لانس جونسون: نواجه مشكلة كبيرة في التعامل مع شعوب تختلف ثقافاتها عن ثقافتنا

قال إنه كان ضحية الصورة المشوهة للثقافة الإسلامية

لانس جونسون - صورة الغلاف
لانس جونسون - صورة الغلاف
TT

لانس جونسون: نواجه مشكلة كبيرة في التعامل مع شعوب تختلف ثقافاتها عن ثقافتنا

لانس جونسون - صورة الغلاف
لانس جونسون - صورة الغلاف

عرف عن لانس جونسون افتتانه بثقافات وطنه أميركا والدول الأخرى، واختلافاتها، وتشابهاتها. وتدور معظم كتبه حول هذا المحور، وخاصة المشكلات التي يواجهها الأجانب في الولايات المتحدة. وقد تخرج جونسون في جامعة أكسفورد، ثم عمل محاضرا في الكثير من الجامعات والمعاهد والمؤسسات الأميركية. وتولى إدارة مؤسسة استشارية عالمية لمدة 26 سنة. ثم تقاعد، وتفرغ للرحلات والكتابة. زار 49 ولاية أميركية، و81 دولة، ليخرج لنا بآخر كتبه: «ما يجب أن يعرف الأجانب عن الأميركيين».
هنا مقابلة معه عن الاختلافات الثقافية التي تشكل أحيانا أرضية للالتقاء بين الشعوب، وأحيانا أخرى عداء وبغضا قد يصلان لحد العنصرية.
* من هو «الأميركي»؟
- أولا: ما هي أميركا؟ أميركا هي «تدفق هائل من الناس.. أنواع مختلفة من البشر، وعقائد مختلفة، وتطلعات مختلفة، وآمال مختلفة، وأحلام مختلفة». هذه ليست كلماتي، بل كلمات جيمي كارتر، رئيسنا خلال السنوات 1977 - 1981.
استثناء عن أي دولة أخرى في العالم، تسمح الولايات المتحدة بأكبر هجرة سنوية إلى أراضيها. وتساوي هذه الهجرة الهجرات التي تسمح بها كل دول العالم الأخرى مجتمعة. في عام 1970، كان واحد من كل 20 أميركي مهاجرا من بلد أجنبي. اليوم، صارت النسبة واحدا في كل تسعة.
من هو «الأميركي»؟ إنه صاحب «أميركان سبيرت» (الروح الأميركية) المنافسة، منذ أكثر من أربعمائة سنة. روح آبائنا الذين نفروا من الكبت والظلم. الروح التي تقول لنا بأننا يجب أن نكون الأوائل.
ليس هذا عن الادعاء والاستعلاء، ولكن عن الإنجازات، التي يراها الأميركي والأجنبي معا.
* ومن هو «الأجنبي»؟
- يقول القاموس إنه هو «الشخص الذي ليس مواطنا في وطن ليس وطنه». لكن، أنا أقول، ببساطة، إن الأجنبي هنا، في الولايات المتحدة، هو الذي ليس على دراية كفاية بثقافتنا. ويمكن أن يكون مواطنا أميركيا هاجر من دول أجنبية، لكن، لا يفهم ثقافتنا فهما كثيرا كما يريد.
يشمل هذا التعريف أصدقائي المتجنسين المولودين في الخارج، الذين عاشوا هنا 20 عاما، ولا يزالون يصارعون ثقافتنا، وطريقة حياتنا، ولغتنا، وتصرفاتنا، ويريدون أن يكونوا مثلنا.
وحسب تعريفي هذا، يمكن أن يكون الأجنبي من الجيل الأول من الأميركيين (الذين ولدوا في أميركا)، لكن، لا يسمح والداه له بأن ينغمس في ثقافتنا انغماسا كاملا. عادة، يفعل هؤلاء الآباء هذا بحسن نية. يرسلانه إلى مدارس خاصة بلغتهما وثقافتهما. لكنه يدفع الثمن عندما يكبر ويدخل معترك الحياة الأميركية الحقيقية.
* بعد سفراتك في دول أجنبية كثيرة، ومقابلاتك لأجانب كثيرين هنا في أميركا، ما رأي الأجانب في الأميركيين؟
- عندما أسافر إلى دول أجنبية، أو ألقي محاضرات هناك، تصيبني الدهشة بسبب غرام الناس بكل ما هو أميركي. لغتنا، حكومتنا،، أفلامنا، أغانينا، حتى سلوكنا الشخصي. بل حتى صورتنا السلبية على الساحة العالمية.
يريد الأجانب أن يعرفوا لماذا لغتنا الإنجليزية «مجنونة»؟ ولماذا نريد أن نكون شرطة العالم؟ ولماذا نشعر أننا أفضل من أي شعب آخر؟ ولماذا لا نحب الأجانب، لكننا نحب الحروب؟ ولماذا لا نشارك ثروتنا مع شعوب العالم الفقيرة؟ ولماذا نأكل ونشرب كثيرا، وبكميات كبيرة، حتى صرنا أسمن شعوب العالم؟ ولماذا نفضل السيارات الكبيرة؟ وهل هناك علاقة بين السيارات والسمنة؟
عادة، أبتسم عندما يقول لي الأجانب إننا، الأميركيين، نردد كلمة «إكسكيوز مي» (عفوا) أكثر مما يجب، ولأي سبب بسيط. ابتسم لأني أعتقد أننا نقولها أقل مما يجب.
* هذا عن رأي الأجانب في الأميركيين. ما رأي الأميركيين في الأجانب؟
- قبل سنوات قليلة، كنت في رحلة بحرية. مررنا بموانئ آسيوية. وشعرت بالقلق لأن السفينة ستزور مدينتين في فيتنام (هانوي، ومدينة هوشي منه). وبدأت أسأل نفسي: هل لا يزال الفيتناميون يعتبروننا أعداء بسب التدخل العسكري الأميركي في حرب فيتنام، خلال السنوات 1963 - 1975؟
لكن، وجدت غير ذلك. عندما اقتربت البنات منا، ابتسمن، ولوحن لنا بأيديهن، وكن يتضاحكن مع بعضهن في سعادة. في تلك اللحظة، وأنا أجلس في تلك الحديقة، سألت نفسي عن المفاهيم الخاطئة الأخرى التي في ذهني، عن الفيتناميين، وعن فيتنام البعيدة عن الولايات المتحدة بمقدار 14 منطقة زمنية.
تعلمت درسا آخر من تلك الزيارة. كنت أعتقد أن الفيتناميين لا يزالون يكرهوننا بسبب الدمار الذي تركناه في بلدهم قبل أربعين سنة تقريبا. مثلما فعل الفرنسيون قبلنا. فقدنا نحن هناك قرابة ستين ألف جندي. وفقد الفيتناميون الملايين. لكن، رغم ذلك، كان الفيتناميون وديين حقا معنا، نحن الأميركيين. وقال لنا الدليل السياحي الفيتنامي: «انتهت الحرب منذ فترة بعيدة. وفتحنا، جميعا، صفحة جديدة». وقلت لنفسي: «كم كان الحال سيكون أحسن إذا استطعنا أن نكون مثل هؤلاء الناس. وإذا استطعنا أن نحذو حذوهم».
في تلك الليلة، بعد أن عدنا إلى السفينة، قررت أن أكتب كتابي عن الأجانب، وعن العلاقات بيننا.
* كأميركي، كيف تتعامل مع تصرفات الأجانب هنا في أميركا، وهي تصرفات يمكن أن توصف أحيانا بالتخبط، إن لم يكن بالجهل؟
- بالقرب من منزلي، يوجد مطعم «ماكدونالدز»، حيث أكل من وقت لآخر. ولاحظت أن أغلبية الشبان والشابات الذين يعملون في المطعم من الجيل الأول من الأميركيين المكسيكيين، الذين لا يجيدون اللغة الإنجليزية. لهذا، عندما كنت أتناول قهوة الصباح في المطعم، ووجدت أن القهوة بردت، أخذت الكأس إلى عاملة في المطعم، وقلت لها: «من فضلك سخني القهوة». قصدت أن تضيف إليها قهوة ساخنة. لكنها نظرت إلي نظرة استغراب، واعتقدت أني أريد منها أن تسخن الكأس نفسها. وما كان منها إلا أن وضعت الكأس في المايكروويف.
تزيدني تنويرا مثل هذه الاختلافات الثقافية. لكنها، أيضا، تجعلني أتأكد من الصعوبات التي يواجهها الأجنبي في بلدنا. وأن الحياة في بلدنا، حقيقة، معقدة. أو، كما قال لي بعض الأجانب، «أميركا بلد مجنون».
ولا يقتصر الأمر على شعوب العالم الثالث. واجهت مشكلات مماثلة مع أوروبيين.
* تعكس استطلاعات الرأي في الدول الأجنبية عدم ارتياح للسياسة الخارجية الأميركية، وللسيطرة الاقتصادية الأميركية، وللتدخلات العسكرية الأميركية. مثل حرب العراق. كيف تفسرون ذلك؟
- ما قلته صحيح. وأنا ذكرت ذلك في كتابي. وهذا يكشف أننا نواجه مشكلة كبيرة في التعامل مع الشعوب التي تختلف ثقافاتها عن ثقافتنا. خاصة ثقافاتهم الأعرق قدما، وأعمق جذورا، وأكثر محافظة.
لكن، أوضحت نفس الاستطلاعات أن الأجانب الذين زاروا بلدنا، أو لهم علاقات معنا في مجالات مثل الاستثمارات والتجارة والتعليم، هم أكثر إيجابية نحونا. يوضح هذا أن المعرفة المباشرة تساعدنا، كلنا، على فهم أفضل لبعضنا البعض.
ولكن، رغم هذا الانخفاض في الجاذبية الأميركية الشاملة، تظهر الدراسات أن ثقافتنا وقيمنا وحضارتنا تظل منارات العالم.
* مثل ماذا؟
- لدينا أربع فضائل رئيسة: الامتنان، والصدق، والنزاهة، واللطف. وهي ليس فقط نظريات، ولكنها أعمال نعملها، ونمارسها في حياتنا اليومية، ومع أي شخص، أميركي أو أجنبي. وأعتقد أن فهم الأجانب لهذه الأشياء فهما صحيحا، ومن دون انحياز، يساعدهم على فهمنا على حقيقتنا. بل، يساعد على انتشار هذه العوامل، ويساعد على انتشار ثقافتنا.
* إذن، لماذا صار الأميركيون هدفا للانتقادات عالميا؟
- نحن ندرك ذلك. كل عام، يسألنا مركز «غالوب» في استطلاعاته الشهيرة عن رأينا في نظرة العالم إلينا. في عام 2012، عندما سئلنا إذا كنا راضين عن نظرة العالم لنا كانت نسبة الذين قالوا «نعم» 53 في المائة. هذه نسبة عالية جدا بالمقارنة مع نسبة عام 2008، آخر أعوام الرئيس السابق بوش في البيت الأبيض. في ذلك الوقت، كانت نسبة الذين قالوا «نعم» 30 في المائة فقط.
* لماذا هذه الصورة السلبية في جميع أنحاء العالم؟
- خلال مقابلاتي مع أجانب، هنا وفي الخارج، سمعت أسبابا كثيرة. سمعت شكوى متكررة من الأوروبيين بأننا لا نعرف الكثير عن أي شعب، ولكن عن أنفسنا. إلى حد ما، هذا صحيح. نحن نتكلم لغة واحدة فقط. ولا نسافر إلى الخارج كثيرا. ونميل إلى التركيز على الأخبار المحلية. ونحب العمل (حسب إحصائيات عالمية، نحن نعمل ساعات في الأسبوع أكثر من أي شعب آخر).
لهذا، يقول الأجانب بأننا لا نهتم بالشعوب الأخرى. لكن، ببساطة، ليس هذا صحيحا بالنسبة للأميركي العادي.
* لا بد أن تكون عند الأجانب، وعند الأميركيين، أفكار وتصورات ثقافية خاطئة عن بعضهم البعض؟
- هناك كثير من الأفكار الخاطئة. وعندي عشرات الأمثلة. منها:
أولا: قبل أن أزور المغرب، كنت ضحية الصورة المشوهة للثقافة الإسلامية، بسبب تركيز إعلامنا على المتطرفين الإسلاميين، وعلى الإرهاب. وفي المغرب، سألت الدليل السياحي المغربي عن ملاحظة لاحظتها في كثير من المساجد الإسلامية، وهي وجود ثلاث كرات معدنية في أعلى المآذن والقباب، فأجابني أنها رمز بأن اليهود والمسيحيين والمسلمين إخوان، ويجب أن يتعايشوا مع بعضهم البعض.
ثانيا: في المكسيك، سألني المرشد السياحي المكسيكي عن سبب تسمية أنفسنا «أميركيين» بينما كل شعوب أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية أيضا «أميركية»؟ وفي رأيه هذا يدل على أننا أنانيون، ونحب أنفسنا، ونسيء إلى جيراننا.
فشرحت له بأن «الولايات المتحدة الأميركية» هي الدولة الوحيدة التي في اسمها الرسمي كلمة «أميركا». هذا من الناحية الرسمية. ومن الناحية العملية، وجدنا أن استعمال كلمة واحدة، بدلا عن كلمات كثيرة، أسهل نطقا، وأقرب فهما، وأكثر توفيرا للوقت، وأكثر ودا.
ثالثا: تؤثر الاختلافات الثقافية حتى في المعاملات التجارية في جميع أنحاء العالم. مثلا: شركة «وول مارت» الأميركية، صاحبة أكبر متاجر في العالم، فوجئت بأنها ليست ناجحة كما توقعت في دول مثل: كوريا الجنوبية، واليابان، وألمانيا. ثم اكتشفت أن عوامل النجاح في الولايات المتحدة تختلف عنها في تلك الدول. مثلا: هنا تركز على الأسعار المنخفضة (بسبب المنافسة مع شركات أخرى). وتركز على مراقبة المخزون مراقبة دقيقة (حتى لا تنفد البضائع، وتصاب بحرج، وتفقد زبائن). وتركز على التودد نحو الزبائن (لإضافة نكهة إنسانية للمعاملات التجارية). وتركز على توفير مجموعات كبيرة من الخيارات، لأن ذلك يعطي الأميركي إحساسا بحرية أكثر (جزء من الإحساس والفخر بالحرية الأميركية، في كل شيء، وفي كل مجال).
لكن وجدت الشركة أن شعوبا أخرى لا تحس نفس هذه الأحاسيس، أو، على الأقل، لا تركز عليها. وبعد دراسات كثيرة، أجرت الشركة عدة تغييرات. مثلا أن لا يبتسم العاملون والعاملات للزبائن، وأن لا تقول العاملات عبارات مثل «كيف أنت اليوم؟»، لأن كثيرا من الرجال في الدول الأجنبية يعتبرون ذلك نوعا من الغزل!
* يقول بعض الأجانب إن الأميركيين مصابون بـ«عقدة الاستعلاء»؟
- أبدا، ليست هناك عقدة استعلاء. لكن، لا أنفي أننا نحب أن نتنافس، وطبعا، نحب أن نفوز. بداية من الرياضة، ونحب أن نتفوق على غيرنا في كل المجالات. أما عن سر نجاحاتنا، خاصة في الاختراعات، فهذا ينبع من تراثنا.. من أجدادنا الذين جاءوا إلى هنا قبل أربعمائة سنة تقريبا، لتحسين حياتهم، وأسسوا هذا الصرح القوي، الحر، المبدع، حيث يستطيع الشخص أن ينجح من دون تدخل من الحكومة، ومن دون اعتماد عليها.
* في الجانب الآخر، يقول بعض الأميركيين إن الأجانب يحسدونهم، لأنهم غير متطورين، وغير متقدمين مثلهم. ولهذا، عند الأجانب «عقدة النقص»؟
- ليس هذا صحيحا بالنسبة للغالبية العظمى من الأميركيين. إذا بحثت، ستجد أن مدارسنا، ومدننا، وحكوماتنا المحلية والفيدرالية، تعمل، ليلا ونهارا، للتقرب إلى «الأجانب»، ولمساعدتهم على تحسين حياتهم في الوطن الجديد الذي اختاروه. وإذا نظرت إلى ما يحدث في واشنطن العاصمة، في الكونغرس مثلا، ستجد مشروع قانون ضخم وعملاق لحل مشكلة الذين جاءوا إلى هنا بطرق غير قانونية.
يوضح هذا أننا لسنا مثل شعوب أخرى في نظرتنا نحو الأجانب. وذلك لأن جذورنا، نحن الأميركيين، أجنبية. عندما كنت صغيرا، أتذكر أن عائلتي كانت ترسل بعض ملابسي التي لم أعد أحتاج لها إلى الدول الأوروبية الفقيرة، وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
لهذا، إذا نظرت وبحثت، ستجد أن تقاليد «مساعدة الجيران» مغروسة في ثقافتنا، وتنعكس في أعمالنا.
* مع الانتشار السريع للثقافة الأميركية، خاصة خلال الأفلام والبرامج التلفزيونية، ينتقد كثير من الأجانب مناظر التعري والإباحية والجنس. ويسألون: هل هكذا الحياة اليومية في أميركا؟ أليست أميركا هي الدولة الغربية الأكثر تدينا؟
- بالإضافة إلى «التعري» و«الإباحية» و«الجنس»، تقدر على أن تضيف «الألفاظ النابية» و«العنف». لا أنكر ذلك. لكن، ألاحظ أن هذه الأشياء موجودة في الأفلام الأجنبية التي تعرض هنا. أنا أعتقد أن هذه الظواهر مرحلة تاريخية نمر بها. وربما تعكس تراجع دور الدين في المجتمع الأميركي. لكن، لا ينبغي أن يقود ذلك إلى تدخل الحكومة في حياتنا. نحن لا نريد من الحكومة أن تتدخل في هذه الأمور وغيرها من المواضيع الفردية.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».