قطاع الصحة في ليبيا... «تركة ثقيلة» يتحملها المرضى

العوكلي: لا بديل عن نظام تمويلي جديد يشارك فيه المواطن والحكومة

أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
TT

قطاع الصحة في ليبيا... «تركة ثقيلة» يتحملها المرضى

أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)

بين حين وآخر تتصدر المشهد الليبي، صور المرضى الباحثين عن علاج دون جدوى، في وقائع تعكس تحديات جمة تواجه القطاع الصحي في البلد المثقل بآثار الاقتتال الأهلي طيلة السنوات الماضية.
وإلى جانب أسباب الانقسام السياسي، ووجود حكومتين للفرقاء في الغرب والشرق، تعزو دراسات متخصصة تراجُع قدرات المنظومة الصحية الليبية إلى النهج الذي أدار القطاع قبل «الثورة»، التي أطاحت بالرئيس السابق، معمر القذافي، عام 2011.
بيد أن وزير الصحة السابق، رضا العوكلي، يعد تجدد أزمة المرضى الباحثين عن علاج «مأساة كل يوم». ويضيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مرضى الأورام، مثل مرضى القلب... وغيرهم، لا يجدون طريقة سهلة للوصول إلى العلاج المطلوب، منتقداً ما يعده «اختلالاً في ترتيب الأولويات». ويؤكد الوزير السابق أن المستشفيات الحكومية تفتقر إلى المستلزمات الأساسية اللازمة لتقديم الخدمة الطبية؛ مثل أدوية الأورام، ومستلزمات إجراء جراحات القلب، «حيث لا تتوافر بسهولة». وبينما يتحدث عن إنشاء عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، مكتباً لتوطين العلاج بالداخل يتبع رئاسة الحكومة مباشرة، محاوَلة للتغلب على تحديات القطاع الصحي، فإنه يوضح أن عمل المكتب لا يشمل عموم الأراضي الليبية، مشيراً إلى الانقسام السياسي، ووجود حكومتين.
ويدعو العوكلي إلى إرساء نظام تمويلي جديد للرعاية الصحية في البلاد، ويؤكد أن ليبيا تنفق على الصحة، نحو 500 إلى 600 دولار على كل مواطن ليبي سنوياً، وهو ما يعده «رقماً هزيلاً». ويضيف أن الإنفاق العام على الصحة بلغ 12 مليار دينار العام الماضي، مضيفاً أنه مهما بلغ حجم الإنفاق فلن يؤدي إلى نتائج ملموسة من دون إدراك الأسباب الأساسية للأزمة.
ويتابع وزير الصحة السابق: «على المسؤولين التعامل مع ملف الصحة من هذا الجانب، وعلى الدولة أن تعي أن طريقة التمويل القائمة خاطئة، ومهما فعلنا، أو غيّرنا وزراء، ومهما ضُخّت أموال بكميات كبيرة، فلن يتغير شيء لكن إذا أعدنا النظر في طرق تمويل القطاع عن طريق التأمين الصحي فسننجح بإذن الله».
وفي عهد القذافي، كان لدى ليبيا الإمكانات لاجتذاب المهنيين الأجانب في قطاع الصحة، وشراء الأدوية المنقذة للحياة، وإرسال الأشخاص إلى الخارج للعلاج، ولكن هذا النهج «قلّل من القدرة المؤسسية للنظام الصحي الليبي». وقد ظهرت الآثار السلبية عندما غادر الكثير من موظفي قطاع الصحة الأجانب ليبيا بعد الثورة والأزمة الاقتصادية، كما أدى الصراع السياسي والأزمة الاقتصادية إلى خفض جودة الخدمات الصحية وإمكانية الوصول إلى الرعاية»، وفق دراسة صادرة عن مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية (سيسرك)، حول إصلاح النظام الصحي في ليبيا، من إعداد يوسف شيليك، وعادل التاجوري يونيو (حزيران) 2021 (نسخة رقمية).
ويعتقد وزير الصحة السابق أنه بالإمكان النهوض بالقطاع الصحي في ليبيا «خلال أشهر قليلة أو سنة على الأكثر» إذا تغيرت طريقة التمويل، من خلال استقطاع ما يعادل 10 أو 15 في المائة من الراتب الشهري لكل مواطن لصالح حساب حكومي للإنفاق على الصحة، مستكملاً: «على أن تدفع الحكومة نسبة محددة لهذا الحساب، حتى يصبح لدى كل مواطن بوليصة تأمين، مع مساعدة الحكومة لذوي الدخل المحدود في شراء هذه البوليصة من شركات التأمين العاملة في القطاع الطبي، بما يضمن تقديم كافة الخدمات الطبية لجميع المرضى». ولا يرى العوكلي أي عائق يحول دون التوجه نحو هذا النمط التمويلي في ظل الانقسام السياسي الحالي.
وبينما يتحدث الوزير السابق عن أمراض القلب بوصفها السبب الرئيسي للوفيات في ليبيا، يؤكد أن جهازاً متطوراً للقسطرة القلبية والجراحة، جرى استيراده منذ أربع سنوات من إحدى الشركات الفرنسية، لصالح مركز بنغازي الطبي، لكن الجهاز لا يزال داخل الصناديق، ولم يجرِ تركيبه بعد لأسباب لوجيستية.
ورداً على سؤال حول طبيعة تلك الأسباب، قال: «إنها متعلقة بخطأ كبير تمثل في توقيع رسالة من مسؤول إداري تفيد بأن الشركة أنجزت الاتفاق الخاص بتوريد وتركيب الجهاز وتدريب العاملين عليه، وهو ما ترتب عليها حصول الشركة على أموالها بالكامل، بينما الجهاز في الصناديق». ويضيف أن الشركة تتعلل بالأسباب الأمنية من أجل عدم الوفاء بما نص عليه الاتفاق بشأن إرسال تشغيل الجهاز.
كما ينتقد العوكلي غياب الأدوية الأساسية اللازمة رغم أن تكلفتها ليست مرتفعة. ويوضح أن منظمة الصحة العالمية حددت نحو 500 دواء أساسي يجب توفيرها، لكن المسؤولين عن هذا الملف «يشطحون ويشترون أغلى الأدوية لاستغلال ما لديهم من ميزانية، وأحياناً يكون التخزين سيئاً جداً فتنتهي صلاحية الكثير من هذه الأدوية قبل استخدامها».
ووفق العوكلي، فإن الوفيات في ليبيا تحدث بشكل رئيسي نتيجة الجلطة الناتجة عن ضيق الشريان التاجي. وحول ما إذا كانت هناك أسباب مرتبطة بواقع الحرب والنزوح داخل ليبيا بالإصابة بالجلطات، قال: «لا شك أن الوضع النفسي يزيد من احتمال الإصابة بالجلطة، وكذلك عدم الاهتمام بعلاج الضغط والسكري، وعدم توافر الدعامات ومستلزمات جراحة القلب المفتوح».
وفي السياق نفسه، ينتقد مفتاح سعد نويجي، مدير مركز التدريب والتعلم المستمر بالجامعة الليبية الدولية للعلوم الطبية، غياب الشفافية، وعدم وجود سياسة واضحة لمعالجة الأوضاع المتردية في القطاع الصحي بصفة عامة. ويضيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه شارك منذ عامين في لقاء مع «المركز الوطني لتطوير الصحة»، إلا أن غياب الإرادة الحقيقية حال دون إحداث أي تغيير نحو الأفضل، مشدداً على ضرورة تغيير السياسات الصحية في البلاد.
وبالمثل، يقول الناشط المدني والمدون سعد الدينالي إن افتقار ليبيا إلى البنى التحتية المؤهلة لتقديم الخدمات الصحية يجعلها بحاجة إلى علاج طويل الأمد. ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن بلاده تحتاج إلى التخلص أولاً من مشكلاتها السياسية، وتوحيد الحكومة، وصولاً إلى إيجاد حكومة واحدة قادرة على تنفيذ خطط استراتيجية في هذا القطاع.



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».