قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

مثقفو مصر: القراءة طقس مقدس صيفًا وشتاء.. والشعر والمسرح للمتعة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة
TT

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

قراءت الصيف.. روايات وكتب فكرية وتاريخية.. والشعر في آخر القائمة

ما بين عامي 1933 و1934 كتب الأديب والمفكر الكبير طه حسين سلسلة مقالات تحت عنوان «لغو الصيف وجد الشتاء» وجاء فيه «كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجد أثناء الشتاء، وما الذي كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين، غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغفلة ولا تذكر الموسيقى والغناء».
لكن يبدو أن الأدباء والمثقفين المصريين لا ترتبط القراءة ومعدلاتها عندهم بالشتاء والصيف، ولا تمثل القراءة لهم سبيلا للمتعة فقط، وإنما «زاد وزواد» يعينهم على الكتابة وأعبائها ويجعلهم في قلب المشهد الثقافي ومنتجه المتواتر. وبعضهم رفض الحديث عن قراءاته الحالية باعتبارها تنوه بمضمون أعمالهم الروائية المقبلة، ولكن هذه حصيلة الصيف لدى المثقفين المصريين:
يرى الأديب عبده جبير، صاحب «رجل العواطف يمشي على الحافة»، أن القراءة لا ترتبط بفصل معين وإنما ترتبط بحالات من السعي والبحث الدائم عن المعرفة قائلا: «بالنسبة لي دائما ما تكون مرتبطة بعملي واستعدادي لكتابة رواية جديدة أو غيرها». ويكشف لنا عن قراءاته: «حاليا أقرأ كل ما هو متعلق بالغزو العثماني لمصر، ومعركة (دابق) التي دارت رحاها بين العثمانيين والمماليك قرب حلب في 8 أغسطس (آب) 1516، حيث سيدور عملي الروائي المقبل حول تلك الفترة الزمنية المثيرة».
ويضيف: «على مكتبي الآن الجزء الخامس من كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لابن إياس، ويحتوي هذا الكتاب على ما كتبه ابن إياس من سنة 922 إلى سنة 928هـ (1516 - 1522)، وهي فترة حاسمة من التاريخ، تتضمن أخبار الفتح العثماني لسوريا ومصر، وما تبع ذلك من تعديل وتغيير في شؤون الإدارة والقضاء والسكة والموازين والمقاييس والعادات والتقاليد والزي والملابس وغير ذلك. هذا فضلا عن قراءتي لعدد من الكتب المحققة حول تلك الحقبة التاريخية للتعرف على تفاصيل ما قام به العثمانيون في مصر، فقد وجدت أنهم جردوا مصر من أمهر العمال والحرفيين، حتى اختفت 50 حرفة من مصر. كما أقرأ كتاب (سندباد مصري) لحسين فوزي، و(تاريخ الدولة العثمانية) ترجمة حسين السباعي وهو يضم 30 دراسة معمقة في مجلدين، وكتاب (واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني - نهاية المماليك بين التاريخ والحكي الشعبي) لأحمد بن زنبل الرمال، وتقديم ودراسة قاسم عبده قاسم، وكتاب آخر مترجم عن الإيطالية بعنوان (قصور السلاطين)».
أما الشاعر أسامة عفيفي، رئيس تحرير مجلة «المجلة» الثقافية العريقة، فيقول: «أحب الشتاء وأكره الصيف ولقد اعتدت أن أنتج أكثر في فصل الشتاء ودائما ما أردد أن الشتاء هو أبو الإبداع، ورغم أنني قارئ محترف وكاتب هاوٍ كما كان يقول أستاذنا كامل زهيري، فإنني أقرأ صيف شتاء، ولكن أقرأ أكثر في الصيف. وعلى عكس خلق الله الذين يحبون قراءة الموضوعات الخفيفة في الصيف، فأنا دائما ما أحجز الكتب الثقيلة التي تتناول الأفكار الكبرى والفلسفية لفصل الصيف ربما لأنني أقل إنتاجا في قيظه السخيف، وأعتقد أن الأمر يعود للطفولة، فلقد كان أهلنا لا يسمحون لنا بالقراءة أثناء الدراسة، أي في الشتاء، فكنا نقرأ بنهم في الإجازة الصيفية، وننفق أغلب مصروفنا علي شراء الكتب، ولكن بغض النظر عن الأسباب الحقيقية فأنا فعلا أقرأ في الصيف وأكتب في الشتاء».
ويقول الأديب منبر عتيبة، مؤسس مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، إنه يختلف مع طه حسين في رؤيته للغو الصيف، لأنه يعتبر القراءة واجبًا للإعداد لندوات المختبر، ومتابعة الأدب العربي والعالمي، هذا فضلا عن انكبابه على «قراءة الكتب التراثية خاصة التي تتعلق بعملي وكتاباتي، وأحيانا أهرب من الواجب فأذهب لكتب التصوف الإسلامي التي تعطي راحة نفسية وتضيف ثراء لغويا. وأخيرًا قرأت مجموعة قصصية لرحاب إبراهيم بعنوان (تحية للحياة)، واستمتعت مجموعة قصصية للروائي البحريني عبد القادر عقيل (اثنا عشر ذئبا على مائدتي) ، ورواية (القناص) للروائي العماني زهران القاسمي، وأقرأ لابنتي (حواديت الأخوين جريم) ترجمة منى الخميسي، وهي قصص من التراث الشعبي الألماني مر عليها نحو قرنين من الزمان. واستغرق الأخوان جريم في تجميع هذه الحواديت في ألمانيا أكثر من نصف قرن بين 1806 و1857. أما فيما يتعلق بروايتي الجديدة، فأعكف حاليا على قراءة كتاب د. أحمد الشاذلي (تاريخ الإسلام في الهند)، وهو كتاب من 3 أجزاء، و(مذاهب التفسير الإسلامي) الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب للمستشرق المجري الأصل، إيغناس غولدتسيهر (1850 - 1921) ونقله إلى العربية د. عبد الحليم النجار. عاش غولدتسيهر ما بين مصر وسوريا حيث تعلم العربية على يد شيوخ سوريا ومنهم الشيخ طاهر الجزائري، ثم زار فلسطين، وفي القاهرة كان أول أوروبي يدرس في الأزهر وتعلم من شيوخه وكان تلميذًا للشيخ جمال الدين الأفغاني. يقدم غولدتسيهر في الظاهر تاريخًا حيًّا لتفسير القرآن، ويضم الكتاب ستة فصول يقدم كل فصل مرحلة من مراحل التفسير».
الناقد الأدبي إيهاب الملاح، رئيس تحرير سلسلة تراث الهيئة العامة للكتاب، يرى أنه لا فارق كبيرا بين الصيف وغيره من الفصول، ويقول: «أقرأ فيها جميعا بالدرجة نفسها والمعدل ذاته، قد يعود هذا إلى التعود والغرس منذ الصبا، وربما أيضًا بحكم المهنة والتخصص حاليا، فأنا أمارس الكتابة والنقد الأدبي والتحرير الصحافي، ولا يكاد يمر يوم دون أن يصل إليّ كتاب جديد أو رواية أو مجموعة قصصية، هذا غير ما أقتنيه أسبوعيًا، وهو كثير».
ويكشف لنا عن قراءاته الحالية: «حاليا أمامي ثلاث روايات جديدة (أن تحبك جيهان) لمكاوي سعيد عن الدار المصرية اللبنانية، (أنامل معبد الحرير) لإبراهيم فرغلي عن منشورات ضفاف والاختلاف بالجزائر، (الرحلة) لفكري الخولي، و(المكتوب على الجبين.. هوامش على السيرة الذاتية) لجلال أمين عن دار الكرمة للنشر. ومثلها من الكتب غير الأدبية (لكنها تتصل أيضًا بالأدب بصورة أو أخرى)، مثل: (عن الأدب) ل. ج. هيليس ميلر، و(ديليسبس الذي لا نعرفه) لدكتور أحمد يوسف عن المركز القومي للترجمة».
وحول طقوس القراءة عنده، يقول: «أنا ممن يقرأون أكثر من كتاب في وقت واحد، أقرأ فصلاً من كتاب وآخرَ من رواية وثالثًا من دراسةٍ متخصصة، ثم أعاود الرجوع إلى الكتاب أو الرواية وهكذا، أتنقل بينها كالنحلة جيئة وذهابًا لا يثقلني الرجوع ولا تفصلني المسافة.. تعودتُ على هذه الطريقة، ضغط الوقت وضيق المساحة لا يوفران لي رفاهية التفرغ الكامل لقراءة رواية أو كتاب في جلسة واحدة أو جلستين على الأكثر. أما كيف أقرأ؟ فالإجابة تحددت عندي ومنذ زمن بعيد، مُذ أن قرأت عبارة المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود التي يقول فيها: (أقرأ وكأن الذي معك ليس كتابا من صفحات مرقومة بحروف وكلمات، بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، أقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع، ففي هذه الحالة ستجد نفسك مدفوعًا إلى مراجعته ومساءلته ومراجعته جزءًا جزءًا ومعنى معنى، وهكذا تكون القراءة الحية بفاعليتها الذهنية)».
وتذكر الروائية هالة البدري، صاحبة «امرأة.. ما» و«غواية الحكي»، أن قراءاتها دائما ما تخضع لبرنامج معين ومنظم، فهي لا تهوى القراءة العشوائية، ولا تتابع بدأب شديد أحدث الروايات والإصدارات، وإنما تدرج ما هو جدير بالقراءة ضمن برنامجها المحدد للقراءة، ويجب أن يشمل البرنامج الفن والأدب والمسرح والفلسفة ومراجعة الأعمال الكاملة لكبار الكتاب العالميين، وتخصص كل عام لقراءة العمال الكاملة لكاتب بعينه، خصوصا أنه أصبح لديها وقت للتفرغ للأعمال التي اقتنتها من قبل ولم تتمكن من قراءتها. وتضيف: دائما ما أحرص على التنوع في قراءاتي، ولكن حينما أعكف على كتابة رواية أبتعد عن قراءة الروايات، حتى لا تتداخل عوالمها مع عوالمي، وأذهب لقراءة الأعمال المسرحية والشعر». أما عما يشتمل عليه برنامجها للقراءة هذا الصيف فتقول: «بقعة دم على شجرة» لمنير عتيبة، و«سيرة فبراير» للروائي الليبي إدريس المسماري، و«أشباح المدينة المقتولة» للروائي الجزائري بشير مفتي، و«بيت النخيل» للروائي السوداني طارق الطيب، والمجموعة القصصية «شهوة الملائكة»، وديوان شعر «أنا والجنة تحت قدميك» للشاعرة العراقية أمل جبوري.
وتعترض الروائية عزة سلطان، صاحبة «تدريبات على القسوة»، على فكرة التصنيف ما بين قراءات الصيف والشتاء، خصوصا لدى الأدباء أو المهمومين بالمشهد الثقافي، قائلة: «نحن نتحدث عن شريحة عاملة، إجازاتها محدودة وغير مرتبط بفكرة الصيف، وبالتالي أنا ضد فكرة التصنيف الزمني أصلا. القراءة عندي لا تخضع لبرنامج قراءة، كثير من المثقفين يقرأون بشكل عشوائي، كتب تصل إليهم كإهداء أو يشترونها، كما تخضع فكرة القراءة للخبرات الشفاهية، حيث يتحدث أحد الأصدقاء أو الزملاء موثوقي الخبرة عن عنوان بعينه فيكون بمثابة توجيه للاهتمام بهذا العنوان».
وتكشف لنا عن قراءاتها الحالية: «أقرأ أعمال المفكر هادي العلوي، فأنا بحاجة لفهم فكر الجماعات المتطرفة، لا بد أن لديهم دعائم فكرية وإن رأيناها مغلوطة، الحرب بالأساس فكر وثقافة، وكلما زادت الهوة بين المواطن العادي والثقافة كان أسهل في الاستقطاب نحو الجماعات المتطرفة، فإذا كان علينا دور تجاه مجتمعنا فعلينا أن نقرأ أكثر ونكون أكثر وعيًا وفهمًا قبل أن نكيل الاتهامات ونُكفر وننبذ».
وعن عادات القراءة لديها، تقول: «لا أقرأ كتابًا واحدًا في الوقت نفسه، فعادة أكثر من عمل في الوقت نفسه، فلا بد أن يجاورني عمل روائي أو شعري أو مسرحي وحاليًا أقرأ رواية (طيور) لإيميلي نصر الله، بالإضافة للقراءات المرتبطة بالعمل، فأحيانا أحتاج لإعادة قراءة كتاب في السينما، أو قراءة عنوان جديد، أما عن الكتابة الإبداعية فموضوع العمل هو الذي يحدد هل نحتاج للقراءة حول الموضوع، ولم أحدد موضوع الرواية المقبلة بعد حتى أحدد قراءاتي».
ولا تختلف عادات القراءة بين الفنانين التشكيليين المصريين عن عموم المثقفين، وإن كانت تتميز بالخوض في تاريخ الفنون وجمالياتها، يقول الفنان التشكيلي عصمت داوستاشي: «لا أتابع ما يصدر من روايات إلا ما يرشحه لي أبنائي ولكن أعيد قراءة كتب من مكتبتي سبق أن قرأتها في شبابي، يمكن أن يكون ذلك حنينا للماضي، ولكن بشكل عام أحب قراءة كل ما يتعلق بالحضارة المصرية القديمة مثل (معجم الحضارات المصرية القديمة)، فأنا حريص على الرجوع إليه دوما».
ويبوح قائلا: «أحب الروايات وقرأت معظم أعمال الأديب السكندري الرائع إبراهيم عبد المجيد، ولكن لا أجد حاليا ما يشدني بغير حقبة الستينات والسبعينات. ولكن يوميا أقرأ في الفن التشكيلي، وآخر ما قرأته كان كتاب السفير يسري القويضي (رسائل عصمت ناجي) وهو يؤرخ لحركة الفن التشكيلي في الخمسينات والستينات».
ويضيف: «حاليا أقرأ كتاب (أنا أتذكر) للمخرج الإيطالي فدريكو فيلليني يتضمن مذكراته، وفي أعقاب وفاة الفنان عمر الشريف، عدت لكتاب (أعمدة الحكمة السبعة) Seven Pillars of Wisdom الذي صدر في عام 1922 ووضع فيه لورنس العرب خلاصة تجربته السياسة في إدارة أنظمة دول الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، وساهم في قيام الثورة العربية الكبرى. وهو كتاب فريد من نوعه حول تاريخ الجزيرة العربية، كتبه الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورنس، وأقرأ (لعبة ظلال) للروائية السكندرية منى عارف».
أما الفنان التشكيلي مصطفى عبد الوهاب، فهو لا يجد أن هناك فارقا بين قراءات الصيف والشتاء بالنسبة له، وهو حاليا يقرأ بنهم شديد كل أعمال الأديب اللبناني أمين معلوف، قائلا: «اكتشفت فكر أمين معلوف العميق منذ أن قرأت روايته (صخرة طانيوس)، ومن ثم قررت أن أجمع كل ما كتبه وحاليا أنا مستغرق معه تماما».



منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».


«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه
TT

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.