الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

تقترح مواطنة كونية.. مواطنة ما بعد الدولةـ الأمة وتفتح «العلبة السوداء للسيادة الوطنية»

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا
TT

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

ما يزال الاهتمام في منطقتنا بالفلسفة بصيغة المؤنث ضعيفا جدا، ومن أجل تقريب القارئ إلى بعض الأقلام الفلسفية الصاعدة، سنخصص هذا المقال للفيلسوفة سيلا بن حبيب.
ولدت سيلا بن حبيب في إسطنبول سنة 1950. وهي أستاذة العلوم السيَاسيَّة والفلسفة بجامعة يال الأميركية، وتدير في الجامعة، برنامج الإثيقا والعلوم الاقتصادية والسيَاسيَّة. وهي عُضو الجمعيَّة الفلسفيَّة الأميركية منذ 1996. واشتغلت سابقًا مع هابرماس. وتهتمُ سيلا تحديدًا، بالنظريَّة النقديَّة والنظريَّة النِّسويَّة. كَتبَت أطروحتها في فلسفة هِيغل السيَاسية سنة 1977 (أي في النصف الثاني من عقدها الثاني)، حيثُ قَارَنت فِيهَا بين تصوُّر هيغل لمفهوم الحق والحق الطبيعي. وبعد ذلك نَاقشَت أُطروحتها في فلسفة هوبز.
تَنظُر بن حبيب إلى الفلسفة السيَاسية لا كبحثٍ في تَاريخ الفكر أو الفلسفة السياسيين، بِقدرِ ما هي اتصال والتصاق بالأَحْداث الرَّاهِنَة والمُعَاشَة، من أجل استقصائها وتحري دلالاتها، لأن التحَوُّل الكبِير الذي عَاشَتهُ في سنوات التسعينات، ساهم في تدشينها البَحث في قَضايا التعدُّديَّة الثَّقَافيَّة والمُواطَنة والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي. وتهتم بِالرَّوابِطِ بين العقلانيَّة التواصُليَّة والأخلاق والدِيمُقراطيَّة التشَاوريَّة، حيث يلعبُ الفضاء العمومي دورًا محوريًا. ولهذا فهي بحق، مُنظِرَة ومُفكِرة تنتمي إلى الجيل الثالث للنظريَّة النقديَّة، من خلال اشتغالها مع هابرماس وأكسيل هونيث ونانسي فريزر، وجوديث بتلر. لذلك تقول عن صاحب العقلانية التواصلية: «يَعُود الفَضل لهابرماس في نحته لمفهوم العَقلانيَّة التواصُليَّة، وأَنَا بِدورِي أعتبر أن العقلانيَّة التواصُليَّة مُسَلَّمَة، وأَفْتَرِضُ مُسبَقًا، أَن كُلَ عَمَلِي يَتَمَحورُ حول صَلاحيَّة الانتِقال إلى العقلانيَّة التواصليَّة».
كتبت سيلا عن قضايا عالم المعيش، التي تُؤرقُ ملايين الأشخاص في العالم: من قَبِيل مشكلات الهجرة، الاحتلال، مخيمات اللاجئين، المقيمين، الـ«من دون أَوراق»، المُهمشِين والمَقصيين بِسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الهُويَّة. وطَرحَت في مؤلفاتها الأخيرة: «حقوق الآخرين: الأجانب، المقيمين، والمواطنين»، و«كَونْيَّة أُخْرَى»، قضايا جوهرَّية حول الشَّرعيَّة الدِّيمُقرَاطيَّة، اللِّيبِرَاليَّة الدُّستُوريَّة، الحَق في الإقَامَة المُؤَقتَة والدَائِمَة، الحكومة العالمية، الفيدرالية العالمية... وتُقَدِم فيها حُجَجًا قويَّة لحماية الجماعات البشريَّة الهشَّة وَالضعيفة (الأجانب، المقيمين، اللاجئين...).
يَصعُبُ الإلمام بمجمل فلسفة سيلا بن حبيب لاعتبارات عدة:
- كَونُ إسهَامَاتِها مُتعدِّدَة المَشَارِب ومُتنوعَة جدًا، تتراوح بين قضايا كثيرة لا ندعي إمكانيَّة الإلمام بها جميعها في هذا المقال.
- ما يَزالُ فكر الفيلسوفة جاريًا، مما يعني أنَ مُحاوَلَة حَصرِه في هذا الاتجاه أو ذاك، إنما هو مُغَامرة كبرى في حقها.
- كَونُ وضعِهَا الخَاص، وتاريخهَا الخاص، يفرضان عليها الانخراط السيَاسي في قَلبِ المعركة، لذلك فإن مَواقِفَهَا السيَاسية تجدُ مَكانهَا كثيرًا في فلسفتهَا.
- اهتمامُهَا بقَضَايا العصر الأكثَر إِلحَاحًا، من قبيل الهجرة، الحدود، السيَادَة، المُواطَنة، وهي القضايا التي تعرف مُستَجَدَّات جَارية لا حصر لها.
إلا أنه رغم ذلك، أمكننا التمييز بين مرحلتين أساسيتين من تطوُّر فكر الفيلسوفة سيلا بن حبيب الفلسفي والسياسي معا:
* مرحلة ما قبل التسعينات (من القرن العشرين)، وقد مثلت الفلسفة السيَاسية الحديثة والمعاصرة مصدرَ فِكرها الفلسفي. وهي مرحلة الشباب إن جاز التعبير الالتوسيري هنا، حيث تشكل فكرها من خلال اشتغالها على عباقرة الفكر السياسي الحديث، من أمثال هيغل (أنجزت أطروحتها الأولى حول هيغل - الذي استلهمت منه الكثير من أفكارها - بعنوان: «هيغل والحق الطبيعي: بحث في الفلسفة السيَاسية الحديثة»)، وتوماس هوبز، وكانط (من خلال فحصها لمشروع السَلام الدَائم الذي أَسَست عليه أطروحاتها الحالية حول المُواطَنة الكَونيَّة، والسيَادَة ما بعد الوطنية)، ومرورا بحنا آرنت Arendt (حيث أنجزت كتابين حول فكرها - أشرنا إليهما أعلاه - موظفة بشكل كبير مفهوم آرنت الذائع الصيت: «الحق في التمتُّع بكافة الحقوق»).
* مرحلة ما بعد التسعينات، حيثُ انكبت أساسًا، على مُعالجة قَضَايا الوَضع البَشَري الأَكثَر إِلحَاحًا: النِّسويَّة، الهِجرَة، التعَدُّد الثَّقَافِي، المُواطَنة العالميَة، الدِيمقراطيَّة، العَدَالَة، السيَادَة.
نظريَّة الديمقراطيَّة
ولا تنفصل نظريَّة الديمقراطيَّة عند سيلا بن حبيب عن مشروعها الفلسفي – السيَاسي العام، فهي نظريَّة في العدالة، وفي الحق، وفي المُواطَنة الكَونيَّة التي تتأسس على منظور كُوسمُوبُولِيتي يحاول إعادة النظر في طريقة تدبير المشاكل العالميَّة المتناميَة، وأساسًا تلك المتعلِّقة بالهجرة والبيئة والمساواة، والنِّسويَّة، والمُواطنة، والتعَدُّد الثَّقَافِي. فالثَّقافات لا تتشكَّل أحاديَّة القُطب، أي بمعزل عن الثَّقافات الأخرى، بل تتشكَّل من خلال حوارها مع الثَّقافات الأخرى. وتفيد الديمقراطيَّة عندها «بناءَ جماعة سيَاسية بقواعِدَ واضِحة، يتم عبرها تحديد العلاقات بين الداخل والخارج». وفي الدِّيمقراطيَّة «يستمدُ الدُّستورُ شَرعيَّتَهُ من الإرادَة الجمعيَّة والمتَّحِدة للشَّعب». فالشَّعبُ الدِّيمقراطي يَقبلُ سُلطة القَانون، لأنَّه في الآن نفسهِ، واضع ومستقبل هذا القانون. «إن مُواطِنَ دِيمقراطيَّة ما ليس بالمواطن العالمي، بل مُواطِنٌ داخل مجموعة سيَاسية محددة، بغض النظر عَمَّا إذا كان ذلك يتعلق بدولة مركزية أو فدراليَّة أو باتحاد للدول».
ولضمان الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والكُوسمُوبُولِيتيَّة في عالم اليوم، تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة شروط:
- التعامل بالمساواة: حيث يجب أن يتمتَّع أعضاء الأقليَّات بالحقوق المدنية والسيَاسية والاقتصاديَّة والثقافيَّة نفسها التي تتمتع بها الأغلبيَّة.
- القَبول الطوعي: حينما يولدُ فرد ما، لا يجب أن يعيَّن له دين ما أو ثقافة ما بشكل أوتوماتيكي. ولا يجب أن تترك الدولة للجماعات الحق في تقرير حياة الأفراد. فأعضاء المجتمع لهم الحق في التعبير بأنفسهم عن اختياراتهم.
- الحرية في الخروج من الجماعة والحرية في التجمع: لكل فرد الحريَّة في الخروج عن جماعته. فحينما يتزوج فرد من جماعة أخرى، فلكل منهم الحق في الحفاظ على عضويَّته. ويجب إيجاد تسويَّاتٍ بالنسبة للأزواج بين الجماعات وأطفالهم.
يطرح موضوع الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والمساواة الديمقراطيَّة نقاشات كبرى. فالشَّرط الأول يتعلق بالكثير من الثَّقافات التي تتعرض فيها الأقليَّات لاضطِهَادَاتٍ مُتكَرِّرَة من طرف الأغلبية، وحيثُ لا تَقُومُ الحكومَات بأي جُهدٍ لوقف المجازر التي يتعرَّضُونَ لهَا.
المُسَاواة والتنوع في عَصِر العولَمَة
لم يكن الفكر والفلسفة السياسيان يهتمان بشكل كبير بمسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة قدر اهتمامهما بها اليوم، بحيث كرست معاهدة ويستفالي المنظور الأحادي للهوية والمواطنة داخل الدولة الوطنية (الدولة – الأمة) فيما يشبه الدولة – المدينة؛ رغم أن أفلاطون كان يصرخ دوما، داخل الدولة المدينة: «أنا لَسْتُ أَثِينيًّا، وَلا يُونَانيًا: أَنَا مُواطِنُ العالم»، وعلى مِنوالِه تغنى الرواقيون والكلبيون بالمواطنة العالمية والكونية. وقليلا ما استثمر هذا الإرث اليوناني في الفلسفة السيَاسية، ويعود هذا المشكل في نظر بن حبيب، إلى الفصل العبثي بين الديموس والإثنوس.
ستتعزز الدراسات حول إشكالات الهُويَّة والتعدُديَّة الثَّقَافيَّة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما تلاها من بداية جديدة للعلاقات الدولية، والاعتراف بالمؤسسات الدولية والعالمية التي دافعت عن تعزيز حقوق الإنسان، وهي الإشكالات التي عالجتها سيلا في كتابها القيم: «مطالب الثقافة: المتماثل والمختلف في عصر العولمة».
يتناول هذا الكتاب إشكالية هامة طبعت النقاشات المعاصرة لتزيل الوهم الذي يرى أن الثقافات مجرد أجزاء من فسيفساء يمكن الهيمنة عليها بسهولة، ويمكن تلخيصها في السؤال التالي: كيف يمكن تطبيق الديمقراطية الليبرالية في عالم مليء بأشكال جديدة من صراع الهويات والثقافات؟
وقفت في الفصل الأول على استخدام وسوء استخدام الثقافة، لتنتقل إلى الإشكالية القديمة – الجديدة: نحن وهم، لتقترح نموذجا بديلا لتغيير السياسات المعاصرة - في الفصل الثالث - يمكن الاقتداء به في التغيير، سمته من إعادة التوزيع إلى الاعتراف. وهو الشعار نفسه الذي تبنته نانسي فريزر في كتابها: ما العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع. كما وقفت فيه على مسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة ومواطنة النوع الاجتماعي، وما يرتبط بها من معضلات لتقترح الديمقراطية التداولية كبديل للديمقراطية الليبرالية من خلال وقوفها على مفهوم ما بعد الدولة – الأمة.
في مقاله حول الديمقراطية التشاركية: الحدود والاستقلال الذاتي، يذهب رومان فيلي، إلى أن العولمة قد طرحت رهانات جديدة تتجاوز إطار الدولة الوطنية، بحيث إن قضايا من قبيل الهجرة والكوارث البيئية والإرهاب، تفترض حلولا تتجاوز الإطار الوطني الويستفالي، مما يعزز الحاجة إلى حكامة دولية بدأت تطرح نفسها، رغم أنها تسير عكس إرادة الشعوب. وهناك بالنسبة لسيلا بن حبيب، طريقة أخرى لتصور المواطنة الجديدة، أي مواطنة تتجاوز مفهوم مواطنة الإقامة. وعلى هذا الأساس أعادت النظر في مفهوم الضيافة الذي طرحه كانط في مشروع السلام الدائم، بحيث تستوجب المواطنة الجديدة في نظرها إعادة بناء تصور الفعل السياسي دون المرور بقطيعة قانونية بين العضو الذي ينتمي إلى الجماعة، أو غير العضو القادم إلى تلك الجماعة من جماعة أخرى (قد يكون مهاجرا أو مقيما بشكل مؤقت أو دائم أو لاجئا). هكذا، فالحدود الخاصة بدولة ما يمكن إعادة تحديدها من منظور كُوسمُوبُولِيتي – كوني يتجاوز المنظور الويستفالي. وتستدل سيلا بن حبيب على ذلك بالحركات الاجتماعية الحضرية التي تجسد نموذجا «فعلا سياسيا» خارج التمييز الكلاسيكي بين العضو - وغير العضو. وبناء عليه تقترح سيلا بن حبيب مواطنة كونية أو مواطنة ما بعد الدولة – الأمة، وما يقتضيه ذلك من ضرورة إعادة بناء أسس هذه المواطنة على نحو جذري. إلا أن الأمر لا يتعلق بـ«محو الحدود السيادية للدول وإنما طرق جديدة لتدبيرها»، أي «فتح العلبة السوداء للسيادة الوطنية».



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.