وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

لافروف.. صانع التحولات

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»
TT

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

كلاعب شطرنج محترف، استغل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ما عرف بأنه «تعبير مجازي» أو «خطوة عفوية»، قام بها نظيره الأميركي جون كيري في مؤتمر صحافي بلندن، عندما أعلن أن الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يتفادى ضربة عسكرية، إذا قام بتسليم كل ترسانته الكيماوية إلى الأمم المتحدة، في غضون أسبوع. وكان كيري يجيب عن سؤال عابر لصحافي مستفسرا عن إمكانية تفادي ضربة عسكرية قد تُوجّه لدمشق.

وفي غضون ساعات قليلة، نجح لافروف في استغلال تلك التصريحات، التي حاولت الخارجية الأميركية التقليل من شأنها، وعدتها «تعبيرا مجازيا»، وقام بما يسمى في لغة الشطرنج التي يجيدها «كش ملك»، ممسكا بالمقترح الأميركي، مقنعا الرئيس السوري بالامتثال له، ليتحول المشهد كله في ساعات قليلة في اتجاه مضاد، بعدما كانت قضية توجيه ضربة عسكرية إلى دمشق مسألة وقت ليس إلا.

ظهر لافروف (63 عاما) مقتدرا في إدارة دفة الأزمة السورية وتولى قيادتها، واضعا خطة مربحة لكل الأطراف. فقد استفادت روسيا من الاتفاق الروسي - الأميركي حول سوريا، بالظهور بمظهر الدولة العظمى القوية، صاحبة النفوذ، القادرة على التأثير في الأحداث الدولية. وقد جذب الوزير الروسي أنظار كثير من المحللين والسياسيين بعد نجاحه في عقد اتفاق «الكيماوي»، وارتفعت أسهمه على الساحة العالمية، وتساءل كثير من المحللين السياسيين، كيف تحقق هذا الإنجاز الفريد، بعد أن وقف بمفرده تقريبا، يتحدى على مدى عامين كل المحاولات الغربية لفرض بعض الإجراءات ضد النظام السوري. وكيف استطاع لافروف تغيير مسار اللعبة السياسية بهذه السرعة، وأجبر الولايات المتحدة على اللعب وفقا لقواعده، وأمسك في يده بكل خيوط اللعبة؟ فمن هذا الدبلوماسي المخضرم الذي طغى بشخصيته النافذة على كل أحاديث الساسة حول سوريا؟

ولد سيرغي لافروف في 21 مارس (آذار) عام 1950 في موسكو لأب أرمني وأم روسية من جورجيا كانت تعمل موظفة في وزارة التجارة الخارجية الروسية. وعلى الرغم من تفوقه الدراسي في العلوم الفيزيائية، فإن والدته أقنعته باختيار المجال الدبلوماسي، ولذا شق لافروف طريقه إلى معهد موسكو للعلاقات الدولية (MGIMO) المعروف بمكانته المرموقة، حيث درس لافروف الإنجليزية والفرنسية، واللغة السنغالية. وبعد تخرجه عام 1972 كانت أول مهمة له في عمله بوزارة الخارجية الروسية هي التدريب على اللغة السنهالية (لغة سيري لانكا)، تلتها أربع سنوات من العمل مع السفير الروسي في سريلانكا. وعاد للخارجية الروسية عام 1976 ليعمل في إدارة العلاقات الدولية.

وفي عام 1981، أُرسِل لافروف في منصب سكرتير أول ضمن فريق البعثة الروسية إلى الولايات المتحدة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 عاد لافروف إلى وزارة الخارجية الروسية ليعمل مع الوزير الإصلاحي أندري كوزيريف، وفي عام 1992 رقي إلى منصب نائب وزير. وفي عام 1994 عاد مرة أخرى إلى نيويورك ممثلا لروسيا لدى الأمم المتحدة، وكان من أهم القضايا التي شارك في مناقشتها الوضع في يوغوسلافيا، وقضايا الشرق الأوسط، وقضايا مكافحة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر، وما نتج عنها من عمليات عسكرية أميركية في أفغانستان والعراق. وفي مارس 2004 عينه فلاديمير بوتين وزيرا للخارجية خلفا لإيغور إيفانوف. وأعاد الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف تعيينه في مايو (أيار) 2012.

وبدأ سيرغي لافروف حياته الدبلوماسية منذ عهد بريجنيف، واكتسب كثيرا من المهارات التي شكلت قدراته الجدالية ومهاراته في التفاوض، وقد نجح في كثير من المواقف في فرض رؤيته على نظرائه من الدبلوماسيين، وربما يكون أحد وزراء الخارجية الأكثر فعالية ونفوذا اليوم لتجسيد عودة روسيا إلى المسرح العالمي.

لكن مسؤولا سابقا في إدارة الرئيس السابق جورج بوش انتقد أسلوب لافروف، ووصفة بالرجل الأحمق، وقال (رافضا نشر اسمه) إنه صنع شهرته واجتذب المعجبين به فقط بسبب استعداده المتواصل لمهاجمة الولايات المتحدة علنا، كلما سنحت له الفرصة، وكلما كان ذلك ممكنا. ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع الرجل وسياساته واتجاهاته، فإنه حفر لنفسه مكانة متميزة في التاريخ الروسي بصفته الرجل الذي أعاد لروسيا نفوذها، وأعادها بقوة إلى المسرح الدولي.

يقول جيمس جيفري الزميل الزائر بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن روسيا لعبت بشكل ذكي في سوريا بأوراق لعب محدودة، باستخدام شحنات الأسلحة، وبحق النقض في الأمم المتحدة، وبالمناورات البحرية لحماية مصالحها ودعم حليفها الأسد. ويؤكد وايت أن جعل روسيا شريكا للولايات المتحدة في حل الأزمة السورية، هو اعتراف رسمي من الولايات المتحدة بزيادة نفوذ روسيا. ويقول أندرو كوشينز، الخبير الدولي المتخصص في السياسات الروسية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (CSIS)، إن سياسات بوتين ولافروف أعطت لروسيا اليد العليا في إدارة الملف على الرئيس أوباما، مشيرا إلى أن اندفاع روسيا لإقناع الأسد على التخلي بسهولة عن ترسانته الكيماوية التي عمل هو ووالده على تكوينها، يشير إلى أن روسيا كانت تعلم بفحوى نتائج تقرير مفتشي الأمم المتحدة، والأدلة الدامغة التي تشير منطقيا إلى مسؤولية الأسد وقواته عن الحادث، وأن مزاعمها أن المعارضة السورية هي التي ارتكبت الهجوم محض هراء، مما سيؤدي إلى تقويض الموقف الروسي، وجعل روسيا منبوذة عالميا لدفاعها عن مجرم حرب.

ويصف كوشينز التكتيك الروسي بأنه مثل «إخراج أرنب من قبعة الحاوي»، لأننا الآن أصبحنا نري طريقا دبلوماسيا لتدمير ترسانة سوريا الكيماوية.

ويبدو أن كيمياء خاصة بين وزير الخارجية الروسي لافروف ونظيره الأميركي كيري قد مهدت لهذه الانفراجة الدبلوماسية؛ فعلى مدى أكثر من عامين، تمسك لافروف بلغة متحدية في محادثاته حول الأزمة السورية، ولم تكن تلك الكيمياء موجودة مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون.

وقد أظهر كثير من اللقاءات بين كيري ولافروف قدرا من التقارب بين الرجلين، وظهرا متفاهمين في اللقطات التي جمعتهما معا. وفي أحيان أخرى أظهرت اللقاءات قدرا من الحذر والقلق والترقب من وزير الخارجية الأميركي تجاه نظيره الروسي. وقد ظهر ذلك واضحا في المؤتمر الصحافي بين الوزيرين، الأسبوع الماضي، حين طلب كيري من المترجم إعادة ترجمة تصريحات لافروف، بعد أن انقطعت الترجمة لفترة وجيزة. وأكد لافروف لكيري أنه لم يغب عنه شيء يثير قلقه، وقال له: «لا تقلق يا جون»، فرد كيري: «هل تريدني أن أثق في كلمتك، ربما ما زال الوقت مبكرا لذلك». وقد علقت وسائل الإعلام الأميركية على هذا الحديث الذي بدا باسما، لكنه عكس كثيرا من التوتر والقلق.

ولم تكن علاقة لافروف بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون هادئة، بل شابها كثير من الخلافات والاعتراضات المثيرة للجدل، خاصة خلال الأزمة السورية، وفشلت كل محاولات كلينتون لإقناع لافروف بالعمل بشكل جماعي داخل مجلس الأمن. وخلال اجتماع لافروف وكلينتون في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011، جاء لافروف كعادته يقرأ ورقة «نقاط الحديث»، التي أعدها له مساعدوه، وهو تكتيك لافروف المفضل في كل اجتماع رفيع المستوى يشارك فيه، حيث يلقي بكثير من النقاط من أهمية السلام ومخاطر الحرب، إلى الشكوى من ضعف الطلب الأميركي على شراء معدات لروسية لإمداد الجيش الأفغاني بها. وقاطعته كلينتون قائلة: «سيرغي.. ماذا عن سوريا؟!».

وتزايدت الفجوة مع انتقادات كلينتون لنتائج الانتخابات البرلمانية الروسية عام 2011، وانتقاداتها لانتهاكات روسيا في مجال حقوق الإنسان.

ويبدو أن لافروف لا يجيد التعامل مع وزيرات الخارجية الأميركيات، فقد اشتبك علنا مع وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس خلال لقائهما في ألمانيا، في مايو 2007، حيث تبادل الاثنان انتقادات لاذعة في مؤتمر صحافي حول خطط الولايات المتحدة لتثبيت نظام الدفاع الصاروخي في أوروبا.

وسخر لافروف من ادعاء الولايات المتحدة أن النظام الصاروخي لا يستهدف روسيا. ونوهت كوندوليزا رايس إلى تصريحات بوتين بقدرات الصواريخ الروسية على تدمير أي نظام صاروخي تبنيه الولايات المتحدة، فرد لافروف سريعا، وقال: «آمل أن لا يُضطر أحد لإثبات صحة ذلك، وأن كوندي على حق».

ويقول فيودور لوكيانوف رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع في موسكو، وهو مركز بحثي متخصص في العلاقات الخارجية، إن لافروف بارع ويحترم الأداء المهني الاحترافي، خاصة عندما يجد ذلك في نظرائه من الوزراء الأجانب، وهو يضع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في هذا التصنيف، ويقول: «إن لافروف يستمتع بالحديث إلى الأشخاص المحترفين، ويسأم الحديث إلى غير المهنيين، ومع كيري يجد الحديث مثيرا للاهتمام، وعلى الرغم من التطورات المتقلبة في الأزمة السورية، فإن الرجلين حافظا على علاقة جيدة».

يتحدث لافروف الإنجليزية بطلاقة، وقد عاش في مدينة نيويورك لأكثر من 15 عاما، عندما تولى منصب ممثل روسيا في الأمم المتحدة، مصطحبا أسرته، وقد تخرجت ابنته الوحيدة ايكاترينا في جامعة كولومبيا بنيويورك. وخلال عمله بالأمم المتحدة، أثبت لافروف قدرا كبيرا من المثابرة والتصميم والمعرفة الواسعة بالقوانين الدبلوماسية، واستخدم كثيرا من الإجراءات والقواعد لتحقيق أهداف روسية بامتياز.

والمعروف عن لافروف أنه حاسم في قراراته وصلب في مواقفه، وكما يقول الأميركيون إنه لا يقبل الإجابة بـ«لا» على مطالبه. ويحكي أحد الدبلوماسيين بالأمم المتحدة أنه عندما أصدرت بلدية مدينة نيويورك قرارا بمنع التدخين داخل المباني عام 2003، قام المسؤولون في المقر الشرقي بالأمم المتحدة بالامتثال للقرار، عدا مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة سيرغي لافروف، الذي رفض تنفيذ القرار واستمر يدخن سجائره، بحجة أن المنظمة الدولية لا تخضع لقوانين بلدية نيويورك. وقد تصدرت تلك القصة عناوين الصحف الأميركية في عام 2003، عندما أدان لافروف حظر التدخين داخل الأمم المتحدة، واعتبره انتهاكا لحقوقه الدبلوماسية.

وأشار أحد السفراء الأوروبيين الذين عملوا مع لافروف في الأمم المتحدة (رفض نشر اسمه) إلى أن لافروف كان عادة ما يهيمن على مجلس الأمن بملاحظاته وجداله وشخصيته النافذة، وكان معروفا عنه حب التدخين وشرب أفضل أنواع الويسكي والنبيذ الفاخر، وارتداء الملابس الإيطالية. ويقول: «كان لافروف يستحوذ على انتباه الحاضرين في مجلس الأمن بمعرفته الشاملة والدقيقة لما يحدث، وقدرته على التدخل وتغيير فحوى النقاش إلى الاتجاه الذي يريده».

ويقال إن لافروف يهوى العزف على الغيتار وكتابة القصائد والأغاني، وعندما يشعر بالملل في لقاءات وجلسات الأمم المتحدة، فإنه يقوم بالرسم على الأوراق أمامه. وبحسب الصحف الروسية، فإنه يعشق التجديف ورحلات الصيد في الغابات.

وأشار جون نيغروبونتي السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة الذي عمل معه في مجلس الأمن إلى أن لافروف لا يزال يمارس قواعد اللعبة نفسها التي مارسها في الأمم المتحدة في نيويورك، وإنما يمارسها اليوم من وزارة الخارجية الروسية في موسكو.

ويضيف أن «صلابة لافروف تأتي من موقف وطني؛ فهو يعتقد أن فترة التسعينات كانت وقتا ضائعا لروسيا وفترة امتهان، وطموحه الشخصي هو استعادة مكانة روسيا. إنها سياسته الخارجية».

وحول مواقفه المناهضة للولايات المتحدة يقول نيغروبونتي: «مواقفه المضادة لأميركا تكتيك وليست استراتيجية، لأن بوصلته الأخلاقية تتجه ناحية الدولة الروسية». يقول عنه ديمتري سيميز رئيس مركز المصالح القومية (وهو مركز معني بالشؤون الخارجية في واشنطن) إن لافروف يتسم بشخصية عنيدة أكثر من الدبلوماسيين الروس الآخرين، وقد اختاره فلاديمير بوتين عام 2004 ليتولى منصب وزير الخارجية، لأنه رأى فيه روحا حاسمة وقادرة على الوقوف لما فيه مصالح روسيا، وأنه لن يتردد في توجيه انتقادات لاذعة خلال المناقشات، والدخول في جدل قانوني ينتهي لصالحه. وأضاف: «لقد اختاره بوتين في مهمة للتأكيد على القوة الروسية والكبرياء الروسية، وهذا ما يجيده لافروف».

وفي حوار صحافي أجرته سوزان غلاسر رئيسة تحرير مجلة «فورين بوليسي» في مارس الماضي بالعاصمة الروسية موسكو، بدا لافروف فخورا بإنجازاته في استعادة نفوذ روسيا على المسرح الدولي، وقال للمجلة: «لقد تمكنت من استعادة النفوذ الروسي في أوروبا بعد الهزيمة في حرب القرم، وقد فعلت ذلك دون تحريك بندقية واحدة.. فعلتها من خلال الدبلوماسية فقط».

وتحدث بحسم عن أن روسيا ليس لديها أي نية لاتباع خطى الولايات المتحدة في العالم العربي أو في أي مكان آخر، مؤكدا أن روسيا أصبحت أقوى اقتصاديا، واستطاعت حل مشكلات اجتماعية كثيرة، ونجحت في رفع مستوى المعيشة، وأن هناك تغييرات كثيرة في السياسة الخارجية الروسية، حيث أصبحت روسيا أكثر حزما.

وقد كتبت سوزان غلاسر في مقال رأيها حول موقف لافروف المساند للنظام السوري، وقالت: «كل الذين تحدثت معهم من لافروف نفسه إلى خصومه السياسيين أكدوا لي أن لافروف إذا كان لديه شك في أن وضع الأسد ميؤوس منه، لكان تخلى عن دعمه له، لكن معركة لافروف ليست لمنع التدخل الغربي في سوريا، وإنما لمنعه عن التدخل في روسيا، فكل ما يهم لافروف ورئيسه في الكرملين، هو قدره روسيا على القيام بما تريده على الأرض». وقد شغل لافروف منصب وزير الخارجية الروسي لما يقرب من عقد من الزمن تقريبا، ليضرب رقما قياسيا أكبر من أي وزير خارجية روسي قبله. وتقول رئيسة تحرير مجلة «فورين بوليسي» إنها سألت عن أسباب استمرار لافروف في منصب وزير الخارجية وإعادة اختياره للمنصب عندما عاد بوتين إلى الرئاسة العالم الماضي، على الرغم من الشائعات الكثيرة التي روجت لاعتزال لافروف لمنصبه. وتقول جاءها الرد من أكثر من مسؤول روسي وباحثين روس.. «إنه الرجل المثالي لهذا المنصب».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.