قطاع الصحة في ليبيا... «تركة ثقيلة» يتحملها المرضى

العوكلي: لا بديل عن نظام تمويلي جديد يشارك فيه المواطن والحكومة

أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
TT

قطاع الصحة في ليبيا... «تركة ثقيلة» يتحملها المرضى

أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)
أطباء يجرون عملية جراحية بمركز مصراتة الطبي (إدارة المركز)

بين حين وآخر تتصدر المشهد الليبي، صور المرضى الباحثين عن علاج دون جدوى، في وقائع تعكس تحديات جمة تواجه القطاع الصحي في البلد المثقل بآثار الاقتتال الأهلي طيلة السنوات الماضية.
وإلى جانب أسباب الانقسام السياسي، ووجود حكومتين للفرقاء في الغرب والشرق، تعزو دراسات متخصصة تراجُع قدرات المنظومة الصحية الليبية إلى النهج الذي أدار القطاع قبل «الثورة»، التي أطاحت بالرئيس السابق، معمر القذافي، عام 2011.
بيد أن وزير الصحة السابق، رضا العوكلي، يعد تجدد أزمة المرضى الباحثين عن علاج «مأساة كل يوم». ويضيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مرضى الأورام، مثل مرضى القلب... وغيرهم، لا يجدون طريقة سهلة للوصول إلى العلاج المطلوب، منتقداً ما يعده «اختلالاً في ترتيب الأولويات». ويؤكد الوزير السابق أن المستشفيات الحكومية تفتقر إلى المستلزمات الأساسية اللازمة لتقديم الخدمة الطبية؛ مثل أدوية الأورام، ومستلزمات إجراء جراحات القلب، «حيث لا تتوافر بسهولة». وبينما يتحدث عن إنشاء عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، مكتباً لتوطين العلاج بالداخل يتبع رئاسة الحكومة مباشرة، محاوَلة للتغلب على تحديات القطاع الصحي، فإنه يوضح أن عمل المكتب لا يشمل عموم الأراضي الليبية، مشيراً إلى الانقسام السياسي، ووجود حكومتين.
ويدعو العوكلي إلى إرساء نظام تمويلي جديد للرعاية الصحية في البلاد، ويؤكد أن ليبيا تنفق على الصحة، نحو 500 إلى 600 دولار على كل مواطن ليبي سنوياً، وهو ما يعده «رقماً هزيلاً». ويضيف أن الإنفاق العام على الصحة بلغ 12 مليار دينار العام الماضي، مضيفاً أنه مهما بلغ حجم الإنفاق فلن يؤدي إلى نتائج ملموسة من دون إدراك الأسباب الأساسية للأزمة.
ويتابع وزير الصحة السابق: «على المسؤولين التعامل مع ملف الصحة من هذا الجانب، وعلى الدولة أن تعي أن طريقة التمويل القائمة خاطئة، ومهما فعلنا، أو غيّرنا وزراء، ومهما ضُخّت أموال بكميات كبيرة، فلن يتغير شيء لكن إذا أعدنا النظر في طرق تمويل القطاع عن طريق التأمين الصحي فسننجح بإذن الله».
وفي عهد القذافي، كان لدى ليبيا الإمكانات لاجتذاب المهنيين الأجانب في قطاع الصحة، وشراء الأدوية المنقذة للحياة، وإرسال الأشخاص إلى الخارج للعلاج، ولكن هذا النهج «قلّل من القدرة المؤسسية للنظام الصحي الليبي». وقد ظهرت الآثار السلبية عندما غادر الكثير من موظفي قطاع الصحة الأجانب ليبيا بعد الثورة والأزمة الاقتصادية، كما أدى الصراع السياسي والأزمة الاقتصادية إلى خفض جودة الخدمات الصحية وإمكانية الوصول إلى الرعاية»، وفق دراسة صادرة عن مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية (سيسرك)، حول إصلاح النظام الصحي في ليبيا، من إعداد يوسف شيليك، وعادل التاجوري يونيو (حزيران) 2021 (نسخة رقمية).
ويعتقد وزير الصحة السابق أنه بالإمكان النهوض بالقطاع الصحي في ليبيا «خلال أشهر قليلة أو سنة على الأكثر» إذا تغيرت طريقة التمويل، من خلال استقطاع ما يعادل 10 أو 15 في المائة من الراتب الشهري لكل مواطن لصالح حساب حكومي للإنفاق على الصحة، مستكملاً: «على أن تدفع الحكومة نسبة محددة لهذا الحساب، حتى يصبح لدى كل مواطن بوليصة تأمين، مع مساعدة الحكومة لذوي الدخل المحدود في شراء هذه البوليصة من شركات التأمين العاملة في القطاع الطبي، بما يضمن تقديم كافة الخدمات الطبية لجميع المرضى». ولا يرى العوكلي أي عائق يحول دون التوجه نحو هذا النمط التمويلي في ظل الانقسام السياسي الحالي.
وبينما يتحدث الوزير السابق عن أمراض القلب بوصفها السبب الرئيسي للوفيات في ليبيا، يؤكد أن جهازاً متطوراً للقسطرة القلبية والجراحة، جرى استيراده منذ أربع سنوات من إحدى الشركات الفرنسية، لصالح مركز بنغازي الطبي، لكن الجهاز لا يزال داخل الصناديق، ولم يجرِ تركيبه بعد لأسباب لوجيستية.
ورداً على سؤال حول طبيعة تلك الأسباب، قال: «إنها متعلقة بخطأ كبير تمثل في توقيع رسالة من مسؤول إداري تفيد بأن الشركة أنجزت الاتفاق الخاص بتوريد وتركيب الجهاز وتدريب العاملين عليه، وهو ما ترتب عليها حصول الشركة على أموالها بالكامل، بينما الجهاز في الصناديق». ويضيف أن الشركة تتعلل بالأسباب الأمنية من أجل عدم الوفاء بما نص عليه الاتفاق بشأن إرسال تشغيل الجهاز.
كما ينتقد العوكلي غياب الأدوية الأساسية اللازمة رغم أن تكلفتها ليست مرتفعة. ويوضح أن منظمة الصحة العالمية حددت نحو 500 دواء أساسي يجب توفيرها، لكن المسؤولين عن هذا الملف «يشطحون ويشترون أغلى الأدوية لاستغلال ما لديهم من ميزانية، وأحياناً يكون التخزين سيئاً جداً فتنتهي صلاحية الكثير من هذه الأدوية قبل استخدامها».
ووفق العوكلي، فإن الوفيات في ليبيا تحدث بشكل رئيسي نتيجة الجلطة الناتجة عن ضيق الشريان التاجي. وحول ما إذا كانت هناك أسباب مرتبطة بواقع الحرب والنزوح داخل ليبيا بالإصابة بالجلطات، قال: «لا شك أن الوضع النفسي يزيد من احتمال الإصابة بالجلطة، وكذلك عدم الاهتمام بعلاج الضغط والسكري، وعدم توافر الدعامات ومستلزمات جراحة القلب المفتوح».
وفي السياق نفسه، ينتقد مفتاح سعد نويجي، مدير مركز التدريب والتعلم المستمر بالجامعة الليبية الدولية للعلوم الطبية، غياب الشفافية، وعدم وجود سياسة واضحة لمعالجة الأوضاع المتردية في القطاع الصحي بصفة عامة. ويضيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه شارك منذ عامين في لقاء مع «المركز الوطني لتطوير الصحة»، إلا أن غياب الإرادة الحقيقية حال دون إحداث أي تغيير نحو الأفضل، مشدداً على ضرورة تغيير السياسات الصحية في البلاد.
وبالمثل، يقول الناشط المدني والمدون سعد الدينالي إن افتقار ليبيا إلى البنى التحتية المؤهلة لتقديم الخدمات الصحية يجعلها بحاجة إلى علاج طويل الأمد. ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن بلاده تحتاج إلى التخلص أولاً من مشكلاتها السياسية، وتوحيد الحكومة، وصولاً إلى إيجاد حكومة واحدة قادرة على تنفيذ خطط استراتيجية في هذا القطاع.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.