عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

بفضل موقعها الجغرافي وسعيها الدائم لاتباع سياسة متميزة

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج
TT

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

قام قائد البحرية الإيرانية الأدميرال حبيب الله سياري في مطلع الشهر الماضي بزيارة لروسيا على رأس وفد رفيع المستوى ضم قائد الشؤون الفنية في البحرية الإيرانية الأدميرال عباس زماني. ظاهريًا، تأتي زيارة هذا الوفد الإيراني لحضور فعاليات معرض الدفاع البحري الدولي في العاصمة الروسية موسكو. ولكن على الرغم من ذلك، كما ذكرت المصادر الروسية والإيرانية في وقت لاحق، جلب الوفد الإيراني معه «لفتة تسويقية رائعة» من حيث شراء المعدات والبرمجيات البحرية الروسية. وقرّرت الجمهورية الإسلامية، من واقع عزمها على المضي قدما في مزاعم كونها «قوة إقليمية عظمى»، تطوير وحداتها البحرية إلى وحدات كاملة تعمل في المياه الزرقاء.
لقد كانت هناك ثلاثة أحداث هي التي حفّزت برنامج إظهار القوة البحرية الإيرانية:
الحدث الأول رغبة الرئيس الأميركي باراك أوباما المعلنة لتقليص حجم الوجود العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط ثم إنهائه. وإذا ما تابع الرئيس الأميركي المقبل الذي سيخلف أوباما في البيت الأبيض سياسات الرئيس الحالي، ستترك الولايات المتحدة الأميركية فجوة عظيمة لا بد من تغطيتها في تلك المنطقة. والواضح أن القيادة الإيرانية تطمح لأن تشغل إيران ذلك الفراغ.
الحدث الثاني كان الاتفاق المُبرم بين دول مجموعة «الخمسة زائد واحد» المزعومة حول المشروع النووي الإيراني، الذي إذا قيض له أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي، سينجم عنه الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية لدى الغرب، التي تتراوح ما بين 120 و150 مليار دولار وهو ما يؤمن لإيران ما يكفي من الموارد التي تمكنها من رفع مستوى قواتها البحرية بصورة هائلة. بل إن الميزانية الإيرانية الجديدة، في واقع الأمر، عمدت إلى زيادة مستوى الإنفاق الدفاعي لما يقرب من 23 في المائة، وجزء منها مكرّس بكل تأكيد لإظهار القوة البحرية الإيرانية.
وأما الحدث الثالث، فكان التوقيع السريع من جانب سلطنة عُمان، التي تتشارك معها إيران في أطول سواحلها البحرية بطول يبلغ أكثر من 400 كيلومتر، على معاهدة ترسيم حدود المياه الإقليمية ما بين البلدين الجارتين. وهذه المعاهدة التي عملت وزارة الدفاع الإيرانية على إعدادها كانت قد أرسلت خلال فصل الربيع الماضي إلى وزارة الخارجية في طهران مع طلب إجراء المفاوضات بشأنها والاتفاق عليها مع سلطنة عُمان خلال فترة قدّرت بثلاث سنوات. ولقد اتضح فيما بعد، رغم كل شيء، أن الجانب العُماني ما كان في حاجة إلى «ماراثون مفاوضات» مطوّل، إذ صادق على المعاهدة التي وقّع عليها السلطان قابوس بن سعيد بنفسه في الشهر الماضي.
ولكن، وبما أن النصّ الرسمي للمعاهدة المذكورة لم يأخذ طريقه إلى النشر بعد، ليس أمام المحلّلين إلا التكهّن المجرد حول كامل محتوياتها وما إذا كانت تشتمل على بنود سرية أم لا. مع هذا أفادت التقارير الإعلامية الإيرانية أن المعاهدة الجديدة سوف تعمل على تنظيم سلسلة من الترتيبات التي أبرمتها إيران مع سلطنة عُمان في بدايات عقد السبعينات. وفي ذلك الوقت كان شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي قد أرسل قوة تدخل سريع لسحق التمرّد الشيوعي المدعوم من قبل اليمن الجنوبية - يومذاك - في إقليم ظفار بغرب عُمان.
في ذلك الوقت، اشتملت الترتيبات المذكورة على إعادة تزويد القواعد اللوجيستية التابعة للجيش الإيراني في عدد من المواقع العُمانية ومن بينها ميناء صور ورأس الحد، وكذلك ميناء مرباط إلى الشرق من صلالة عاصمة إقليم ظفار. مع هذا، كتب الجنرال علي خورسند، قائد قوة التدخل السريع الإيرانية، رسالة أوصى فيها «بوجود رفيع المستوى للبحرية الإيرانية في سلطنة عُمان يمتد لما وراء الاحتياجات الراهنة لعمليات مكافحة التمرد». واتفقت تلك «التوصية» تمامًا مع خطة الشاه الطموحة حيال «السوق المشتركة لدول المحيط الهندي»، كما جاءت متوافقة مع مبادئ ريتشارد نيكسون، الرئيس الأميركي - في حينه، والتي يصار بموجبها إلى ضمان الأمن الإقليمي من جانب الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. ومن ثم، جرى ضمان حقوق الرسوّ للبحرية الإيرانية في عدد من الجزر العُمانية ومن بينها جزر الديمانيات وجزر الحلاّنيات (أرخبيل كوريا موريا سابقًا) وجزيرة أم الغنم (أو جزيرة الغنم) التي تحتل موقعًا استراتيجيًا عند مدخل البوابة الجنوبية من مضيق هرمز.
لسنوات طويلة، استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز في منازعاتها الهزلية مع خصومها الإقليميين. وللعلم، فالمضيق عبارة عن جسم مائي يبلغ طوله 54 كيلومترا يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب إلى المحيط الهندي. وينقسم المضيق، في واقع الأمر، إلى قناتين على محاذاة جزيرة قشم الإيرانية البالغ طولها 110 كيلومتر. ويعرف الجسم المائي الواقع إلى شمال جزيرة قشم ويتلامس مع الساحل الإيراني باسم مضيق كلارنس وهو مضيق غير مطروق من جانب طرق الشحن الدولية.
وبالتالي، فإن الجزء إلى الجنوب من جزيرة قشم، الذي يتلامس مع القطاع العماني عند رأس مسندم، هو الذي يحمل الأهمية الاستراتيجية نظرا لحركة المرور الدولية الكثيفة بما فيها مرور ناقلات النفط التي تنقل أكثر من 30 في المائة من تجارة النفط العالمية. وهذا الممرّ الجنوبي هو الذي تهدّد إيران بإغلاقه، ما يحوّل المضيق إلى نقطة اختناق بحرية ويغلق الطريق أمام كل من العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى البحار المفتوحة. (بطبيعة الحال لن تعاني المملكة العربية السعودية بقدر معاناة تلك الدول لأنها تتمتع بسواحل طويلة على البحر الأحمر).
الهزيمة أمام الولايات المتحدة
لسنوات طويلة، كانت البحرية الإيرانية التي عانت من هزيمة فادحة على أيدي القوات البحرية الأميركية في أبريل (نيسان) عام 1988، قد خططت لـ«حرب عصابات» ضد الجانب الأميركي داخل مياه الخليج. غير أنه نظرًا لافتقار إيران إلى حاملات الطائرات وبوارج ومدمّرات ثقيلة، فقد صمّمت عقيدتها القتالية على أساس ما يُعرف بـ«الاحتشاد» وهي القوة المتكوّنة من مئات من القوارب الصغيرة السريعة المخصصة لمهاجمة القطع البحرية الأميركية التي تتلقى النيران كذلك من 23 جزيرة إيرانية متناثرة فوق مياه الخليج. وفي هذا السياق، يكون إغلاق مضيق هرمز من الأهمية بمكان لحرمان السفن الأميركية المحاصرة في الخليج من الدعم اللوجيستي وإعادة التموين الضرورية.
هناك جزيرتان تتمتعان بأهمية استراتيجية خاصة بقدر أهمية بسط السيطرة على الجزء الجنوبي من المضيق. فإلى شمال الممر المائي تقع جزيرة هنجام، وهي من توابع جزيرة قشم، ولقد حوّلت بالفعل إلى قاعدة عسكرية. وإلى الجنوب منها قرب شبه جزيرة مسندم تقع جزيرة أم الغنم العُمانية. وحسب حامد زمردي، النقيب السابق بالبحرية الإيرانية، فإن «من خلال الوجود الإيراني في هاتين الجزيرتين، تستطيع إيران بسط سيطرتها على عدوَتي بوابة المضيق. وظل للجزيرتين الصغيرتين، بجانب رأس مسندم المجاورة، أهمية قصوى في التخطيط البحري الإيراني منذ أيام نادر شاه في القرن الـ18 عندما قررت إيران، لأول مرة، بناء قواتها البحرية في مياهها الجنوبية».
كان التاريخ الإيراني الطويل ملحمة متواصلة من السطوع والأفول. وبالتالي، فإن مزاج البناء الإمبراطوري الحالي والشائع في طهران ليس بالشيء الجديد. ولكن رغم ذلك، فإن إيران التي تتربع مرتاحة على مرتفعات شامخة تطل على الخليج لم يكن يحدوها نهم المغامرات البحرية، ولذلك فشلت أيمّا فشل في بناء قوة بحرية قادرة.
غير أن الإمبراطورية الفارسية الأولى كانت، في الواقع، تمتلك قواتها البحرية، إلا أنها كانت تُدار بصورة رئيسية من قبل المُرتزقة المجلوبين من اليونان وفينيقيا على الساحل السوري. ومع أنها كانت تحت قيادة ماردونيوس، ابن عم «ملك الملوك»، عجزت تلك القوات البحرية عن تحقيق منجزات عسكرية تستحق الذكر، بل وفقًا لأسطورة ما كان ماردونيوس يجيد السباحة وكان يصيبه دوار البحر فور اعتلائه متن أي قارب.
لقد دفع الفشل الإيراني في بناء وجود بحري قوي وفعّال بالقوى البعيدة - ولا سيما القوى الأوروبية - إلى اختراق الخليج العربي وخليج عُمان، ونشوء «جيوب» للقرصنة التي تضم قراصنة من أماكن بعيدة للغاية مثل آيرلندا والدول الإسكندينافية. وظهرت على سطح الأحداث أيضًا لحملات البرتغالية والإنجليزية والهولندية الخاصة والرسمية بحثا عن التجارة والهيمنة. وفي تلك الأثناء، كان سكان السواحل يتخالطون بصورة شبه متواصلة فيما بينهم مع مختلف الدول العربية وإيران، أو الأعراق المختلفة والقبائل المسيطرة على أجزاء من الأراضي وبناء الموانئ في مختلف الأماكن قبل طردهم من القوى الصاعدة الجديدة. وانخرطت دولة سورَت القائمة على القرصنة على الساحل الهندي من بحر العرب في ذلك عبر مختلف الأوقات.
العودة الإيرانية القوية
عادت إيران إلى المنطقة بصورة كبيرة خلال القرن الـ18، إذ اشترى نادر شاه أربع سفن حربية من القوى الأوروبية وعيّن الكابتن البريطاني كوك مستشارًا له للشؤون البحرية. ثم شن قائد القوات البحرية وقتها، الأميرال لطيف خان، سلسلة من الغارات البحرية التي انتهت بالاستيلاء على البحرين، وسحق تحدي بعض القبائل والقراصنة، مع غزو قصير لمسقط. ولكن رغم ذلك فإن المغامرات البحرية لنادر شاه لم تستمر طويلا. فلقد أدى اغتياله إلى سقوط إيران في هوة الحرب الأهلية والفوضى، وهو ما صرف الأنظار بعيدا عن مياه الخليج أو «المياه الجنوبية». وبعدها، استغرق الأمر من إيران نحو قرنين من الزمن قبل أن تتمكن من العودة إلى المياه الجنوبية تحت حكم رضا شاه بهلوي، الذي عمد إلى إعادة بناء القوة البحرية الإيرانية بمساعدة ألمانيا وإيطاليا في فترة الثلاثينات من القرن الماضي.
ومجددًا، استطاعت البحرية البريطانية تدمير البحرية الإيرانية لما شرعت بريطانيا، برفقة البحرية الروسية، في غزو إيران واحتلالها عام 1941 تحت مُسمى «قوات الحلفاء» التي كانت تحارب «قوات المحور» بقيادة ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
وبالانتقال إلى عقد الستينات من القرن الماضي، تمكن الشاه الجديد (والأخير قبل الثورة الخمينية) محمد رضا بهلوي من إعادة بناء البحرية الإيرانية تحسّبًا لسياسة الانسحاب البريطاني من شرق السويس. وبحلول عام 1979، عندما أجبر الشاه عن التخلي عن العرش ونُفي خارج البلاد، كانت البحرية الإيرانية القوة حقًا الإقليمية الوحيدة التي يعتد بها في مياه الخليج.
كانت طموحات الشاه ترمي إلى إنشاء قوة بحرية للمياه الزرقاء، وتعني وجود قوة بحرية قادرة على الإبحار والعمل بعيدا عن القواعد الموجودة على شواطئ أرض الوطن. وفي عام 1975 و1976، رفعت البحرية الإيرانية الجديدة العلم الإيراني خلال زيارات رمزية لبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر.
وفي ندوة عقدت في طهران عام 1976 برئاسة وزير الخارجية الأسبق نصر الله انتظام، سلّط الضوء على بناء أو توسعة القواعد الجوية - البحرية في شبه جزيرة جاسك وباساباندر، وعلى ساحل مكران وغوادار بالقرب من الحدود الباكستانية. كما جرت مناقشة بناء أسطول من الغواصات التي تبحر في الأجزاء الشمالية من المحيط الهندي. وكان دائمًا يشار إلى سلطنة عُمان في كل المناقشات على أنها عامل رئيس يساعد إيران على تحقيق طموحاتها البحرية.
فسلطنة عُمان أشبه ما تكون بالجزيرة، وباستثناء الوصلة الهامشية المأهولة في ظفار التي تربطها بمناطق جنوب اليمن، فهي تعتبر مغلقة أو معزولة عن المناطق الداخلية من شبه الجزيرة العربية بوجود مرتفعات الباطنة والربع الخالي، كما أنها محاطة بالمياه من الجوانب الثلاثة الأخرى. ومن الناحية الجغرافية السياسية، تعد السلطنة «الجائزة الكبرى» بحق لكل من يسعى لإظهار القوة البحرية في المحيط الهندي.
في الوقت الراهن تحاول إيران تنفيذ بعض خطط الشاه القديمة القاضية ببناء بحرية المياه الزرقاء مع وجود سلطنة عُمان كمرفق مهم لرسوّ السفن عبر الحدود البالغة 400 كيلومتر. ووفقا للأميرال زماني، في عام 2012، شرعت إيران في تصميم وبناء نظم الدفع النووي لغواصاتها بالفعل. وقال زماني حول ذلك: «بما أننا نمتلك التكنولوجيا النووية السلمية، بإمكاننا تنفيذ برامج بناء أنظمة محركات الغواصات النووية. إن لكل دولة الحق في استخدام التكنولوجيا النووية السلمية فيما يخص نظم دفع السفن». والحقيقة أن إيران باشرت بناء الغواصات عام 2011 من أجل منح مؤسستها العسكرية «السلاح الأكثر تطورًا» والمحافظة على الأمن في مضيق هرمز. وعن هذا يقول زماني: «ليست لدينا أهداف عدوانية، ولكن إذا تعرضنا للهجوم فسوف ندافع عن أنفسنا».
تمتلك البحرية الإيرانية حاليًا 26 غواصة، بما في ذلك 3 غواصات روسية من طراز كيلو الهجومية، و12 غواصة صغيرة، وفقا للمصادر الإيرانية. وخلال زيارته إلى موسكو الشهر الماضي، امتدح الأميرال سياري «النجاح الإيراني في إصلاح الغواصات الثقيلة»، قائلا: «إن القدرات الوطنية الفائقة والامتياز في التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في السفن البحرية تعكس فشل العقوبات والضغوط التي يفرضها علينا أعداؤنا». ويزعم سياري أن إيران واحدة من بين عدد قليل من الدول التي يمكنها تنفيذ عمليات الإصلاح الكاملة أو الجزئية للغواصات.
من ناحية أخرى، ليس مفاجئا أن تحتل سلطنة عُمان تلك المكانة البارزة في التخطيط الإيراني الطويل الأجل حيال إظهار القوة البحرية. ويؤمن الجانب العُماني بأن السلطنة مدينة لإيران بجميل مساعدتها في سحق التمرد الشيوعي الذي استهدف السلطنة في ظفار من جنوب اليمن في فترة السبعينات. وفي بادرة للصداقة ناحية سلطنة عُمان، رفضت إيران خلال السبعينات طلبا من شيوخ خصب وديا، في شبه جزيرة مسندم، معقل قبائل الشحوح والكمازرة (سكان قرية كمزار) بالانفصال عن السلطنة وإعلان دويلات صغيرة مستقلة تحت حكمهم.
عُمان.. والسعي لمكانة سياسية متميزة
اللافت في هذا السياق أن السلطان قابوس كان الزعيم العربي الوحيد الذي حضر في احتفالات عام 1971 بتأسيس الإمبراطورية الفارسية، حين أرسلت الدول الأخرى فقد أرسلت ممثلين عنها من مستويات أدنى، احتجاجا على احتلال إيران جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التابعة لإمارتي رأس الخيمة والشارقة، إبان الحماية البريطانية. كذلك كانت سلطنة عُمان أيضا الدولة العربية الوحيدة التي وقفت بجانب مصر بشأن اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
وتعد مغازلة سلطنة عُمان اليوم جزءا من سياسة أكبر وأوسع للجمهورية الإسلامية من أجل بسط، لمنطقة الخليج على حساب الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، من خلال إقناع أو تهديد تلك الدول بعدم اتخاذ أي جانب معين حال أي صراع ينشأ بين إيران وخصومها داخل أو خارج المنطقة. وحتى الآن، تمكنت سلطنة عُمان من تدشين وتنفيذ سياسة خارجية خالية من المشكلات. ولكن لأي مدى يمكنها الآن وسلطنة عُمان الصديقة من الأصول الكبيرة بالنسبة لسياسة الأمن القومي الإيرانية، ناهيكم عن طموحاتها التوسعية الإقليمية. أما سلطنة عُمان المعادية، فقد تجبر خبراء الاستراتيجية الإيرانيين على التفكير مليا قبل أن يحاولوا ابتلاع أكثر مما يمكنهم هضمه.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.