وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

لافروف.. صانع التحولات

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»
TT

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

وزير الخارجية الروسي سطع نجمه كظهير مدافع عن «جرائم» الأسد في «أسوأ محنة عرفتها سوريا»

كلاعب شطرنج محترف، استغل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ما عرف بأنه «تعبير مجازي» أو «خطوة عفوية»، قام بها نظيره الأميركي جون كيري في مؤتمر صحافي بلندن، عندما أعلن أن الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يتفادى ضربة عسكرية، إذا قام بتسليم كل ترسانته الكيماوية إلى الأمم المتحدة، في غضون أسبوع. وكان كيري يجيب عن سؤال عابر لصحافي مستفسرا عن إمكانية تفادي ضربة عسكرية قد تُوجّه لدمشق.

وفي غضون ساعات قليلة، نجح لافروف في استغلال تلك التصريحات، التي حاولت الخارجية الأميركية التقليل من شأنها، وعدتها «تعبيرا مجازيا»، وقام بما يسمى في لغة الشطرنج التي يجيدها «كش ملك»، ممسكا بالمقترح الأميركي، مقنعا الرئيس السوري بالامتثال له، ليتحول المشهد كله في ساعات قليلة في اتجاه مضاد، بعدما كانت قضية توجيه ضربة عسكرية إلى دمشق مسألة وقت ليس إلا.

ظهر لافروف (63 عاما) مقتدرا في إدارة دفة الأزمة السورية وتولى قيادتها، واضعا خطة مربحة لكل الأطراف. فقد استفادت روسيا من الاتفاق الروسي - الأميركي حول سوريا، بالظهور بمظهر الدولة العظمى القوية، صاحبة النفوذ، القادرة على التأثير في الأحداث الدولية. وقد جذب الوزير الروسي أنظار كثير من المحللين والسياسيين بعد نجاحه في عقد اتفاق «الكيماوي»، وارتفعت أسهمه على الساحة العالمية، وتساءل كثير من المحللين السياسيين، كيف تحقق هذا الإنجاز الفريد، بعد أن وقف بمفرده تقريبا، يتحدى على مدى عامين كل المحاولات الغربية لفرض بعض الإجراءات ضد النظام السوري. وكيف استطاع لافروف تغيير مسار اللعبة السياسية بهذه السرعة، وأجبر الولايات المتحدة على اللعب وفقا لقواعده، وأمسك في يده بكل خيوط اللعبة؟ فمن هذا الدبلوماسي المخضرم الذي طغى بشخصيته النافذة على كل أحاديث الساسة حول سوريا؟

ولد سيرغي لافروف في 21 مارس (آذار) عام 1950 في موسكو لأب أرمني وأم روسية من جورجيا كانت تعمل موظفة في وزارة التجارة الخارجية الروسية. وعلى الرغم من تفوقه الدراسي في العلوم الفيزيائية، فإن والدته أقنعته باختيار المجال الدبلوماسي، ولذا شق لافروف طريقه إلى معهد موسكو للعلاقات الدولية (MGIMO) المعروف بمكانته المرموقة، حيث درس لافروف الإنجليزية والفرنسية، واللغة السنغالية. وبعد تخرجه عام 1972 كانت أول مهمة له في عمله بوزارة الخارجية الروسية هي التدريب على اللغة السنهالية (لغة سيري لانكا)، تلتها أربع سنوات من العمل مع السفير الروسي في سريلانكا. وعاد للخارجية الروسية عام 1976 ليعمل في إدارة العلاقات الدولية.

وفي عام 1981، أُرسِل لافروف في منصب سكرتير أول ضمن فريق البعثة الروسية إلى الولايات المتحدة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 عاد لافروف إلى وزارة الخارجية الروسية ليعمل مع الوزير الإصلاحي أندري كوزيريف، وفي عام 1992 رقي إلى منصب نائب وزير. وفي عام 1994 عاد مرة أخرى إلى نيويورك ممثلا لروسيا لدى الأمم المتحدة، وكان من أهم القضايا التي شارك في مناقشتها الوضع في يوغوسلافيا، وقضايا الشرق الأوسط، وقضايا مكافحة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر، وما نتج عنها من عمليات عسكرية أميركية في أفغانستان والعراق. وفي مارس 2004 عينه فلاديمير بوتين وزيرا للخارجية خلفا لإيغور إيفانوف. وأعاد الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف تعيينه في مايو (أيار) 2012.

وبدأ سيرغي لافروف حياته الدبلوماسية منذ عهد بريجنيف، واكتسب كثيرا من المهارات التي شكلت قدراته الجدالية ومهاراته في التفاوض، وقد نجح في كثير من المواقف في فرض رؤيته على نظرائه من الدبلوماسيين، وربما يكون أحد وزراء الخارجية الأكثر فعالية ونفوذا اليوم لتجسيد عودة روسيا إلى المسرح العالمي.

لكن مسؤولا سابقا في إدارة الرئيس السابق جورج بوش انتقد أسلوب لافروف، ووصفة بالرجل الأحمق، وقال (رافضا نشر اسمه) إنه صنع شهرته واجتذب المعجبين به فقط بسبب استعداده المتواصل لمهاجمة الولايات المتحدة علنا، كلما سنحت له الفرصة، وكلما كان ذلك ممكنا. ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع الرجل وسياساته واتجاهاته، فإنه حفر لنفسه مكانة متميزة في التاريخ الروسي بصفته الرجل الذي أعاد لروسيا نفوذها، وأعادها بقوة إلى المسرح الدولي.

يقول جيمس جيفري الزميل الزائر بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن روسيا لعبت بشكل ذكي في سوريا بأوراق لعب محدودة، باستخدام شحنات الأسلحة، وبحق النقض في الأمم المتحدة، وبالمناورات البحرية لحماية مصالحها ودعم حليفها الأسد. ويؤكد وايت أن جعل روسيا شريكا للولايات المتحدة في حل الأزمة السورية، هو اعتراف رسمي من الولايات المتحدة بزيادة نفوذ روسيا. ويقول أندرو كوشينز، الخبير الدولي المتخصص في السياسات الروسية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (CSIS)، إن سياسات بوتين ولافروف أعطت لروسيا اليد العليا في إدارة الملف على الرئيس أوباما، مشيرا إلى أن اندفاع روسيا لإقناع الأسد على التخلي بسهولة عن ترسانته الكيماوية التي عمل هو ووالده على تكوينها، يشير إلى أن روسيا كانت تعلم بفحوى نتائج تقرير مفتشي الأمم المتحدة، والأدلة الدامغة التي تشير منطقيا إلى مسؤولية الأسد وقواته عن الحادث، وأن مزاعمها أن المعارضة السورية هي التي ارتكبت الهجوم محض هراء، مما سيؤدي إلى تقويض الموقف الروسي، وجعل روسيا منبوذة عالميا لدفاعها عن مجرم حرب.

ويصف كوشينز التكتيك الروسي بأنه مثل «إخراج أرنب من قبعة الحاوي»، لأننا الآن أصبحنا نري طريقا دبلوماسيا لتدمير ترسانة سوريا الكيماوية.

ويبدو أن كيمياء خاصة بين وزير الخارجية الروسي لافروف ونظيره الأميركي كيري قد مهدت لهذه الانفراجة الدبلوماسية؛ فعلى مدى أكثر من عامين، تمسك لافروف بلغة متحدية في محادثاته حول الأزمة السورية، ولم تكن تلك الكيمياء موجودة مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون.

وقد أظهر كثير من اللقاءات بين كيري ولافروف قدرا من التقارب بين الرجلين، وظهرا متفاهمين في اللقطات التي جمعتهما معا. وفي أحيان أخرى أظهرت اللقاءات قدرا من الحذر والقلق والترقب من وزير الخارجية الأميركي تجاه نظيره الروسي. وقد ظهر ذلك واضحا في المؤتمر الصحافي بين الوزيرين، الأسبوع الماضي، حين طلب كيري من المترجم إعادة ترجمة تصريحات لافروف، بعد أن انقطعت الترجمة لفترة وجيزة. وأكد لافروف لكيري أنه لم يغب عنه شيء يثير قلقه، وقال له: «لا تقلق يا جون»، فرد كيري: «هل تريدني أن أثق في كلمتك، ربما ما زال الوقت مبكرا لذلك». وقد علقت وسائل الإعلام الأميركية على هذا الحديث الذي بدا باسما، لكنه عكس كثيرا من التوتر والقلق.

ولم تكن علاقة لافروف بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون هادئة، بل شابها كثير من الخلافات والاعتراضات المثيرة للجدل، خاصة خلال الأزمة السورية، وفشلت كل محاولات كلينتون لإقناع لافروف بالعمل بشكل جماعي داخل مجلس الأمن. وخلال اجتماع لافروف وكلينتون في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011، جاء لافروف كعادته يقرأ ورقة «نقاط الحديث»، التي أعدها له مساعدوه، وهو تكتيك لافروف المفضل في كل اجتماع رفيع المستوى يشارك فيه، حيث يلقي بكثير من النقاط من أهمية السلام ومخاطر الحرب، إلى الشكوى من ضعف الطلب الأميركي على شراء معدات لروسية لإمداد الجيش الأفغاني بها. وقاطعته كلينتون قائلة: «سيرغي.. ماذا عن سوريا؟!».

وتزايدت الفجوة مع انتقادات كلينتون لنتائج الانتخابات البرلمانية الروسية عام 2011، وانتقاداتها لانتهاكات روسيا في مجال حقوق الإنسان.

ويبدو أن لافروف لا يجيد التعامل مع وزيرات الخارجية الأميركيات، فقد اشتبك علنا مع وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس خلال لقائهما في ألمانيا، في مايو 2007، حيث تبادل الاثنان انتقادات لاذعة في مؤتمر صحافي حول خطط الولايات المتحدة لتثبيت نظام الدفاع الصاروخي في أوروبا.

وسخر لافروف من ادعاء الولايات المتحدة أن النظام الصاروخي لا يستهدف روسيا. ونوهت كوندوليزا رايس إلى تصريحات بوتين بقدرات الصواريخ الروسية على تدمير أي نظام صاروخي تبنيه الولايات المتحدة، فرد لافروف سريعا، وقال: «آمل أن لا يُضطر أحد لإثبات صحة ذلك، وأن كوندي على حق».

ويقول فيودور لوكيانوف رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع في موسكو، وهو مركز بحثي متخصص في العلاقات الخارجية، إن لافروف بارع ويحترم الأداء المهني الاحترافي، خاصة عندما يجد ذلك في نظرائه من الوزراء الأجانب، وهو يضع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في هذا التصنيف، ويقول: «إن لافروف يستمتع بالحديث إلى الأشخاص المحترفين، ويسأم الحديث إلى غير المهنيين، ومع كيري يجد الحديث مثيرا للاهتمام، وعلى الرغم من التطورات المتقلبة في الأزمة السورية، فإن الرجلين حافظا على علاقة جيدة».

يتحدث لافروف الإنجليزية بطلاقة، وقد عاش في مدينة نيويورك لأكثر من 15 عاما، عندما تولى منصب ممثل روسيا في الأمم المتحدة، مصطحبا أسرته، وقد تخرجت ابنته الوحيدة ايكاترينا في جامعة كولومبيا بنيويورك. وخلال عمله بالأمم المتحدة، أثبت لافروف قدرا كبيرا من المثابرة والتصميم والمعرفة الواسعة بالقوانين الدبلوماسية، واستخدم كثيرا من الإجراءات والقواعد لتحقيق أهداف روسية بامتياز.

والمعروف عن لافروف أنه حاسم في قراراته وصلب في مواقفه، وكما يقول الأميركيون إنه لا يقبل الإجابة بـ«لا» على مطالبه. ويحكي أحد الدبلوماسيين بالأمم المتحدة أنه عندما أصدرت بلدية مدينة نيويورك قرارا بمنع التدخين داخل المباني عام 2003، قام المسؤولون في المقر الشرقي بالأمم المتحدة بالامتثال للقرار، عدا مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة سيرغي لافروف، الذي رفض تنفيذ القرار واستمر يدخن سجائره، بحجة أن المنظمة الدولية لا تخضع لقوانين بلدية نيويورك. وقد تصدرت تلك القصة عناوين الصحف الأميركية في عام 2003، عندما أدان لافروف حظر التدخين داخل الأمم المتحدة، واعتبره انتهاكا لحقوقه الدبلوماسية.

وأشار أحد السفراء الأوروبيين الذين عملوا مع لافروف في الأمم المتحدة (رفض نشر اسمه) إلى أن لافروف كان عادة ما يهيمن على مجلس الأمن بملاحظاته وجداله وشخصيته النافذة، وكان معروفا عنه حب التدخين وشرب أفضل أنواع الويسكي والنبيذ الفاخر، وارتداء الملابس الإيطالية. ويقول: «كان لافروف يستحوذ على انتباه الحاضرين في مجلس الأمن بمعرفته الشاملة والدقيقة لما يحدث، وقدرته على التدخل وتغيير فحوى النقاش إلى الاتجاه الذي يريده».

ويقال إن لافروف يهوى العزف على الغيتار وكتابة القصائد والأغاني، وعندما يشعر بالملل في لقاءات وجلسات الأمم المتحدة، فإنه يقوم بالرسم على الأوراق أمامه. وبحسب الصحف الروسية، فإنه يعشق التجديف ورحلات الصيد في الغابات.

وأشار جون نيغروبونتي السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة الذي عمل معه في مجلس الأمن إلى أن لافروف لا يزال يمارس قواعد اللعبة نفسها التي مارسها في الأمم المتحدة في نيويورك، وإنما يمارسها اليوم من وزارة الخارجية الروسية في موسكو.

ويضيف أن «صلابة لافروف تأتي من موقف وطني؛ فهو يعتقد أن فترة التسعينات كانت وقتا ضائعا لروسيا وفترة امتهان، وطموحه الشخصي هو استعادة مكانة روسيا. إنها سياسته الخارجية».

وحول مواقفه المناهضة للولايات المتحدة يقول نيغروبونتي: «مواقفه المضادة لأميركا تكتيك وليست استراتيجية، لأن بوصلته الأخلاقية تتجه ناحية الدولة الروسية». يقول عنه ديمتري سيميز رئيس مركز المصالح القومية (وهو مركز معني بالشؤون الخارجية في واشنطن) إن لافروف يتسم بشخصية عنيدة أكثر من الدبلوماسيين الروس الآخرين، وقد اختاره فلاديمير بوتين عام 2004 ليتولى منصب وزير الخارجية، لأنه رأى فيه روحا حاسمة وقادرة على الوقوف لما فيه مصالح روسيا، وأنه لن يتردد في توجيه انتقادات لاذعة خلال المناقشات، والدخول في جدل قانوني ينتهي لصالحه. وأضاف: «لقد اختاره بوتين في مهمة للتأكيد على القوة الروسية والكبرياء الروسية، وهذا ما يجيده لافروف».

وفي حوار صحافي أجرته سوزان غلاسر رئيسة تحرير مجلة «فورين بوليسي» في مارس الماضي بالعاصمة الروسية موسكو، بدا لافروف فخورا بإنجازاته في استعادة نفوذ روسيا على المسرح الدولي، وقال للمجلة: «لقد تمكنت من استعادة النفوذ الروسي في أوروبا بعد الهزيمة في حرب القرم، وقد فعلت ذلك دون تحريك بندقية واحدة.. فعلتها من خلال الدبلوماسية فقط».

وتحدث بحسم عن أن روسيا ليس لديها أي نية لاتباع خطى الولايات المتحدة في العالم العربي أو في أي مكان آخر، مؤكدا أن روسيا أصبحت أقوى اقتصاديا، واستطاعت حل مشكلات اجتماعية كثيرة، ونجحت في رفع مستوى المعيشة، وأن هناك تغييرات كثيرة في السياسة الخارجية الروسية، حيث أصبحت روسيا أكثر حزما.

وقد كتبت سوزان غلاسر في مقال رأيها حول موقف لافروف المساند للنظام السوري، وقالت: «كل الذين تحدثت معهم من لافروف نفسه إلى خصومه السياسيين أكدوا لي أن لافروف إذا كان لديه شك في أن وضع الأسد ميؤوس منه، لكان تخلى عن دعمه له، لكن معركة لافروف ليست لمنع التدخل الغربي في سوريا، وإنما لمنعه عن التدخل في روسيا، فكل ما يهم لافروف ورئيسه في الكرملين، هو قدره روسيا على القيام بما تريده على الأرض». وقد شغل لافروف منصب وزير الخارجية الروسي لما يقرب من عقد من الزمن تقريبا، ليضرب رقما قياسيا أكبر من أي وزير خارجية روسي قبله. وتقول رئيسة تحرير مجلة «فورين بوليسي» إنها سألت عن أسباب استمرار لافروف في منصب وزير الخارجية وإعادة اختياره للمنصب عندما عاد بوتين إلى الرئاسة العالم الماضي، على الرغم من الشائعات الكثيرة التي روجت لاعتزال لافروف لمنصبه. وتقول جاءها الرد من أكثر من مسؤول روسي وباحثين روس.. «إنه الرجل المثالي لهذا المنصب».



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».