الاغتيال يخطف صحافياً كل 4 أيام

المكسيك أخطر بلدان العالم... وأميركا اللاتينية والكاريبي أخطر المناطق

الرئيس المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور (غيتي)
الرئيس المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور (غيتي)
TT

الاغتيال يخطف صحافياً كل 4 أيام

الرئيس المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور (غيتي)
الرئيس المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور (غيتي)

فجر الرابع والعشرين من فبراير (شباط) الفائت، عثرت الشرطة المكسيكية على المصوّر الصحافي خوسيه راميرو آراوخو أوشوا، جثة هامدة أمام منزله في مدينة إنسينادا، من أعمال مقاطعة كاليفورنيا السفلى (المتاخمة لولاية كاليفورنيا الأميركية)، وتبيّن بعد الكشف الطبي أنه توفي جراء إصابته بعشرات الطعنات التي شوّهت وجهه وجسده. وتمكّنت الأجهزة الأمنية، بعد ساعات من العثور على الجثة، من إلقاء القبض على شابين وجهت إليهما تهمة اغتيال آراوخو الذي كان يدير مجلة رقمية متخصصة في التحقيقات حول قضايا الفساد والجريمة المنظمة.
تلك كانت حادثة الاغتيال الثالثة التي يتعرّض لها صحافي منذ مطلع هذا العام في المكسيك التي تتصدّر منذ سنوات قائمة أخطر البلدان في العالم بالنسبة للعمل الصحافي، بينما تحتل منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي المرتبة الأولى بين المناطق التي تشهد أعمال العنف ضد الصحافيين. ومن المعروف أن المكسيك التي ليست في حالة حرب ولا تشهد نزاعات داخلية مسلحة، تعد من أعنف بلدان العالم. ذلك أن عدد الضحايا الذين يقعون نتيجة مختلف أعمال العنف يزيد عن 100 يومياً، بحيث تكاد تلك الأعمال أن تكون شبه مألوفة، لا يتوقّف عندها الرأي العام طويلاً، ويذهب معظمها من غير عقاب.
وتفيد المنظمات المتخصصة في متابعة أحداث العنف التي يتعرّض لها الصحافيون، مثل منظمة «المادة 19»، أن 147 صحافياً سقطوا ضحية الاغتيالات في المكسيك منذ بداية هذا القرن، أي ما يتجاوز عدد الذين قُتلوا في البلدان التي تشهد حروباً أو نزاعات مسلحة. ويتكرّر النمط ذاته بين الصحافيين المكسيكيين الذين يجازفون بحياتهم، فيحققون في حالات الفساد، ويكشفون الأواصر العميقة التي تربط المسؤولين السياسيين والإداريين بأصحاب المصالح الاقتصادية والتواطؤ بينهم. ويتابع هؤلاء، بالأخص، أنشطة المنظمات الإجرامية التي تتاجر بالمخدرات، وتمارس نفوذاً شبه مطلق في مناطق عدة من البلاد، غالباً تحت تغطية الأجهزة الأمنية أو تغاضيها.

خوان فازكيز (تويتر)

كان آخر الصحافيين الذين سقطوا قد خصّص الأشهر الأخيرة من أنشطته وتحقيقاته لكشف المخالفات في عدد من المشروعات الكبرى التي يجري تنفيذها في منطقته، على غرار زميله مارغاريتو مارتينيز الذي سقط رمياً بالرصاص على مدخل مرأب منزله أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد نشره سلسلة من التحقيقات حول التواطؤ بين إحدى المنظمات الإجرامية وعدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين الذين تآمروا لتغطية عدد من حوادث الاغتيال، وعرقلة التحقيقات الجارية لكشف مرتكبيها ومحاسبتهم. وكان مارتينيز يتساءل: كيف يُمكن للضحية أن تطلب الحماية من الذي تعرف أنه متواطئ مع مرتكب الجريمة؟ وطالب بأن يتولى جهاز مستقل بإشراف دولي، متابعة الجرائم وأعمال العنف التي يتعرّض لها الصحافيون، وبعض الذين ينشطون في المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق الإنسان.

مسؤولية الأجهزة المحلية
منظمة «المادة 19» تفيد بأن 40 في المائة من الاغتيالات التي يقع الصحافيون ضحيتها، تقع مسؤوليتها على عاتق المسؤولين في الأجهزة الرسمية المحلية، أي من رؤساء البلديات إلى القيادات الأمنية والشرطة والقوات المسلحة. وكان هذا هو السبب الذي استحدثت لأجله في العام الماضي هيئة فيدرالية يمكن التظلّم لديها، في حال تقاعست الأجهزة والسلطات المحلية عن القيام بواجبها لملاحقة مرتكبي أعمال العنف ضد الصحافيين ومحاسبتهم. ولكن، على الرغم من ذلك، تقول وسائل الإعلام المكسيكية إنها لا تتمتع بالحد الأدنى من الحماية اللازمة للصحافيين، كي يمارسوا مهامهم بعيداً عن الضغوط والتهديد.
في سياق متصل، من الحالات التي شغلت الرأي العام المكسيكي أخيراً، ما تعرّضت له الصحافية المعروفة لورديس مالدونادو التي كانت قد وصلت إلى منزلها بعدما شاركت في وقفة احتجاجية مع زملائها ضد اغتيال مارغاريتو مارتينيز في مدينة تيخوانا (الحدودية مع ولاية كاليفورنيا الأميركية)، عندما سقطت برصاصة في رأسها داخل سيارتها، بعد انتهاء مناوبة الحراس المكلفين حمايتها والسهر على أمنها. ولقد أثارت هذه الجريمة موجة من الاحتجاجات التي نظمها الصحافيون في جميع أنحاء المكسيك.
وكان الرئيس المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور قد أبدى اهتماماً خاصاً بالقضية، وأمر بتكليف فريق خاص من المحققين متابعتها، لا سيما أن مالدونادو كانت قد شاركت في الندوات الصحافية اليومية التي يعقدها كل صباح، وطرحت أمامه هواجسها صراحة قبل أيام من اغتيالها، فقالت له: «أخاف على حياتي من التهديدات التي أتعرض لها».
وبالفعل، تمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على اثنين من المتهمين بقتلها، إلا أن المنظمات الحقوقية تحذّر من أن القبض على المنفذّين ليس صعباً؛ لكن من النادر جداً اعتقال الذين يخططون لعملية الاغتيال ويقفون وراء التهديدات، وكذلك يندر أن يطولهم القانون أو تصل إليهم التحقيقات. وتفيد هذه المنظمات بأن 90 في المائة من جرائم الاغتيال العادية في المكسيك تبقى بلا عقاب، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 99.1 في المائة في الحالات التي يكون ضحاياها من الصحافيين، وأن كثيراً منها يبقى في أدراج النيابات العامة، بفعل الضغوط التي تمارسها جهات نافذة.
ويفيد التقرير الأخير الذي صدر عن «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (اليونيسكو) تحت عنوان «الاتجاهات العالمية لحرية التعبير» بأن عام 2022 شهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الاغتيالات التي تعرّض لها الصحافيون في أثناء أدائهم عملهم، وذلك بعد عدة سنوات متتالية من التراجع في هذا العدد. وقد بلغ عدد الصحافيين الذين قتلوا خلال العام الماضي في العالم 68، أي بمعدل صحافي كل 4 أيام. و«هذا الأمر يكشف مدى خطورة ممارسة مهنة المتاعب في كثير من بلدان العالم»، وفق مديرة «اليونيسكو» أودري آزولاي التي دعت الحكومات إلى «تعزيز الأجهزة الرسمية المكلفة حماية الصحافيين، وملاحقة الذين يعتدون عليهم أو يمارسون التهديد ضدهم».

أودري آزولاي (اليونيسكو)

الصدارة لأميركا اللاتينية وحوض الكاريبي
أيضاً، يشير التقرير إلى أن حالات العنف وحوادث الاغتيال التي يتعرّض لها الصحافيون في أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي، تزيد عن نصف الحالات العالمية، وأن معظمها يحصل بينما يكون الصحافيون خارج مقار عملهم، في بيوتهم أو في الأماكن العامة. أما الدوافع وراء هذه الأعمال فهي التحقيقات حول الجريمة المنظمة وعلاقاتها بالسلطة السياسية، وقضايا الفساد المالي، ومتابعة أنشطة الحركات المتطرفة، والجرائم ضد البيئة، وسوء استخدام السلطة. ومن أشكال العنف الأخرى التي يتعرض لها الصحافيون: الاختطاف، والاعتقالات الاعتباطية في بعض البلدان، والتهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأن هذه قد ازدادت بنسبة 19 في المائة في عام 2022 الذي شهد تحطيم جميع الأرقام القياسية السابقة في هذا المجال.
في هذه الأثناء، تشكو بعض الجهات الإعلامية المستقلة في المكسيك من تداعيات ما وصفتها بأنها «حملة صليبية» يشنها الرئيس لوبيز أوبرادور ضد الصحافة، وخصوصاً أنه درج خلال ظهوره اليومي أمام وسائل الإعلام على توجيه انتقادات قاسية ضد بعض الصحافيين الذين يعتبرهم مناهضين لمشروعه السياسي، في حين يكيل بالمقابل المدائح لمن يناصره.
وهنا يقول خوان فازكيز، من منظمة «المادة 19»، إن المناخ السائد لا يساعد على حماية الصحافيين المستقلين الذين يعملون عادة في ظروف سيئة، وغالباً ما يضطرون إلى ممارسة نشاط آخر لتأمين الدخل الكافي. ويضيف فازكيز: «الدولة تضع نفسها في موقع الضحية، بدل أن تكون في موقع المسؤول عن هذا العنف الذي يتنامى بشكل مطرد.
ولا بد من تدابير أمنية وقضائية متكاملة، وعقوبات قاسية ضد الذين يرتكبون هذه الأفعال ويحرضون عليها ويخططون لها».
ويضيف فازكيز: «لا يمكن أن تبقى وسائل الإعلام مكتوفة الأيدي ومقيّدة الحرية أمام مشهد العنف الذي تعيشه البلاد؛ حيث تقتل 10 نساء كل يوم، ويسقط شرطي وعشرات الشبان برصاص المنظمات الإجرامية التي يعرف الجميع صلاتها بمراكز السلطة السياسية».



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.