عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

بفضل موقعها الجغرافي وسعيها الدائم لاتباع سياسة متميزة

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج
TT

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

قام قائد البحرية الإيرانية الأدميرال حبيب الله سياري في مطلع الشهر الماضي بزيارة لروسيا على رأس وفد رفيع المستوى ضم قائد الشؤون الفنية في البحرية الإيرانية الأدميرال عباس زماني. ظاهريًا، تأتي زيارة هذا الوفد الإيراني لحضور فعاليات معرض الدفاع البحري الدولي في العاصمة الروسية موسكو. ولكن على الرغم من ذلك، كما ذكرت المصادر الروسية والإيرانية في وقت لاحق، جلب الوفد الإيراني معه «لفتة تسويقية رائعة» من حيث شراء المعدات والبرمجيات البحرية الروسية. وقرّرت الجمهورية الإسلامية، من واقع عزمها على المضي قدما في مزاعم كونها «قوة إقليمية عظمى»، تطوير وحداتها البحرية إلى وحدات كاملة تعمل في المياه الزرقاء.
لقد كانت هناك ثلاثة أحداث هي التي حفّزت برنامج إظهار القوة البحرية الإيرانية:
الحدث الأول رغبة الرئيس الأميركي باراك أوباما المعلنة لتقليص حجم الوجود العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط ثم إنهائه. وإذا ما تابع الرئيس الأميركي المقبل الذي سيخلف أوباما في البيت الأبيض سياسات الرئيس الحالي، ستترك الولايات المتحدة الأميركية فجوة عظيمة لا بد من تغطيتها في تلك المنطقة. والواضح أن القيادة الإيرانية تطمح لأن تشغل إيران ذلك الفراغ.
الحدث الثاني كان الاتفاق المُبرم بين دول مجموعة «الخمسة زائد واحد» المزعومة حول المشروع النووي الإيراني، الذي إذا قيض له أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي، سينجم عنه الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية لدى الغرب، التي تتراوح ما بين 120 و150 مليار دولار وهو ما يؤمن لإيران ما يكفي من الموارد التي تمكنها من رفع مستوى قواتها البحرية بصورة هائلة. بل إن الميزانية الإيرانية الجديدة، في واقع الأمر، عمدت إلى زيادة مستوى الإنفاق الدفاعي لما يقرب من 23 في المائة، وجزء منها مكرّس بكل تأكيد لإظهار القوة البحرية الإيرانية.
وأما الحدث الثالث، فكان التوقيع السريع من جانب سلطنة عُمان، التي تتشارك معها إيران في أطول سواحلها البحرية بطول يبلغ أكثر من 400 كيلومتر، على معاهدة ترسيم حدود المياه الإقليمية ما بين البلدين الجارتين. وهذه المعاهدة التي عملت وزارة الدفاع الإيرانية على إعدادها كانت قد أرسلت خلال فصل الربيع الماضي إلى وزارة الخارجية في طهران مع طلب إجراء المفاوضات بشأنها والاتفاق عليها مع سلطنة عُمان خلال فترة قدّرت بثلاث سنوات. ولقد اتضح فيما بعد، رغم كل شيء، أن الجانب العُماني ما كان في حاجة إلى «ماراثون مفاوضات» مطوّل، إذ صادق على المعاهدة التي وقّع عليها السلطان قابوس بن سعيد بنفسه في الشهر الماضي.
ولكن، وبما أن النصّ الرسمي للمعاهدة المذكورة لم يأخذ طريقه إلى النشر بعد، ليس أمام المحلّلين إلا التكهّن المجرد حول كامل محتوياتها وما إذا كانت تشتمل على بنود سرية أم لا. مع هذا أفادت التقارير الإعلامية الإيرانية أن المعاهدة الجديدة سوف تعمل على تنظيم سلسلة من الترتيبات التي أبرمتها إيران مع سلطنة عُمان في بدايات عقد السبعينات. وفي ذلك الوقت كان شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي قد أرسل قوة تدخل سريع لسحق التمرّد الشيوعي المدعوم من قبل اليمن الجنوبية - يومذاك - في إقليم ظفار بغرب عُمان.
في ذلك الوقت، اشتملت الترتيبات المذكورة على إعادة تزويد القواعد اللوجيستية التابعة للجيش الإيراني في عدد من المواقع العُمانية ومن بينها ميناء صور ورأس الحد، وكذلك ميناء مرباط إلى الشرق من صلالة عاصمة إقليم ظفار. مع هذا، كتب الجنرال علي خورسند، قائد قوة التدخل السريع الإيرانية، رسالة أوصى فيها «بوجود رفيع المستوى للبحرية الإيرانية في سلطنة عُمان يمتد لما وراء الاحتياجات الراهنة لعمليات مكافحة التمرد». واتفقت تلك «التوصية» تمامًا مع خطة الشاه الطموحة حيال «السوق المشتركة لدول المحيط الهندي»، كما جاءت متوافقة مع مبادئ ريتشارد نيكسون، الرئيس الأميركي - في حينه، والتي يصار بموجبها إلى ضمان الأمن الإقليمي من جانب الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. ومن ثم، جرى ضمان حقوق الرسوّ للبحرية الإيرانية في عدد من الجزر العُمانية ومن بينها جزر الديمانيات وجزر الحلاّنيات (أرخبيل كوريا موريا سابقًا) وجزيرة أم الغنم (أو جزيرة الغنم) التي تحتل موقعًا استراتيجيًا عند مدخل البوابة الجنوبية من مضيق هرمز.
لسنوات طويلة، استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز في منازعاتها الهزلية مع خصومها الإقليميين. وللعلم، فالمضيق عبارة عن جسم مائي يبلغ طوله 54 كيلومترا يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب إلى المحيط الهندي. وينقسم المضيق، في واقع الأمر، إلى قناتين على محاذاة جزيرة قشم الإيرانية البالغ طولها 110 كيلومتر. ويعرف الجسم المائي الواقع إلى شمال جزيرة قشم ويتلامس مع الساحل الإيراني باسم مضيق كلارنس وهو مضيق غير مطروق من جانب طرق الشحن الدولية.
وبالتالي، فإن الجزء إلى الجنوب من جزيرة قشم، الذي يتلامس مع القطاع العماني عند رأس مسندم، هو الذي يحمل الأهمية الاستراتيجية نظرا لحركة المرور الدولية الكثيفة بما فيها مرور ناقلات النفط التي تنقل أكثر من 30 في المائة من تجارة النفط العالمية. وهذا الممرّ الجنوبي هو الذي تهدّد إيران بإغلاقه، ما يحوّل المضيق إلى نقطة اختناق بحرية ويغلق الطريق أمام كل من العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى البحار المفتوحة. (بطبيعة الحال لن تعاني المملكة العربية السعودية بقدر معاناة تلك الدول لأنها تتمتع بسواحل طويلة على البحر الأحمر).
الهزيمة أمام الولايات المتحدة
لسنوات طويلة، كانت البحرية الإيرانية التي عانت من هزيمة فادحة على أيدي القوات البحرية الأميركية في أبريل (نيسان) عام 1988، قد خططت لـ«حرب عصابات» ضد الجانب الأميركي داخل مياه الخليج. غير أنه نظرًا لافتقار إيران إلى حاملات الطائرات وبوارج ومدمّرات ثقيلة، فقد صمّمت عقيدتها القتالية على أساس ما يُعرف بـ«الاحتشاد» وهي القوة المتكوّنة من مئات من القوارب الصغيرة السريعة المخصصة لمهاجمة القطع البحرية الأميركية التي تتلقى النيران كذلك من 23 جزيرة إيرانية متناثرة فوق مياه الخليج. وفي هذا السياق، يكون إغلاق مضيق هرمز من الأهمية بمكان لحرمان السفن الأميركية المحاصرة في الخليج من الدعم اللوجيستي وإعادة التموين الضرورية.
هناك جزيرتان تتمتعان بأهمية استراتيجية خاصة بقدر أهمية بسط السيطرة على الجزء الجنوبي من المضيق. فإلى شمال الممر المائي تقع جزيرة هنجام، وهي من توابع جزيرة قشم، ولقد حوّلت بالفعل إلى قاعدة عسكرية. وإلى الجنوب منها قرب شبه جزيرة مسندم تقع جزيرة أم الغنم العُمانية. وحسب حامد زمردي، النقيب السابق بالبحرية الإيرانية، فإن «من خلال الوجود الإيراني في هاتين الجزيرتين، تستطيع إيران بسط سيطرتها على عدوَتي بوابة المضيق. وظل للجزيرتين الصغيرتين، بجانب رأس مسندم المجاورة، أهمية قصوى في التخطيط البحري الإيراني منذ أيام نادر شاه في القرن الـ18 عندما قررت إيران، لأول مرة، بناء قواتها البحرية في مياهها الجنوبية».
كان التاريخ الإيراني الطويل ملحمة متواصلة من السطوع والأفول. وبالتالي، فإن مزاج البناء الإمبراطوري الحالي والشائع في طهران ليس بالشيء الجديد. ولكن رغم ذلك، فإن إيران التي تتربع مرتاحة على مرتفعات شامخة تطل على الخليج لم يكن يحدوها نهم المغامرات البحرية، ولذلك فشلت أيمّا فشل في بناء قوة بحرية قادرة.
غير أن الإمبراطورية الفارسية الأولى كانت، في الواقع، تمتلك قواتها البحرية، إلا أنها كانت تُدار بصورة رئيسية من قبل المُرتزقة المجلوبين من اليونان وفينيقيا على الساحل السوري. ومع أنها كانت تحت قيادة ماردونيوس، ابن عم «ملك الملوك»، عجزت تلك القوات البحرية عن تحقيق منجزات عسكرية تستحق الذكر، بل وفقًا لأسطورة ما كان ماردونيوس يجيد السباحة وكان يصيبه دوار البحر فور اعتلائه متن أي قارب.
لقد دفع الفشل الإيراني في بناء وجود بحري قوي وفعّال بالقوى البعيدة - ولا سيما القوى الأوروبية - إلى اختراق الخليج العربي وخليج عُمان، ونشوء «جيوب» للقرصنة التي تضم قراصنة من أماكن بعيدة للغاية مثل آيرلندا والدول الإسكندينافية. وظهرت على سطح الأحداث أيضًا لحملات البرتغالية والإنجليزية والهولندية الخاصة والرسمية بحثا عن التجارة والهيمنة. وفي تلك الأثناء، كان سكان السواحل يتخالطون بصورة شبه متواصلة فيما بينهم مع مختلف الدول العربية وإيران، أو الأعراق المختلفة والقبائل المسيطرة على أجزاء من الأراضي وبناء الموانئ في مختلف الأماكن قبل طردهم من القوى الصاعدة الجديدة. وانخرطت دولة سورَت القائمة على القرصنة على الساحل الهندي من بحر العرب في ذلك عبر مختلف الأوقات.
العودة الإيرانية القوية
عادت إيران إلى المنطقة بصورة كبيرة خلال القرن الـ18، إذ اشترى نادر شاه أربع سفن حربية من القوى الأوروبية وعيّن الكابتن البريطاني كوك مستشارًا له للشؤون البحرية. ثم شن قائد القوات البحرية وقتها، الأميرال لطيف خان، سلسلة من الغارات البحرية التي انتهت بالاستيلاء على البحرين، وسحق تحدي بعض القبائل والقراصنة، مع غزو قصير لمسقط. ولكن رغم ذلك فإن المغامرات البحرية لنادر شاه لم تستمر طويلا. فلقد أدى اغتياله إلى سقوط إيران في هوة الحرب الأهلية والفوضى، وهو ما صرف الأنظار بعيدا عن مياه الخليج أو «المياه الجنوبية». وبعدها، استغرق الأمر من إيران نحو قرنين من الزمن قبل أن تتمكن من العودة إلى المياه الجنوبية تحت حكم رضا شاه بهلوي، الذي عمد إلى إعادة بناء القوة البحرية الإيرانية بمساعدة ألمانيا وإيطاليا في فترة الثلاثينات من القرن الماضي.
ومجددًا، استطاعت البحرية البريطانية تدمير البحرية الإيرانية لما شرعت بريطانيا، برفقة البحرية الروسية، في غزو إيران واحتلالها عام 1941 تحت مُسمى «قوات الحلفاء» التي كانت تحارب «قوات المحور» بقيادة ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
وبالانتقال إلى عقد الستينات من القرن الماضي، تمكن الشاه الجديد (والأخير قبل الثورة الخمينية) محمد رضا بهلوي من إعادة بناء البحرية الإيرانية تحسّبًا لسياسة الانسحاب البريطاني من شرق السويس. وبحلول عام 1979، عندما أجبر الشاه عن التخلي عن العرش ونُفي خارج البلاد، كانت البحرية الإيرانية القوة حقًا الإقليمية الوحيدة التي يعتد بها في مياه الخليج.
كانت طموحات الشاه ترمي إلى إنشاء قوة بحرية للمياه الزرقاء، وتعني وجود قوة بحرية قادرة على الإبحار والعمل بعيدا عن القواعد الموجودة على شواطئ أرض الوطن. وفي عام 1975 و1976، رفعت البحرية الإيرانية الجديدة العلم الإيراني خلال زيارات رمزية لبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر.
وفي ندوة عقدت في طهران عام 1976 برئاسة وزير الخارجية الأسبق نصر الله انتظام، سلّط الضوء على بناء أو توسعة القواعد الجوية - البحرية في شبه جزيرة جاسك وباساباندر، وعلى ساحل مكران وغوادار بالقرب من الحدود الباكستانية. كما جرت مناقشة بناء أسطول من الغواصات التي تبحر في الأجزاء الشمالية من المحيط الهندي. وكان دائمًا يشار إلى سلطنة عُمان في كل المناقشات على أنها عامل رئيس يساعد إيران على تحقيق طموحاتها البحرية.
فسلطنة عُمان أشبه ما تكون بالجزيرة، وباستثناء الوصلة الهامشية المأهولة في ظفار التي تربطها بمناطق جنوب اليمن، فهي تعتبر مغلقة أو معزولة عن المناطق الداخلية من شبه الجزيرة العربية بوجود مرتفعات الباطنة والربع الخالي، كما أنها محاطة بالمياه من الجوانب الثلاثة الأخرى. ومن الناحية الجغرافية السياسية، تعد السلطنة «الجائزة الكبرى» بحق لكل من يسعى لإظهار القوة البحرية في المحيط الهندي.
في الوقت الراهن تحاول إيران تنفيذ بعض خطط الشاه القديمة القاضية ببناء بحرية المياه الزرقاء مع وجود سلطنة عُمان كمرفق مهم لرسوّ السفن عبر الحدود البالغة 400 كيلومتر. ووفقا للأميرال زماني، في عام 2012، شرعت إيران في تصميم وبناء نظم الدفع النووي لغواصاتها بالفعل. وقال زماني حول ذلك: «بما أننا نمتلك التكنولوجيا النووية السلمية، بإمكاننا تنفيذ برامج بناء أنظمة محركات الغواصات النووية. إن لكل دولة الحق في استخدام التكنولوجيا النووية السلمية فيما يخص نظم دفع السفن». والحقيقة أن إيران باشرت بناء الغواصات عام 2011 من أجل منح مؤسستها العسكرية «السلاح الأكثر تطورًا» والمحافظة على الأمن في مضيق هرمز. وعن هذا يقول زماني: «ليست لدينا أهداف عدوانية، ولكن إذا تعرضنا للهجوم فسوف ندافع عن أنفسنا».
تمتلك البحرية الإيرانية حاليًا 26 غواصة، بما في ذلك 3 غواصات روسية من طراز كيلو الهجومية، و12 غواصة صغيرة، وفقا للمصادر الإيرانية. وخلال زيارته إلى موسكو الشهر الماضي، امتدح الأميرال سياري «النجاح الإيراني في إصلاح الغواصات الثقيلة»، قائلا: «إن القدرات الوطنية الفائقة والامتياز في التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في السفن البحرية تعكس فشل العقوبات والضغوط التي يفرضها علينا أعداؤنا». ويزعم سياري أن إيران واحدة من بين عدد قليل من الدول التي يمكنها تنفيذ عمليات الإصلاح الكاملة أو الجزئية للغواصات.
من ناحية أخرى، ليس مفاجئا أن تحتل سلطنة عُمان تلك المكانة البارزة في التخطيط الإيراني الطويل الأجل حيال إظهار القوة البحرية. ويؤمن الجانب العُماني بأن السلطنة مدينة لإيران بجميل مساعدتها في سحق التمرد الشيوعي الذي استهدف السلطنة في ظفار من جنوب اليمن في فترة السبعينات. وفي بادرة للصداقة ناحية سلطنة عُمان، رفضت إيران خلال السبعينات طلبا من شيوخ خصب وديا، في شبه جزيرة مسندم، معقل قبائل الشحوح والكمازرة (سكان قرية كمزار) بالانفصال عن السلطنة وإعلان دويلات صغيرة مستقلة تحت حكمهم.
عُمان.. والسعي لمكانة سياسية متميزة
اللافت في هذا السياق أن السلطان قابوس كان الزعيم العربي الوحيد الذي حضر في احتفالات عام 1971 بتأسيس الإمبراطورية الفارسية، حين أرسلت الدول الأخرى فقد أرسلت ممثلين عنها من مستويات أدنى، احتجاجا على احتلال إيران جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التابعة لإمارتي رأس الخيمة والشارقة، إبان الحماية البريطانية. كذلك كانت سلطنة عُمان أيضا الدولة العربية الوحيدة التي وقفت بجانب مصر بشأن اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
وتعد مغازلة سلطنة عُمان اليوم جزءا من سياسة أكبر وأوسع للجمهورية الإسلامية من أجل بسط، لمنطقة الخليج على حساب الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، من خلال إقناع أو تهديد تلك الدول بعدم اتخاذ أي جانب معين حال أي صراع ينشأ بين إيران وخصومها داخل أو خارج المنطقة. وحتى الآن، تمكنت سلطنة عُمان من تدشين وتنفيذ سياسة خارجية خالية من المشكلات. ولكن لأي مدى يمكنها الآن وسلطنة عُمان الصديقة من الأصول الكبيرة بالنسبة لسياسة الأمن القومي الإيرانية، ناهيكم عن طموحاتها التوسعية الإقليمية. أما سلطنة عُمان المعادية، فقد تجبر خبراء الاستراتيجية الإيرانيين على التفكير مليا قبل أن يحاولوا ابتلاع أكثر مما يمكنهم هضمه.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».