تدنى مستوى النمو إلى ما دون الصفر. رافق ذلك تدهور قيمة العملة اللبنانية وارتفاع التضخم بنسبة 168 في المائة؜، لترتفع البطالة عند الشباب بنسبة 48 في المائة؜ حالياً، بالإضافة إلى أزمات مالية وصحية ناجمة عن جائحة كورونا، ليتفاقم الوضع أكثر مع انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
وتقول علا بطرس: «كل هذه الأزمات أدت إلى ارتفاع نسب الفقر عند اللبنانيين بشكل سريع، حيث بلغ الفقر النقدي 55 في المائة؜ حسب البنك الدولي، إضافة إلى فقر آخر طال مناحي حياتهم ورفاهيتهم وهو الصحة والتربية والخدمات، ونعني به الفقر المتعدد الأبعاد الذي بلغ 82 في المائة». وتضيف: «يُقدر عدد اللبنانيين غير القادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية بمليونين و100 ألف شخص».
وخطة لبنان للاستجابة للأزمة هي شراكة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي المانح والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية.
وتشير علا بطرس إلى وجود برامج تُعنى بتقديم المساعدات النقدية للبنانيين، وتحديداً مشروع الأسر الأكثر فقراً، الذي يغطي 75 ألف عائلة لبنانية، وهو يأتي كمنح من الجهات الدولية المانحة ضمن خطة لبنان للاستجابة للأزمة.
وهناك قرض حصلت عليه الحكومة من البنك الدولي يُعرف ببرنامج «أمان»، ومتوقع أن يغطي 157 ألف عائلة و87 ألف تلميذ في المدارس الرسمية، بالإضافة إلى شراكات أخرى كالمنح النقدية لذوي الاحتياجات الخاصة وبعض الشراكات بين الجهات الوزارية والمنظمات غير الحكومية.
وتلفت علا بطرس إلى بنية الاقتصاد اللبناني، الذي يستند على الخدمات وليس على الإنتاج بعدما تحوَل إلى مجتمع استهلاكي نتيجة السياسة النقدية التي اتُبعت بعد عام 1990. وتقول: «كان اللبناني يحصل على قروض ميسرة ويضع أمواله في المصارف بفوائد عالية، وهذا ما أدى إلى خروج العملات الصعبة على الاستيراد، خاصة بعد أزمة النزوح السوري في عام 2011 ووجود عدد كبير من اللاجئين والنازحين بما فاق المليونين». وتُسلّط علا بطرس الضوء على أهمية الاستثمار في المجال الزراعي، لا سيما الصناعات الغذائية، وعلى ضرورة الاعتماد على الطاقة المتجددة لاستمرار الخدمات والإنتاج، مؤكدةً أن ما يحتاجه لبنان هو تنمية قطاعاته الإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص، واستثمارات عربية كونه يملك موارد طبيعية، لا سيما المياه والأراضي الزراعية ذات الجودة.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.