في عالم نداء منظور: الفنون القتالية وجين أوستن في فيلم واحد

«مجتمع مهذب» تميز بفخامة موسيقاه وأغانيه العديدة

المخرجة نداء منظور (يسار) مع المصورة آشلي كونور والممثلة برايا كنسارا أثناء تصوير «مجتمع مهذب» (أ.ب)
المخرجة نداء منظور (يسار) مع المصورة آشلي كونور والممثلة برايا كنسارا أثناء تصوير «مجتمع مهذب» (أ.ب)
TT

في عالم نداء منظور: الفنون القتالية وجين أوستن في فيلم واحد

المخرجة نداء منظور (يسار) مع المصورة آشلي كونور والممثلة برايا كنسارا أثناء تصوير «مجتمع مهذب» (أ.ب)
المخرجة نداء منظور (يسار) مع المصورة آشلي كونور والممثلة برايا كنسارا أثناء تصوير «مجتمع مهذب» (أ.ب)

«مجتمع مهذب» هو عمل يتناول الجريمة مليء بمعارك فنون الدفاع عن النفس والمخابئ السرية. الفيلم يتناول قصة حب بين شخصين ذكيين وجذابين بشكل لافت. هي كوميديا زواج قريبة الشبه بروايات جين أوستن، حيث تتدخل فيها فتاة مراهقة في الحياة العاطفية لشقيقتها الكبرى، فيما ينظر والداهما إلى ما يجري في فزع.
يتميز الفيلم بفخامة موسيقاه وأغانيه العديدة التي تخللت أحداثه؛ فهذا الفيلم البريطاني الجديد لا ينقصه تناسق الأسلوب، نظراً لأن صياغته تتناسب مع سياق أحداثه.
أوضحت الكاتبة والمخرجة نداء منظور في محادثة فيديو من بريستول بإنجلترا قائلة إن «الأمر يتعلق بالنساء اللائي يتعاملن مع الأعراف والآمال والقواعد، ويرغبن في دفعها للأمام. عندما يكسرونها، يجب علي أيضاً كسرها. هذا ليس لأنني مجنونة. ربما فقط بعض منى مجنون»، قالتها ضاحكة.

مشهد من فيلم «مجتمع مهذب» (أي إم دي بي)

وصفت إيمي نيكلسون تقييمها لفيلم «مجتمع مهذب» في مقالها عن الفيلم الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» بأنها فرحة بوصول نداء منظور باعتبارها شيئاً جديداً مبشراً: «مخرجة لأول مرة تواقة لتنمية التمثيل الثقافي وتحويله خلال السنوات القليلة الماضية من فيتامينات توعوية إلى حلوى تسعد الجماهير».
بحسب أحداث الفيلم، تواظب ريا، الفتاة الأصغر لعائلة بريطانية ذات أصول باكستانية، على حضور المدرسة، فيما تتدرب جدياً لتصبح امرأة مغامرة.
وهكذا كان على الممثلة التي تلعب دورها، بريا كانسارا، أن تتعامل مع البرنامج بسرعة. ففي محادثة فيديو، قالت كانسارا: «ليست لدي خبرة سابقة في فنون الدفاع عن النفس أو أي شيء من هذا القبيل. لقد تلقيت تدريباً لمدة 6 أو 7 أسابيع قبل أن نبدأ التصوير، لذلك كان هذا هو الوقت الذي اضطررت فيه إلى تعلم أكبر عدد ممكن من الحركات المثيرة وتصميم الرقصات القتالية. كان الأمر يبعث على التوتر، نظراً لأنه كان هناك كثير من الأشياء التي يجب تجاوزها. وريا مجرد طفلة مجنونة. هي لا تهدأ حقاً».
تتحرك الحبكة الدرامية في مقطع سريع غني بالحركة والكوميديا الصارخة. عندما تضطر ريا، التي لا تجد الوقت للاهتمام بشؤونها كفتاة، إلى الخضوع لجلسة تجميل «لكن برفقة هذا النوع من شخصية العمة الشريرة»، بحسب منظور.
غالباً ما كان الفيلم في سرده شافياً في الطريقة التي يتيح بها للفتيات والنساء القيام بأشياء كثيراً ما رأينا الرجال يقومون بها على الشاشة منذ عقود، والمقصود هنا طريقة التعبير عن الفرحة الجماعية. على سبيل المثال، عندما تخرج ريا وشقيقتها، لينا (ريتو آريا) المتسربة من مدرسة الفنون، لتناول البرغر، تراهن جميعاً يذهبن بحماسة ظاهرة.

مشهد من فيلم «مجتمع مهذب» (أي إم دي بي)

قالت كانسارا: «نداء جاءت إلينا، ولسان حالها يقول: كل كما لو أنك لم تأكل منذ ساعات طويلة ولا تقوى على الانتظار. تلقينا أنا وريتو التعليمات حرفياً، والتهمنا الشطائر بنهم. بعد ذلك، عادت نداء إلينا، وكان لسان حالها يقول: حسنا، ربما ليس إلى هذا الحد».
بالنسبة لأريا (المعروفة باسم ليلا بيتس في الحلقات المذاعة على «نتفليكس»)، كان تشجيعها على القضم بصوت عالٍ تغييراً منعشاً عما تراه عادة في الأفلام أو على التلفزيون. وفي محادثة مشتركة مع كانسارا، قالت: «أحب مشاهدة الناس يأكلون، لكنهم غالباً ما يتظاهرون بتناول الطعام على الشاشة بسبب كمية الطعام التي يتعين عليهم تناولها. وهذا هو السبب في أن الأمر يبدو مقنعاً عندما ترى الناس يأكلون بالفعل. أنا أحب هذا المشهد لهذا السبب».
كانت آريا على دراية بحساسية منظور، لأنهما عملا معاً من قبل، وعلى الأخص في العمل الكوميدي الذي استغرق 14 دقيقة، بعنوان «ليدي بارتس»، الذي أنتجته منظور لصالح «قناة 4» عام 2018، والذي لعبت فيه آريا دور المغنية الرئيسية لـ«فرقة بانك»، وهي فرقة رباعية صاخبة من النساء المسلمات.
بدأت منظور في كتابة «مجتمع مهذب» منذ نحو 10 سنوات، لكنها استمرت في مواجهة العقبات أثناء محاولتها إطلاق المشروع. في مرحلة مبكرة جداً، قبل أن تصبح مثل هذه الاقتراحات أقل قبولاً، كان الممولون المحتملون يسألون عما إذا كان بإمكانها جعل الأسرة الرئيسية في الفيلم بيضاء. كان الآخرون يفضلون شيئاً أقل قليلاً من الحركة والمزيد من الفن.

في وقت لاحق، بات التركيز على الكوميديا يمثل مشكلة: ألم يكن هناك بعض القضايا المهمة مثل الزواج المرتَّب؟
منظور لم تتزحزح. قالت: «كان الأمر أشبه بفيلم بهيج عن النساء المسلمات في جنوب آسيا. يعود السبب في أنني مخرجة إلى أنني لا أريد أن تتناول قصصنا الصدمة فقط».
إن إعطاء فيلم «المجتمع المهذب» ثقلاً عاطفياً هو ما جمع بين ريا ولينا، وهو مستوحى من العلاقة بين منظور وأختها سانيا، التي تكبرها بعام واحد. بعد التعاون مع آريا في «ليدي بارتس»، شعرت منظور بأنها كانت مناسبة بشكل طبيعي لدور لينا. قالت منظور: «تتمتع بصفات أختي الكبرى، هذا النوع الطبيعي المتأصل لفتاة سمراء، وهو أمر نادر جداً بين الممثلين، أقصد هذا النوع الزئبقي والمتوحش والضعيف في نفس الوقت».
حتى المشاجرة العنيفة بين ريا ولينا، في موقف متدنٍّ من علاقتهما، كانت مستوحاة من الحياة الواقعية. قالت منظور عن سانيا: «كنت أقاتل معها. اعتدنا ممارسة فنون الدفاع عن النفس معاً؛ فأنا ما زلت أتذكر عندما كنا في فصل فنون الدفاع عن النفس، وكان مدربنا يريد منا دائماً القتال عندما كنا نتنافس». ضحكت: «كنت مرتعبة».
عندما سُئِلت عن سبب حرصها الشديد على وضع امرأة نشيطة وقوية في قلب أحداث فيلمها، عادت منظور إلى ماضيها مرة أخرى قائلة: «كنت أحب الرياضة وممارسة فنون الدفاع عن النفس والرقص. ثم في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة يتغير جسمك وتصبح موضوعياً. شعرت بالاغتراب عن جسدي، وخجلتُ منه. أدركت أنني منجذبة إلى ذلك النوع الذي تفضل أن تمتلك المرأة جسدها، مثلاً بأن تعزف على آلة موسيقية، أو توجد على خشبة المسرح. كان هذا شيئاً فقدته عندما كنت مراهقة، أقصد السمات الجسدية». استطردت قائلة: «في فني، أحاول دائماً إظهار أن النساء يمتلكن ذلك أو استعدنه أو وجدنه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)

استقرت الحالة الصحية للفنان المصري هاني شاكر، بعد فترة من إقامته في الرعاية المركزة عقب الأزمة الصحية التي تعرض لها، وأعلن نقيب المهن الموسيقية، مصطفى كامل، عن تحسن الحالة الصحية لهاني شاكر، وقال في بيان للنقابة، الأربعاء، إنه يتابع حالة الفنان الكبير باستمرار عبر التواصل مع أسرته.

وأكد البيان الذي أصدره نقيب الموسيقيين أن «هاني شاكر غادر غرفة العناية المركزة في المستشفى الذي يخضع للعلاج فيه بفرنسا، وبدأ مرحلة العلاج الطبيعي، وهو ما عرفه من اتصال مع زوجته السيدة نهلة توفيق».

وعدّ البيان هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً على تعافي شاكر من أزمته الصحية، وعبّر نقيب الموسيقيين عن تمنياته بعودته سريعاً إلى مصر واستئناف نشاطه الفني بين جمهوره ومحبيه.

وأكد كامل أن الوسط الفني يترقب عودة هاني شاكر، داعياً له بالشفاء التام والرجوع سالماً إلى أرض الوطن في أقرب وقت.

وعانى هاني شاكر من أزمة صحية عقب عملية جراحية أجراها لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وزاره في المستشفى الذي عولج فيه بالقاهرة وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، حيث حرص على الاطمئنان عليه وعلى الرعاية المقدمة له، متمنياً له الشفاء العاجل، وتعرّض لمضاعفات بعد العملية وتردد أن حالته ساءت وتعرض لغيبوبة وحظي بدعم كبير من الفنانين ومحبيه من الجمهور، ونفت الفنانة نادية مصطفى، عضوة مجلس نقابة المهن الموسيقية، ما تردد عن سوء حالة هاني شاكر وسقوطه في غيبوبة، وبعد أيام سافر إلى فرنسا لاستكمال العلاج.

هاني شاكر يتعافى من أزمته الصحية (صفحته على «فيسبوك»)

وينتمي هاني شاكر (74 عاماً) إلى جيل غنائي عاصر عبد الحليم حافظ وغنى معه في الكورال، وكذلك محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وشارك في فيلم «سيد درويش» من بطولة كرم مطاوع عام 1966 حيث جسد دور سيد درويش وهو طفل، واكتشفه الموسيقار محمد الموجي وقدم له أولى أغانيه.

ويتابع مجلس نقابة المهن الموسيقية برئاسة الفنان مصطفى كامل الحالة الصحية للفنان هاني شاكر، بوصفه أحد أهم رموز الغناء في مصر والعالم العربي، والذي يحظى بمحبة وتقدير كبيرين من جمهوره وزملائه.

وعرف هاني شاكر بلقب «أمير الغناء العربي»، وقدم العديد من الأغاني والألبومات التي شكلت جزءاً من وجدان جيل الثمانينات والتسعينات في مصر والوطن العربي، ومن أعماله الشهيرة «علّي الضحكاية» و«حكاية كل عاشق» و«كده برضه يا قمر» و«الحلم الجميل» و«جرحي أنا».


إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تبدو الحرب عند مفترق لا يُشبه وقفاً للنار بقدر ما يُشبه اختباراً متبادلاً للإرادات. فالولايات المتحدة أرسلت إلى إيران مقترحاً من 15 نقطة عبر باكستان، مع تداول أسماء تركيا ومصر أيضاً وسطاء أو ممرات رسائل، فيما يواصل الرئيس دونالد ترمب الحديث عن «محادثات بناءة»، وعن أنه يتعامل مع «الأشخاص المناسبين» في طهران.

وتنفي إيران علناً وجود مفاوضات، وتسخر من الخطاب الأميركي، في حين تواصل إسرائيل ضرباتها وتراقب بحذر احتمال أن يفضي هذا الحراك إلى تسوية لا تُحقق أهدافها بالكامل. وفي الخلفية، تتحرك قوات أميركية إضافية إلى المنطقة، بما فيها عناصر من «الفرقة 82» المحمولة جواً، بما يوحي بأن الدبلوماسية الجارية ليست بديلاً عن التصعيد، بل جزء منه.

مخرج أم مصالحة؟

وحسب ما رشح من تفاصيل في الصحافة الأميركية، لا تبدو خطة واشنطن «تسويةً وسطًا» بقدر ما تبدو محاولة لفرض شروط ما بعد الحرب بصيغة تفاوضية. فالمقترح، وفق التقارير، يتضمن إخراج مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، وكبح برنامج الصواريخ الباليستية، وتقليص دعم الحلفاء الإقليميين. كما تتحدث مصادر أميركية عن قبول إيراني ببعض هذه النقاط، من دون وجود دليل علني يثبت أن جهة إيرانية صاحبةَ قرار قد قدّمت مثل هذا التعهد.

كما أن «أكسيوس» نقلت أن الإسرائيليين أُبلغوا بأن إيران قد تكون وافقت على التخلي عن مخزون يناهز 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقبول رقابة أممية مشددة، لكن حتى هذا بقي موضع شك داخل إسرائيل نفسها.

هنا تظهر المعضلة الحقيقية: واشنطن لا تعرض مصالحة مع النظام الإيراني، بل «مخرج مشروط» يُحقق لها 3 أهداف دفعة واحدة: خفض تكلفة الحرب على الأسواق، ومنع تحول إغلاق مضيق هرمز إلى فيتو إيراني دائم على التجارة والطاقة، وتثبيت المكاسب العسكرية في ملفي النووي والصواريخ. ولهذا بدا توصيف «نيويورك تايمز» دالاً حين ربط اندفاعة الإدارة نحو الخطة برغبتها في إيجاد مخرج من حرب هزت الاقتصاد العالمي.

أما «وول ستريت جورنال» فذهبت أبعد، فرأت في هذا المشهد «ضبابية دبلوماسية» مقصودة؛ حيث يمد ترمب يده للتفاوض فيما يهيئ اليد الأخرى للضرب.

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)

شروط إيرانية لشراء الوقت

في المقابل، لا توحي الرسائل الإيرانية بأن طهران مستعدة لتوقيع استسلام سياسي. فـ«رويترز» تحدثت عن تشدد إيراني يشمل المطالبة بضمانات ضد هجمات مستقبلية، ورفض فرض قيود على البرنامج الصاروخي، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مطالب تشمل تعويضات، ورفع العقوبات، وإخراج القوات الأميركية من الخليج، وربط المرور في «هرمز» بترتيبات تتحكم بها إيران.

ونقلت تقارير أميركية أن مسؤولين أميركيين وعرباً وصفوا بعض هذه المطالب بأنها غير واقعية ومفرطة، فيما وصفها مسؤول أميركي بأنها «سخيفة» أو أقرب إلى شروط تعجيزية.

لكن هذه الشروط، مهما بدت قصوى، لا تعني بالضرورة أن إيران أغلقت الباب نهائياً. فهي قد تكون جزءاً من محاولة لرفع سقف التفاوض، أو لتأكيد أن أي حديث عن وقف الحرب يجب أن يبدأ من وقف الضربات والتعويض وطمأنة النظام أنه لن يُستدرج إلى مفاوضات تحت النار ثم يُفاجأ بضربة جديدة.

«أكسيوس» نقلت بوضوح أن مسؤولين إيرانيين يشتبهون في أن ترمب يحاول تهدئة الأسواق وكسب الوقت لخططه العسكرية، عبر الحديث عن تقدم دبلوماسي غير موجود فعلياً، وهو ما يفسر الإصرار الإيراني العلني على النفي، حتى مع الإقرار بتبادل الرسائل عبر وسطاء.

المشكلة الأعمق أن أحداً لا يبدو واثقاً بمن يملك قرار التوقيع داخل طهران. «أكسيوس» و«رويترز» أشارتا إلى فوضى داخلية وصعوبة في الاتصالات داخل النظام، مع غموض يحيط بمدى قدرة أي وسيط، بمن في ذلك رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على الالتزام باسم مراكز القوة كافة، ولا سيما «الحرس الثوري». وهذا يعني أن جزءاً من الحراك الحالي ليس تفاوضاً على البنود فقط، بل اختبار لمعرفة من بقي قادراً على اتخاذ القرار في إيران بعد أسابيع من الاستنزاف.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

الحذر الإسرائيلي

التحفظ الإسرائيلي ليس على الخطة من حيث المبدأ، بل على احتمال أن يحولها ترمب إلى مخرج سياسي سريع يوقف الحرب قبل استكمال الأهداف الإسرائيلية. فـ«أكسيوس» نقلت عن مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخشى أن يبرم ترمب اتفاقاً يقل كثيراً عن الأهداف الإسرائيلية، ويُقيد حرية إسرائيل في مواصلة الضربات مستقبلاً. كما أن مسؤولين إسرائيليين شككوا أصلاً في أن تكون إيران قدمت فعلاً التنازلات التي تقول واشنطن إنها تلقتها. ووفق «رويترز»، تريد إسرائيل أن يحتفظ أي اتفاق بحقها في شن ضربات استباقية لاحقاً.

هذا التوجس مفهوم لأن الفجوة بين أولويات الطرفين اتسعت. إسرائيل تريد تغييراً استراتيجياً عميقاً، يضمن ألا تستعيد إيران قدرتها على التهديد، في حين يبدو ترمب معنياً أكثر بتثبيت مكاسب الحرب، ومنع انفجار اقتصادي عالمي ينعكس عليه داخلياً، خصوصاً بعد تقلبات النفط والأسواق؛ لذلك فإن ما تراه إسرائيل «تنازلاً خطيراً» قد يراه البيت الأبيض «صفقة عملية» إذا حققت وقف التخصيب مؤقتاً، وفتحت «هرمز»، وخففت الضغط على الأسواق، حتى لو رُحّل جزء من الملفات إلى تفاوض لاحق.

جنود من «الفرقة 82» المحمولة جواً في نورث كارولاينا فبراير 2022 (نيويورك تايمز)

دبلوماسية بغطاء عسكري

إذا كان هناك ما ينسف فكرة أن المنطقة تتجه سريعاً إلى التهدئة، فهو التحشيد العسكري الأميركي المتزامن مع الرسائل السياسية. فالتقارير تتحدث عن توجيه عناصر قيادة من «الفرقة 82» المحمولة جوّاً و«لواء مشاة» من عدة آلاف إلى الشرق الأوسط، بما يوسع هامش الخيارات للعمليات البرية المحتملة، إضافة إلى وحدات من مشاة البحرية في الطريق. ووصفت «وول ستريت جورنال» هذا الأسلوب بأنه «دبلوماسية على طريقة ترمب»: تفاوض تحت النار، مع اقتراب 2200 من مشاة البحرية ثم احتمال لحاق قوة إضافية من المارينز وعناصر من «قيادة 82» المحمولة جواً.

المعنى السياسي واضح: واشنطن تريد أن تقول لطهران إن باب التفاوض مفتوح، لكنه ليس بديلاً عن الاستعداد لمرحلة أشد. وهذا ينسجم أيضاً مع تفضيل الإدارة، وفق «أكسيوس»، التفاوض من دون وقف مؤقت للنار، حفاظاً على الرافعة العسكرية. أي أن الخطة الأميركية ليست عرض سلام كلاسيكياً، بل جزء من معادلة ضغط: وافقوا الآن فيما ما زالت الضربات جارية، وإلا فثمة تصعيد أكبر، ربما يشمل ضرب البنى المدنية للطاقة أو عمليات أكثر تعقيداً في الميدان.

في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب سلام وشيك، و«الضبابية الدبلوماسية» ليست وصفاً عابراً، بل جوهر اللحظة نفسها.


هل يكون لبنان الخاسر الكبير بعد وقف النار؟

الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
TT

هل يكون لبنان الخاسر الكبير بعد وقف النار؟

الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

أعربت مصادر سياسية مطلعة في بيروت عن تخوفها من أن يكون لبنان هو الخاسر الكبير حين تنطفئ نار الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة. ولخصت المصادر لـ«الشرق الأوسط» مخاوفها في النقاط الآتية:

واضح أن لبنان يتجه في الوضع الحاضر نحو أزمة مكونات لم يشهد مثيلاً لحدتها في تاريخه الحديث. وتدور الأزمة الحالية حول سلاح «حزب الله» الذي تتمسك الغالبية الشيعية ببقائه، في حين ترى غالبية المكونات الأخرى أن السبيل الوحيد لبقاء لبنان هو تنفيذ قرارات سابقة لمجلس الوزراء بـ«حصر السلاح» تجاوباً مع رغبة الأكثرية اللبنانية والإرادتين العربية والدولية. وتلاحظ غالبية المكونات أن «حزب الله» بادرَ مرة أخرى إلى الانخراط في حرب إقليمية تفوق قدرته على التأثير في مسارها وتنذر بتحميل لبنان أعباء لا قدرة له على احتمالها.

دخان متصاعد من صاروخ إسرائيلي أصاب بلدة زوطر الشرقية في منطقة مرجعيون جنوب لبنان الأربعاء (أ.ف.ب)

تكاليف باهظة

تمتاز الحرب الحالية في المنطقة بأنها حرب مرتفعة التكاليف والخسائر بالنسبة إلى المنخرطين فيها، وكذلك بالنسبة إلى المتضررين من تطاير شظاياها إلى خرائط كانت قد اختارت البقاء بعيدة عن الحرب ومجرياتها.

سيُظهر وقف النار لدى حصوله أن إيران أُصيبت في مؤسساتها الدفاعية والصناعية وبنيتها التحتية بخسائر تفوق كل ما عرفته سابقاً. وقد يكتشف الإيرانيون أن الحرب أعادتهم عقوداً إلى الوراء. لكنَّ إيران بلد كبير ويمتلك إمكانات نفطية وغازية وصاحب تجربة في التعامل مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وهذا يعني أن إيران قد تكون قادرة على التعامل مع ذيول الحرب ما لم يتصدع النظام تحت وطأة أرقام الخسائر الفادحة.

ستظهر مشاهد ما بعد الحرب أن الصواريخ الإيرانية ألحقت دماراً غير قليل بعدد من المؤسسات الإسرائيلية، وكذلك بالبنية التحتية رغم تمكن دفاعاتها الجوية من اعتراض نسبة عالية من الصواريخ التي استهدفتها. لكن فاتورة اعتراض الصواريخ شديدة الارتفاع اقتصادياً. ومع ذلك تبدو إسرائيل مستعدة لتقبل الخسائر فيما عدّتها «حرباً وجودية». تضاف إلى ذلك طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الأميركية السخية.

مخيم في وسط بيروت للنازحين من المناطق الجنوبية هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

سيكون من الصعب على لبنان التغلب على آثار الحرب. فاقتصاده يعاني أصلاً من حالة تشبه الانهيار. ولا مبالغة في القول إن لبنان سيواجه وضعاً كارثياً. مليون نازح ودمار واسع في المنطقة الحدودية مع إسرائيل التي أعلنت بوضوح عزمها على إقامة «منطقة آمنة» داخل الأراضي اللبنانية، مما يعني عودة الاحتلال إلى أجزاء من لبنان «بانتظار ضمان سلامة سكان الجليل»، كما أعلن المسؤولون الإسرائيليون. وأخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان هو أن تستمر الحرب الإسرائيلية على جبهته حتى ولو حدث وقف للنار على جبهة أميركا وإسرائيل مع إيران.

يضاعف من صعوبة مواجهة آثار الحرب أن الشرخ الذي تعمَّق بعد اندلاعها بين المكونات اللبنانية يُنذر بانتقال الصراع إلى الداخل اللبناني، في وقت يبدو فيه أن الدور الذي كان يلعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، مجمَّد أو معطَّل، أو أن اتساع النزاع أدى بطبيعته إلى تقليص هذا الدور. وأشارت المصادر إلى أن «أزمة السفير الإيراني» الحالية هي مجرد تعبير عن الخلاف العميق بين المكون الشيعي والمكونات الأخرى حول السلاح والحرب وموقع لبنان الإقليمي.

رجل يعبر شارعاً مدمَّراً بعد قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت الأربعاء (أ.ف.ب)

«استحالة التعايش»

لاحظت المصادر ارتفاع أصوات في الداخل اللبناني تتحدث عن «استحالة التعايش» مجدداً بين «شبه دولة» و«دويلة حزب الله». وأشارت إلى أن الدول التي كانت تبادر بعد أي محنة لبنانية إلى دعم جهود الإعمار، وتحديداً الدول الخليجية، ستكون معنية بالدرجة الأولى بمعالجة الخسائر التي لحقت بها من جراء الاستهداف الإيراني. يضاف إلى ذلك أن هذه الدول كانت قد أعربت في الفترة الماضية عن عدم استعدادها للانخراط في مساعدة لبنان ما لم تقم فيه دولة تحتكر فعلاً قرار الحرب والسلم.

وكررت المصادر الإعراب عن تخوفها من أن يكون لبنان الخاسر الكبير، خصوصاً إذا وسَّعت إسرائيل هجومها البري وتفاقم التباعد بين المكونات اللبنانية وبلغ حد التفكير في إعادة النظر بصيغة التعايش نفسها.