«ماش دونالدز» الإيراني {ينافس} الأميركيين في وجباتهم السريعة

قال صاحبه: لو أطلقت اسم ماكدونالدز على مطعمي لطاردني المتشددون أينما ذهبت

في مطعم «ماش دونالدز» في طهران، كل شيء يماثل نظيره الاميركي (ماكدونالدز) تقريبا، ما عدا الطعام ( الصورة لنيوشا تافاكوليان ـ نيويورك تايمز)
في مطعم «ماش دونالدز» في طهران، كل شيء يماثل نظيره الاميركي (ماكدونالدز) تقريبا، ما عدا الطعام ( الصورة لنيوشا تافاكوليان ـ نيويورك تايمز)
TT

«ماش دونالدز» الإيراني {ينافس} الأميركيين في وجباتهم السريعة

في مطعم «ماش دونالدز» في طهران، كل شيء يماثل نظيره الاميركي (ماكدونالدز) تقريبا، ما عدا الطعام ( الصورة لنيوشا تافاكوليان ـ نيويورك تايمز)
في مطعم «ماش دونالدز» في طهران، كل شيء يماثل نظيره الاميركي (ماكدونالدز) تقريبا، ما عدا الطعام ( الصورة لنيوشا تافاكوليان ـ نيويورك تايمز)

رغم وجه المهرج الباسم، ورمز الشيطان المحب لوجبات اللحوم والشطائر والبطاطا المقلية، لم تكن هناك حشود غاضبة ترفع قبضاتها في الهواء، وتهتف لاعنة «الشيطان الأكبر»، و«الموت لأميركا»، كما لم تتخلل رائحة الأعلام الأميركية المحترقة ذلك الحي من أحياء العاصمة طهران. بل كانت هناك روائح «البرغر» اللذيذ الذي يقوم بإعداده الشاب الإيراني المراهق جاهان، ذو الوجه المبتهج. حيث يعلو مطبخه شعارا بـ«النيون» يشبه إلى حد التماثل، شعار الأقواس الذهبية الشهيرة لسلسلة مطاعم ماكدونالدز الأميركية، التي ربما اعتبرت، أكثر رموز وجبات «الإمبريالية الأميركية» السريعة شهرة.
تمتلك سلسلة المطاعم العالمية علامة تجارية أخرى معروفة، هي وجه المهرج الناصع البياض، المبتسم دائما، وهو يرتدي تلك السترة الحمراء الأنيقة، مع بنطال أصفر وحذاء أحمر اللون كبير الحجم بشكل لافت. كان وجه المهرج نفسه، يزين لوحة إعلانية كبيرة على مدخل ذلك المطعم الإيراني في محاولة لاجتذاب الزبائن.
بالطبع، لم تفتتح سلسلة مطاعم ماكدونالدز فرعا لها في طهران، بعد أسابيع قليلة من إبرام اتفاق النووي، الذي من شأنه التخفيف من العقوبات الاقتصادية عليها، ومن المحتمل كذلك، أن ينذر بتغييرات في التوجهات الثورية الإيرانية حيال مختلف الشركات الأميركية. فذلك ليس سوى «ماش دونالدز»، النسخة الإيرانية المحلية من ماكدونالدز الأميركي.
يقول حسن، مالك المطعم الإيراني الذي لم يرغب في الإفصاح عن اسم عائلته، خشية من المتعصبين الإيرانيين والمحامين الأميركيين: «إننا نحاول الاقتراب بقدر الإمكان من تجربة ماكدونالدز الأميركية».
كان حسن يتحدث، بينما يحاول ترتيب الكراسي البلاستيكية الحمراء في مطعمه الصغير المتواضع، واضعا إياها بجوار سلة المهملات ذات اللون الأصفر الساطع.
وتواصل محلات مثل «ماش دونالدز» وغيره من العلامات التجارية المقلدة لثقافة الأغذية الأميركية، الانتشار على نحو متزايد في شوارع المدن الإيرانية الكبرى. وهي تعكس حالة من القطع المتزايد مع الخطاب الرسمي الثوري المناهض للولايات المتحدة، الذي هيمن، بقدر يتناقص أو يتزايد، على الشارع الإيراني منذ الإطاحة بالشاه عام 1979 وحصار السفارة الأميركية في طهران.
ومن المتوقع أن يلقى ذلك الخطاب المناهض، المزيد من الضغوط في حالة نجاح الاتفاق النووي المبرم، وعودة الشركات الغربية للعمل في إيران. حيث يأمل كبار القادة هناك، في عودة الشركات النفطية الكبرى باستثماراتها الضخمة، نظرا لأن إيران تمتلك قدرا من أكبر الاحتياطات النفطية على مستوى العالم. كما يحتاج الإيرانيون كذلك، إلى المئات من الطائرات وهم يسعون، أيضا، إلى عقد الشراكات لصالح شركات الصناعة التكنولوجية لديهم.
غير أن وصول الرعايا الأجانب مع الأموال الأجنبية والأفكار، قد يقوض حزمة القيم التي تفرضها الدولة هناك، كما يحذر الصقور الإيرانيون عادة، ممن تفيد رسالتهم، بأن بإمكان الأجانب المجيء، لكن يجب عدم السماح لهم بجلب رموز الانغماس في الرأسمالية التي يمثلونها.
ولذلك، حينما لاحظ المتابعون لموقع شركة ماكدونالدز الحقيقي، وجود طلب امتياز دولي يخص إيران، ثارت ضجة كبيرة. وسارع بعض السياسيين إلى التحذير من أنه لن يكون هناك فروع لمطاعم ماكدونالدز في إيران.
وهدف بيان لشركة ماكدونالدز نشر على موقعها الرسمي، إلى تهدئة المخاوف، لكن من دون القضاء عليها، إذ قال: «لم تحدد الشركة تاريخا معينا لتطوير سلسلة مطاعم ماكدونالدز في إيران»، وفي ذات الوقت دعا موقع الشركة الإيرانيين المهتمين باستكمال خطوات ملء الاستمارة المذكورة.
وقال غلام علي حداد عادل، وهو من النواب الإيرانيين ذوي النفوذ، إنه يشعر باستياء بالغ حينما يطالع الصفحات الأولى لبعض الصحف الإيرانية، ويرى إعلانات منبهرة للغاية بالشركات الأجنبية التي يتوقع انتقالها للعمل في إيران.
وأضاف، خلال مقابلة أجريت معه عبر موقع (خبر أونلاين) «(...) إنهم يتحدثون عن عودة مطاعم ماكدونالدز. وهنا يكمن الخطر. إنهم يفتحون أذرعهم وصدورهم للولايات المتحدة ويتحدثون بحماس بالغ عن الشركات الأجنبية».
لا تعتبر إيران إقليما مجهولا بالنسبة لشركة ماكدونالدز، التي امتلكت فروعا لها هناك قبل اندلاع ثورة 1979 الإسلامية.
وفي عام 1994، سعى رجل أعمال إيراني مغامر، لافتتاح فرع رسمي لعملاق وجبات البرغر الأميركية في طهران، مما أثار حماس الكثير من المواطنين الإيرانيين، لكنه جذب انتباه المتشددين أيضا. وعقب يومين فقط، تعرض المطعم الجديد لحريق كبير، ونقضت الهيئة القضائية الإيرانية قرار وزارة الصحة هناك، الذي سمحت من خلاله بافتتاح المطعم أول الأمر.
يقول مالك مطعم ماش دونالدز الإيراني، الذي كان يعتمر قبعة حمراء تحمل حرف (إم) الإنجليزي: «لو أنني أطلقت مسمى ماكدونالدز على مطعمي، لطاردني المتشددون أينما ذهبت. لذلك نصحني ولدي بإطلاق اسم (ماش دونالدز)، الذي يبدو نوعا ما مماثلا للاسم الأصلي».
ما يزال المسؤولون الحكوميون ورعاة النقاء الإيراني الثوري، يترددون على المطعم المتواضع للاستفسار عن الاسم، قائلين إنه اسم ذو نكهة غربية خالصة. ويضيف مالك: «بعد فترة من الوقت اعتادوا عليه وتركونا».
لا يوجد في إيران أي فروع لأي سلسلة مطاعم أميركية حقيقية. ويعود ذلك بالأساس، إلى النزعة العدائية الحكومية، وإلى العقوبات الاقتصادية التي تجعل من المحال أن تفتتح مثل تلك الشركات فروعا لها هناك. بدلا من ذلك، انتشرت محلات الوجبات السريعة المقلدة لمثيلاتها الأميركية، مع تغييرات غريبة في الأسماء تلك، تمنح أصحاب المحلات قدرا معقولا من الإنكار، يحتاجونه.
بالإضافة إلى مطعم ماش دونالدز، هناك أيضا في طهران مطعم «كي إف سي»، وتعني (كابوكي فرايد تشيكن)، وكذلك بيتزا هت، وتعني هناك (بيتزا هات)، وأيضا برغر كينغ وتسمى في طهران (برغر هاوس).
أما النفور الرسمي الإيراني من العلامات التجارية الأميركية، فهو ليس نفورا خالصا على أي حال. فهناك علامات تجارية شهيرة مثل «كوكا كولا» و«بيبسي» على سبيل المثال وليس الحصر، لها وجود كبير يسبب الدهشة للكثير من الزوار. ولا يعتبر «الشات» (الدردشة)، عبر هواتف الآيفون، من الجرائم في إيران كذلك، أو الخروج بأحذية «نايكي» الشهيرة، أو تنظيف الأسنان بمعجون «كريست».
عندما هدد الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، المحافظ، عام 2010 بمقاطعة المنتجات الأميركية، عقب فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، سخر الكثير من المواطنين الإيرانيين من الفكرة ذاتها.
يقول حسن، مالك مطعم ماش دونالدز، إنه استخدم شعار ماكدونالدز الأصلي لاجتذاب الزبائن إلى مطعمه. وتابع: «إن شعار ماكدونالدز يعني الجودة. ويعلم الناس في إيران ذلك أيضا. وهم يتوقفون هنا لمجرد رؤيتهم شعار رونالد ماكدونالد»، مشيرا إلى لافتة المهرج الشهير.
إن التشابه مع النظير الأميركي ينتهي ما إن يبدأ التهام الطعام. فهناك لافتة خارج المطعم تظهر عليها سيارة ماكدونالدز، عليها إعلان يقول: «جرب شطيرة (ماش دونالدز) الأطول، البالغة 1.5 قدم». وهناك ملصق آخر يقول: «جرب شطيرة (ماش دونالدز) فلافل». تكلف شطيرة الفلافل ما يوازي 2.10 دولار، بينما الشطيرة بطول 1.5 قدم، تباع بسعر 3.75 دولار.
في الداخل، يقف جاهان وزميله في العمل كريم، لساعات طويلة وسط رائحة زيت القلي المستهلك، محاولين صنع نسخة «ماش دونالدز» من ساندويتش «بيغ ماك». وبدلا من أن يسموه «بيغ ماش»، اختار المالك له اسما جديدا «ماش دونالدز باغيت برغر»، وهو مزيج من اللحم والجبن، ولحم الديك الرومي، بتكلفة (نحو 3 دولار). وهي ليست الوجبة التي يستمتع حسن بتناولها، إذ يقول: «إنني أفضل الأكل مع زوجتي في المنزل. إن الوجبات السريعة تجعلك بدينا بسرعة كبيرة».
غير أن زبائن مطعم ماش دونالدز، يستمتعون بالمعروض من المأكولات هناك.
يقول سياوش ميرتقي (29 عاما)، من مدينة أصفهان، وهو جندي في البحرية الإيرانية: «إن شطيرة الفلافل هنا رائعة. وإذا جاء مطعم ماكدونالدز إلى هنا فسوف أذهب إليه بكل تأكيد. عندما أسافر للحج في مكة، نذهب لتناول الطعام في ماكدونالدز كل يوم».
ويضيف أنه يود أن يكون ذات يوم، ممثلا لشركة ماكدونالدز الحقيقية، لكنه يشكك في حدوث ذلك في وقت قريب. ويقول: «في بلدنا، هناك حكومتان، والرئيس روحاني يمثل الحكومة الرسمية»، مادحا إياه على سعيه لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.
ويتابع: «لكن، هناك أيضا، الجماعات التي ما تزال تكره أميركا. وهؤلاء بالكاد يطيقون مطعمي (ماش دونالدز)، ناهيكم عن المطعم الأصلي هناك».

* خدمة «نيويورك تايمز»



تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.