تركيا ترى أفقاً لتسريع المحادثات مع سوريا وإحداث اختراق تطبيعي مع مصر

سياسة «الخطوة خطوة» ستطبَّق مع دمشق.. و«دبلوماسية الزلزال» قرّبتها مع القاهرة

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (أرشيفية - رويترز)
TT

تركيا ترى أفقاً لتسريع المحادثات مع سوريا وإحداث اختراق تطبيعي مع مصر

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو (أرشيفية - رويترز)

كشفت تركيا عن خطوات جديدة على طريق مسارَي تطبيع علاقاتها مع كل من مصر وسوريا تشي بالتقدم في المسارين بشكل أسرع في المرحلة المقبلة. وقال وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، إن اجتماعاً لوزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا وإيران سيُعقد في موسكو في أوائل مايو (أيار) المقبل سيمهد لعقد قمة بين رؤساء الدول الأربع. كما أعلن، في مقابلة تليفزيونية (الاثنين)، عن زيارة لوزير الخارجية المصري سامح شكري لأنقرة (قد تتم غداً «الأربعاء») يمكن أن يتم خلالها الإعلان عن تبادل تعيين السفراء بين البلدين.
وعلى الرغم من الطبيعة المعقدة لملف التطبيع بين أنقرة ودمشق فإنه بدا من خلال التطورات في الأيام الأخيرة أن التوافق بين الأطراف الأربعة لعملية التطبيع على الاستمرار في المحادثات لتحقيق مقاربات حول المطالب التي تبدو غير قابلة للتحقيق في المدى القصير وأهمها مطالبة دمشق بالانسحاب التركي من شمال سوريا كأساس لأي مفاوضات.
وكشفت مباحثات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لأنقرة، الجمعة الماضي، عن نية جميع الأطراف سواء التركي والسوري أو الروسي والإيراني في المضيّ قدماً في المحادثات واللقاءات ومحاولة التوصل إلى أسس لضمان تحقيق التطبيع بين أنقرة ودمشق بما يلبّي تطلعات الجانبين ويحقق أفضل تعاون في القضايا المطروحة، لا سيما التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية وتأمين الحدود التي تشكّل أولوية تركية، والذي تقول أنقرة إنه سبب وجود قواتها في شمال سوريا، فضلاً عن ملف اللاجئين الذي ترغب تركيا في الحصول على ضمانات من الحكومة تتعلق به أهمها العودة الآمنة وإعادة الممتلكات إلى السوريين الذين نزحوا بسبب الحرب.
وحسب مصادر دبلوماسية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» تدرك جميع الأطراف أن مسار التطبيع التركي - السوري هو عملية طويلة وشاقة وقد تشهد صعوداً وهبوطاً بين وقت وآخر، لكنّ هناك إصراراً من جانب روسيا على إنجاحها والحفاظ على قوة الدفع فيها، لأن عودة العلاقات بين أنقرة ودمشق ستسهم بشكل كبير في تحقيق الاستقرار.
وأكدت المصادر المنظور التركي للتطبيع وربطه بنجاح العملية السياسية في سوريا عبر مسار أستانة، الذي يشكل المسار الحي الوحيد النشط للحل السياسي، وأن وضع الدستور الجديد وإجراء الانتخابات وتحقيق الاستقرار في سوريا بما يضمن وحدتها، وأن مسألة الانسحاب العسكري التركي يمكن أن تتحقق في ظل ذلك لأن هدف تركيا من الوجود العسكري في شمال سوريا حالياً هو حماية أمن حدودها ومنع تشكيل ممر إرهابي في المنطقة والحفاظ على وحدة الأراضي السورية في مواجهة المخططات الانفصالية.
وكشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش، في تصريحاته (الاثنين)، عن أنه تم التركيز على الحوار بعد الاجتماع على مستوى نواب وزراء الخارجية في كل من تركيا وسوريا وروسيا وإيران، في موسكو الأسبوع الماضي، وجرى مناقشة عقد اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع خلال المباحثات مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، في أنقرة (الجمعة)، وكذلك خلال لقائه الرئيس رجب طيب إردوغان، وسيتم السير في خريطة الطريق التي بدأت فعلياً بالاجتماع الثلاثي لوزراء الدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات في تركيا وروسيا وسوريا في موسكو في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم انضمّت إيران إلى العملية، وأن خريطة الطريق تتضمن عقد لقاء لقادة الدول الأربع عقب اجتماع وزير الخارجية.
وحرص جاويش أوغلو على التأكيد على أن عقد لقاءات مع النظام السوري أو الأسد أو وزرائه سواء قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في تركيا في 14 مايو المقبل، أو بعدها لا يحقق فائدة لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم أو الرئيس إردوغان في الانتخابات، بل على العكس ربما يجلب الضرر، قائلاً: «لا نُجري حسابات انتخابية في هذا الموضوع».
ولفت إلى ضرورة إيجاد حل للأزمة المتواصلة منذ أكثر 11 عاماً في سوريا، وأن إحلال سلام دائم ضروري من أجل إعادة الإعمار أيضاً، وأن الهدف في النهاية من كل هذه اللقاءات هو إحياء المسار السياسي، وتحقيق الاستقرار والسلام الدائمين، ومكافحة الإرهاب، وضمان وحدة حدود سوريا وترابها، وعودة اللاجئين السوريين من تركيا والدول المجاورة الأخرى إلى بلادهم بشكل آمن».
وأشار إلى أن مجموعات مثل صيغة أستانة والمبادرات الدولية، اجتمعت لكن لم تتحقق أي نتائج بعد. وشدد على أن الحل الدائم والسلام في سوريا مهمان ليس فقط لها بل للجميع على حد سواء.
وأكد جاويش أوغلو أن التدخل العسكري في سوريا منع تشكيل ممر إرهابي على الحدود التركية - السورية، وأنه لم يكن ممكناً منع هذا الممر إلا عن طرق العمليات التركية ضد كل من «داعش» و«وحدات حماية الشعب»، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعدها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني في سوريا.
وأضاف الوزير التركي أن «الوحدات الكردية» لا تزال تشكّل تهديداً لتركيا وتحاول تقسيم سوريا، وأن «قسد» تنشط خصوصاً في شمال شرقي سوريا، لافتاً إلى أن «داعش» بات مشتتاً، لكن هناك خلايا تظهر من وقت لآخر، ونحتاج إلى حرب مشتركة ضد الإرهاب من جانب تركيا وسوريا ودول أخرى، لافتاً إلى أن إيران أيضاً لديها مشكلات بسبب «العمال الكردستاني».
وأوضح جاويش أوغلو أن هناك أكراداً في سوريا لا يتقبلون «وحدات حماية الشعب»، وأنه يجب التمييز بين الإرهابيين والأكراد بشكل جيد، لافتاً إلى أن أحد أسباب الوجود العسكري لتركيا في الشمال السوري هو إعادة السوريين من تركيا والدول المجاورة إلى بلادهم بأمان.

التطبيع مع مصر
وبالانتقال إلى ملف التطبيع مع مصر، يبدو أن المسار بدأ يتحرك بخطوات أكثر إيجابية وسرعة عقب اللقاء بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان في الدوحة في ديسمبر الماضي، والذي أكد جاويش أوغلو أنه شكّل نقلة نوعية في مسار التطبيع.
كما اكتسب هذا المسار دفعة قوية أيضاً عبر ما باتت تُعرف بـ«دبلوماسية الزلزال»، فقد كانت الوقفات التضامنية من جانب دول ارتبطت معها تركيا بخلافات مزمنة تتفاوت في شدتها، دافعاً إلى نوع من التقارب معها، ومنها اليونان، كأبرز الأمثلة، كما أن الموقف الذي أبدته مصر في ظل كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) المدمرين، كان فرصة لدفع مسار التطبيع وإكسابه زخماً أكبر كانت تبحث عنه أنقرة على مدى ما يقرب من عامين من انطلاقه، حيث شهد تباطؤاً وتعليقاً للاتصالات في بعض المراحل بسبب تباين الرؤى في بعض القضايا التي تشكّل أساساً للتطبيع، والتي يقول دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع في ليبيا ووجود القوات التركية والمرتزقة السوريين الذين دفعت بهم تركيا إلى غرب ليبيا، كان واحداً من أعقد ملفاتها.
لكن بدا عقب الزيارة التضامنية التي قام بها وزير الخارجية المصري لتركيا في فبراير الماضي، وإسراع مصر في تقديم المساعدات لمنكوبي الزلزال، أن ملف تطبيع العلاقات التي تدهورت على خلفية سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر في عام 2013... بدا أن المسار اكتسب قوة دفع كبيرة، وأن الخطوات ستتوالى من أجل إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
وأعلن جاويش أوغلو، الاثنين، عن احتمال الإعلان، غداً (الأربعاء)، خلال زيارة ينتظر أن يقوم بها وزير الخارجية المصري سامح شكري، لأنقرة بدعوة من جاويش أوغلو، وإصرارٍ منه على أن تتم خلال شهر رمضان، عن خطوة تبادل تعيين السفراء، التي كان ينتظر أن تُترك للقاء رئيسَي البلدين.
وقال جاويش أوغلو إن شكري سيزور تركيا هذا الأسبوع، مضيفاً: «إذا بقي اجتماع الرئيسين (السيسي وإردوغان) إلى ما بعد الانتخابات في تركيا، ربما يمكننا إعلان ذلك خلال زيارة شكري لأنقرة، وننتظره الأسبوع الحالي، وقد نصدر البيان يوم الأربعاء».
وتابع: «شكري زار المناطق المنكوبة بالزلزال في أضنة ومرسين، وتم استقبالنا بشكل جيد في القاهرة، كانت زيارتنا إيجابية للغاية، وحان الوقت الآن لاتخاذ خطوات ملموسة تدريجياً».
وذكر جاويش أوغلو: «قلنا إننا بدأنا العمل على تعيين السفراء، وبعد أن اتخذنا قراراً بإعادة تعيين السفراء، حددنا الأسماء، وفي النهاية نحن في هذه المرحلة، ويمكن توضيح ذلك خلال زيارة شكري. سوف نتشاور عند وصوله».
وزار جاويش أوغلو القاهرة في 18 مارس (آذار) الماضي، للمرة الأولى بعد نحو 10 سنوات توترت فيها العلاقات مع مصر بسبب موقف تركيا من سقوط حكم الإخوان المسلمين في 2013 ودعمها لهم، ما أدى لخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة القائم بالأعمال.
وأكد جاويش أوغلو، في تصريحات عقب الزيارة، أن نقطة التحول الأساسية في تطبيع العلاقات كانت لقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وعبد الفتاح السيسي في الدوحة على هامش افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم في ديسمبر الماضي. ووصف لقاءه وزير الخارجية المصري سامح شكري في القاهرة بـ«المثمر»، لافتاً إلى أن الجانبين اتفقا على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية إلى أعلى مستوى، وأنه وجه دعوة إلى شكري لزيارة أنقرة، وعبّر له عن رغبته باستضافته في تركيا خلال شهر رمضان على وجه الخصوص.
وعقب زيارته لمصر، قال جاويش أوغلو إنه قبل لقاء الرئيسين السيسي وإردوغان، لم يكن هناك اختراق في العلاقات وإن الأمر كان مقتصراً على مشاورات أمنية وعدد من اللقاءات الاستكشافية.
وبشأن الملف الليبي، الذي يعد واحداً من أهم الملفات التي توليها مصر اهتماماً في المحادثات مع تركيا، قال جاويش أوغلو إن «القضية التي لا ترتاح لها مصر هي وجودنا في ليبيا. ونحن نقول منذ البداية إن وجودنا هناك لا يشكل خطراً على مصر، وإن هذا الوجود جاء بناءً على دعوة من الحكومة الشرعية في ذلك الوقت (حكومة الوفاق الوطني السابقة برئاسة فائز السراج)، واستمر بناءً على رغبة الحكومات اللاحقة (حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة)، ونصرح دائماً بأن الوجود التركي ليس له أي آثار سلبية على مصر».
وأضاف أن أنقرة والقاهرة اتفقتا على مواصلة التشاور والتعاون الوثيق بشأن ليبيا، وأن مصر ترى أن الوجود التركي في ليبيا أو التعاون العسكري بين الجانبين لا يشكل تهديداً لها، موضحاً أن القاهرة لديها مخاوف أمنية تجاه إشكالية الاستقرار في ليبيا. وأكد أن «تركيا ومصر ليستا دولتين متنافستين على الساحة الليبية، ونتفق في أنه يجب علينا العمل معاً من أجل استقرار ليبيا. وسنكثف مشاوراتنا حول هذا الموضوع».



اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
TT

اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)
مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، مع الرفض المصري اللافت لهذه الخطوة، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة سابقاً مع حكومة مقديشو، وسط حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تعزيز «مصر وجودها العسكري» في الصومال.

وأكد خبراء عسكريون مصريون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطر الإسرائيلي جراء خطوة الاعتراف «بالإقليم الانفصالي» يتطلب تعزيزاً للتنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو، غير أنَّ أشكال هذا التنسيق تبقى مختلفةً عمّا تحاول أن تُروِّج إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تسعى لادعاء مظلومية تشي بوجود تهديدات مصرية لإسرائيل.

ونقلت مواقع عبرية متعددة بينها صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «إيه آي 24» ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الأسبوع الماضي، بشأن «قيام مصر بتعزيز وجودها العسكري في الصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ (صومالي لاند)، خشيةً من النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية».

وادعت التقارير أن «القوات المصرية، البالغ قوامها 10 آلاف جندي، أُعيد توزيعها وتوسيع نطاق مهامها الأمنية لمواجهة التهديد الجيوسياسي المتنامي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وعبَّرت مصر عن رفضها الخطوة الإسرائيلية في إقليم «أرض الصومال» وكانت شريكةً في مواقف منفردة وجماعية في التأكيد على «الدعم الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه»، ورفضت «أي خطوات أحادية تمس السيادة، أو تفرض واقعاً سياسياً جديداً خارج الأطر القانونية الدولية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأكد الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن الخطر الإسرائيلي في «صومالي لاند» يتطلب تعزيز التعاون العسكري مع الصومال، وأن القاهرة تركز بالأساس على تدريب القوات الصومالية وتجهيزها لضمان بسط كامل سيادة الدولة على الأراضي الصومالية، مشيراً إلى أن التعاون والتنسيق مستمر منذ عام 2024 وليس الآن.

وأوضح فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تخلق بؤر توتر عدة في منطقة حساسة للغاية، كما أن قرب إقليم «أرض الصومال» من ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتأثيراته على «قناة السويس» يجعل مصر تنظر للأوضاع هناك بوصفها جزءاً أصيلاً من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يصعب تجاهله.

ومع الاعتراضات الإثيوبية التي برزت عند توقيع الاتفاق الأمني بين مصر والصومال قبل عام 2024، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في ذلك الحين أن «القوات المصرية ستشارك بالصومال بناء على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وفي سبتمبر الماضي، أنهى وفد مصري مهمةً استطلاعيةً تمهيداً لانتشار قوات من الجيش المصري ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوصوم)؛ بهدف الإسهام في تعزيز الأمن، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ دعائم الاستقرار في الصومال والمنطقة.

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء عادل العمدة، «أن التعاون العسكري بين مصر والصومال ليس وليد اللحظة، بل قائم منذ توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك في خمسينات القرن الماضي، والآن هناك حاجة لتعزيز هذا التعاون في ظل مساعي إسرائيل لإثارة الأزمات بالمنطقة، وهي تتحالف مع إثيوبيا للإضرار بالمصالح المصرية والتحكم في ملاحة البحر الأحمر بما لدى ذلك من تأثيرات سلبية على قناة السويس».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تعزيز التعاون العسكري مع الصومال لا يشمل فقط القاهرة، بل إن هناك تنسيقاً مع المملكة العربية السعودية في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم اللازم لمقديشو في مواجهة التدخلات الخارجية، مشيراً إلى «أن برتوكول التعاون الدفاعي يسير في اتجاهه القائم منذ التوقيع عليه، وهناك قوات مصرية منتشرة في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي، وأخرى في إطار منفصل لتأهيل القدرات العسكرية الصومالية وتدريب العناصر الأمنية».

يفسر العمدة الاهتمام الإسرائيلي بالتعاون بين مصر والصومال كونه يستهدف «ادعاء مظلومية يُصدِّر من خلالها الإعلام الإسرائيلي صورةً مضللةً عن التهديد الذي يمثله الجيش المصري لإسرائيل، رغم أن الحكومة اليمينية المتطرفة قامت بخرق القانون الدولي عبر الاعتراف بإقليم انفصالي»، مشيراً إلى أن المزاعم الإسرائيلية «تأتي في سياق أكاذيب كثيرة اعتاد عليها الإعلام العبري بشأن الوجود المصري في سيناء، وخرق (اتفاقية السلام)، والتهريب عبر الحدود».

وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر يناقش سبل التعاون العسكري مع نظيره الصومال أحمد معلم في سبتمبر الماضي بالقاهرة (المتحدث العسكري المصري)

وذكر موقع «واللا نيوز» العبري أن مصر عزَّزت مؤخراً وجودها العسكري في الصومال، رداً مباشراً على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو الأول منذ إعلانها استقلالها الفعلي عن مقديشو عام 1991.

وأكد التقرير العبري أن «القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل نفوذها في أرض الصومال لبناء تعاون إقليمي مع إثيوبيا، الدولة التي تخوض معها مصر نزاعاً طويل الأمد حول سد النهضة ومياه نهر النيل».

ولفت أستاذ العلوم الاستراتيجية في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا»، اللواء نصر سالم، إلى أن توطيد التعاون العسكري مع مقديشو طبيعي في ظل التهديدات الإسرائيلية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لن تقف القاهرة مكتوفة الأيدي في ظل تهديدات متصاعدة في الصومال وإريتريا من جانب دول معادية، وذلك في إطار مناطق تقع في الإطار الحيوي للأمن القومي، ما يتطلب وجوداً يمكن أن يحمي الحدود والمصالح المصرية».

وأكد سالم أن اتفاق التعاون الأمني ممتد ما دامت تحافظ عليه كل من القاهرة ومقديشو، ومن الممكن تطويره وفقاً لمتقضيات التهديدات التي تجابه الدولتين.


بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
TT

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)

شهد يوم الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026، تحولات يمنية بالغة الأهمية، حيث اتخذ مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرارات مصيرية طالت عضويته وتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة، في مسعى إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعزيز وحدة القرار السيادي تحت مظلة الدعم السعودي المعلن.

ففي سلسلة متلاحقة من القرارات، أسقط المجلس عضوية فرج سالمين البحسني، وملأ الشواغر بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي، وقبل استقالة حكومة رئيس الوزراء سالم بن بريك، وكلف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة.

هذه الخطوات، التي جاءت مدعومة بتأكيدات على الدور «الحاسم» للسعودية، تهدف إلى تطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية، لا سيما حضرموت، وتمهيد الطريق أمام «حوار جنوبي - جنوبي» شامل تستضيفه الرياض.

ولم يكن قرار إسقاط عضوية فرج البحسني من مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مجرد تغيير في التركيبة الشخصية؛ بل كان رسالة سياسية وقانونية حادة بالنظر إلى حيثيات القرار التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية، اتهمت البحسني بـ«الإخلال بمبدأ المسؤولية الجماعية» و«تحدي القرارات السيادية».

وجاء في القرار أن البحسني «استغل موقعه الدستوري لإضفاء غطاء سياسي وشرعي على تحركات عسكرية غير قانونية»، نفذها ما يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، مشيراً إلى تبريره حشد قوات من خارج محافظة حضرموت للهجوم عليها.

كما وجهت له تهمة «تأييد الإجراءات الأحادية التي قادها المتهم عيدروس الزبيدي»، المحال إلى النائب العام بتهم الخيانة العظمى، مما «أسهم في تقويض وحدة الصف الوطني».

هذه اللغة القانونية الصارمة، التي تصف الأفعال بأنها «تمرد مسلح خارج إطار الدولة»، تُحوّل الصراع الداخلي بين فصائل الجنوب من خلاف سياسي إلى قضية ولاء للدولة ومؤسساتها الشرعية.

القرار يمثل ضربة موجعة لتيار «الانتقالي» المنحلّ وأتباع الزبيدي، ويعيد التأكيد على أن طريق المطالبة الجنوبية يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية والقانونية وعبر التفاوض برعاية السعودية، وليس عبر الفعل العسكري المنفرد.

هندسة توازنات

جاء تعيين الدكتور سالم الخنبشي، محافظ حضرموت، عضواً في المجلس الرئاسي اليمني مع الاحتفاظ بمنصبه المحلي، ليعكس أولوية استقرار المحافظة الغنية بالنفط والحيوية. وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد الخنبشي أن «الموقف السعودي كان حاسماً» في إخراج قوات «الانتقالي» من حضرموت خلال وقت قياسي.

ويعدّ تعيينه في عضوية مجلس القيادة الرئاسي تتويجاً لجهوده في الأسابيع الماضية، حيث من المتوقع أن يشكل حضوره رافداً قوياً في معسكر الشرعية لضبط المشهد السياسي والأمني في حضرموت خاصة، وفي جنوب اليمن بشكل عام.

رئيس الوزراء اليمني الجديد شائع الزنداني المكلف بتشكيل الحكومة (رويترز)

أما تعيين الفريق الركن محمود الصبيحي، القائد العسكري المخضرم، فيعدّ تعزيزاً لتمثيل المؤسسة العسكرية المخضرمة في المجلس، حيث يرسل هذا التعيين رسالة تطمين للقوات التي تقاتل على الجبهات ضد الحوثيين، ويُفهم على أنه خطوة نحو توحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع، وهو مطلب سعودي ودولي رئيسي.

وفيما يخص قبول استقالة حكومة سالم بن بريك، وتكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ذلك يهدف إلى تجديد الأداء الحكومي لمواكبة المرحلة الجديدة، حيث إن المهمة لم تعد مجرد «إدارة أزمة»؛ بل الانتقال إلى مرحلة إعادة إعمار المؤسسات وتحسين الخدمات، خصوصاً مع إعلان السعودية تقديم دعم مالي لصرف الرواتب بقيمة 90 مليون دولار، إضافة إلى تكفلها بدفع رواتب العسكريين ابتداء من يوم الأحد.

المشهد الأوسع

لا يمكن فهم هذه التحركات اليمنية بمعزل عن الحاضنة الإقليمية التي تتمثل في السعودية، فبالتوازي مع هذه القرارات الداخلية، كانت الرياض تعلن عن حزمة مشاريع تنموية جديدة في اليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (500 مليون دولار)، وتستعد لاستضافة «مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي» إلى جانب سعيها لإعادة توحيد القوات العسكرية.

وكما يظهر، فإن الاستراتيجية السعودية تقوم على دعم السلطة الشرعية لفرض سيطرتها وتوحيد قواتها، وإنهاء «المظاهر المسلحة» خارج الدولة، وتسهيل حوار شامل بين المكونات الجنوبية تحت رعايتها، للتوافق على رؤية موحدة تنزع الفتيل المستمر لـ«القضية الجنوبية» بناء على أسس راسخة تمثل صوت المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية.

كما تواصل السعودية جهودها التنموية والإنسانية، إذ تربط الاستقرار السياسي في اليمن بتحسين الخدمات وتوفير فرص العيش، لاستعادة ثقة اليمنيين في مؤسسات الدولة.

هذه التطورات تأتي في وقت يحذر فيه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من هشاشة الهدنة، مؤكداً أن «مستقبل الجنوب لا يمكن فرضه بالقوة».

ويبدو أن هذه التغييرات الكبيرة تهدف إلى خلق قيادة يمنية في الجنوب أكثر تماسكاً وتوحداً، وقادرة على الدخول في مفاوضات مصيرية بشأن شكل الدولة اليمنية المقبلة، ومن ثم الالتفات للحسم المؤجل في الشمال، حيث لا يزال الحوثيون يعرقلون كل المساعي الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الانقلاب والانخراط في مسار سلمي يعيد الاستقرار إلى اليمن الكبير.


سلطات عدن ولحج تشدد على القانون... وتحذر من استغلال المظاهرات

السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
TT

سلطات عدن ولحج تشدد على القانون... وتحذر من استغلال المظاهرات

السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)

في وقت تمرُّ فيه المحافظات الجنوبية اليمنية بمرحلة دقيقة وحساسة، جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التزام الدولة بحلٍ منصفٍ وعادل للقضية الجنوبية، بالتوازي مع تشديد السلطات المحلية في عدن ولحج على رفض أي محاولات لتكدير السكينة العامة، أو استغلال حق التعبير لإثارة الفوضى، مؤكدة احترامها الكامل للحقوق الدستورية للمواطنين ضمن إطار القانون.

وأكدت السلطة المحلية في العاصمة المؤقتة عدن، في بيان رسمي، احترامها المبدئي لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة، بوصفه حقاً يكفله الدستور والقانون، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة، وفي مقدمها التنسيق المسبق مع الجهات المختصة، والحصول على التصاريح الرسمية لإقامة أي فعاليات جماهيرية.

وأوضحت السلطة المحلية أن عدن تمر بمرحلة دقيقة تفرض على الجميع، سلطة ومواطنين ومكونات، التحلي بأعلى درجات المسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة المدينة واستقرارها فوق أي اعتبارات أخرى، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات التي تستهدف الأمن والسكينة العامة.

حشد سابق في عدن دعا له المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (رويترز)

وحذَّر البيان من محاولات مشبوهة قد تسعى لاستغلال التجمعات الجماهيرية لإثارة الفوضى أو الإضرار بالمصالح العامة والخاصة، مؤكداً أن التنظيم القانوني للمظاهرات يهدف بالأساس إلى حماية المشاركين وصون أمن المدينة.

ودعت السلطة المحلية في عدن مختلف الجهات والمكونات والمنظمين إلى تغليب لغة العقل، وتأجيل أي فعاليات جماهيرية في الوقت الراهن، إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية وضمان التنسيق الكامل مع الجهات المختصة، بما يحقِّق المصلحة العامة، ويحافظ على أمن واستقرار العاصمة المؤقتة.

وأكدت أنها لن تدخر جهداً في سبيل تعزيز الأمن وخدمة المواطنين، معوّلة على وعي أبناء عدن وحرصهم على حماية مدينتهم من أي انزلاقات تهدد استقرارها.

موقف مماثل في لحج

أكدت السلطة المحلية في محافظة لحج أن ممارسة حق التعبير السلمي تتطلب الالتزام الصارم بالإجراءات القانونية والضوابط المنظمة، وعلى رأسها التنسيق المسبق مع الجهات المعنية، والحصول على التصاريح الرسمية؛ لضمان سلامة الفعاليات والمشاركين فيها، ومنع استغلالها في إثارة الفوضى أو الإضرار بالمصالح العامة والخاصة.

وأشارت السلطة المحلية، في بيان رسمي، إلى أن محافظة لحج تمر بمرحلة دقيقة تستدعي من الجميع، سلطة ومواطنين ومكونات، التحلي بروح المسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة المحافظة واستقرارها، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات التي تستهدف السكينة العامة.

تقوم القوات الحكومية اليمنية بدورية في أحد شوارع مدينة عدن الساحلية الجنوبية (إ.ب.أ)

وجدَّدت تأكيدها أنها لن تألو جهداً في سبيل استتباب الأمن وخدمة المواطنين، معبّرة عن ثقتها في وعي أبناء لحج وحرصهم على حماية محافظتهم من أي محاولات تهدِّد أمنها واستقرارها.

وشدَّد البيان على احترام السلطة المحلية الكامل لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة، مؤكداً إيمانها بأهمية الصوت الشعبي في مسار البناء والتصحيح، وداعياً في الوقت ذاته إلى تأجيل أي مظاهرات أو فعاليات جماهيرية في المرحلة الراهنة، إلى أن تستقر الأوضاع الأمنية ويتحقَّق التنسيق الكامل الذي يصون أمن واستقرار المحافظة.

تشديد رئاسي

أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الخميس، اتصالات هاتفية بمحافظي شبوة عوض بن الوزير، وأبين أبو بكر حسين، ولحج أحمد تركي؛ للاطلاع على أوضاع المواطنين، وجهود تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات، وتعزيز الأمن والاستقرار في محافظاتهم.

واستمع العليمي - بحسب الإعلام الرسمي - إلى تقارير موجزة حول الإجراءات المتخذة لتأمين المنشآت الحيوية والمصالح العامة، وصون مقدرات الدولة، ومنع أي محاولات للإخلال بالأمن والسكينة العامة أو تعطيل الخدمات.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي بالدور الوطني لأبناء محافظات شبوة وأبين ولحج، ومواقفهم الداعمة للدولة ومؤسساتها الشرعية، مؤكداً ثقته بوعي أبناء هذه المحافظات وحسهم الوطني، والتفافهم حول السلطات المحلية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية وصون السلم الأهلي.

وجدَّد العليمي - وفق الإعلام الرسمي - التزام الدولة بحل منصف للقضية الجنوبية، بوصفها قضيةً عادلةً ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، على أن يتم ذلك وفق خيارات تقررها الإرادة الشعبية الحرة في ظروف طبيعية.

وثمّن في هذا السياق استجابة السعودية لطلب استضافة ورعاية مؤتمر الحوار الجنوبي، بوصفه خطوةً مهمةً لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية ضمن إطار الحل السياسي الشامل في اليمن.