شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

مخاوف من تداعيات أية انتهاكات لاتفاق فيينا على المستثمرين

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات
TT

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

قبل أن يجف حبر الاتفاق النووي الإيراني، سارعت قيادات ومسؤولون تنفيذيون أوروبيون بالتوجه إلى المطار لاستئناف العلاقات التجارية مع سوق إيرانية وصفها كثيرون بأنها «كنز ثمين».
بعثت ألمانيا وفدًا بعد خمسة أيام فقط من توقيع الاتفاق في فيينا في 14 يوليو (تموز)، بينما وصل وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، إلى طهران يوم الأربعاء الماضي. ومن المقرر أن يصل مسؤولون حكوميون إيطاليون إلى العاصمة الإيرانية غدا الثلاثاء، كما أعلنت قيادات في مجال الأعمال التجارية زيارة طهران قريبًا، وتشمل نحو 70 أو 80 من كبار المسؤولين التنفيذيين بكبريات الشركات الفرنسية، إلا أنه رغم الحديث عن «كنوز» إيران فإن إقرار انفتاح حقيقي داخل السوق الإيرانية يحمل مخاطر جمة للشركات، ويزيد تعقيد قرار الانسحاب مجددًا إذا ما عاودت إيران مساعيها لامتلاك السلاح النووي.
اللافت في الأمر هو أن الولايات المتحدة بمفردها تمامًا، فهي غائبة عن المشهد في إيران كعنصر اقتصادي، ذلك أن الاتفاق النووي الأخير لا يسهم كثيرًا في رفع العقوبات الأميركية الناشئة عن إدراج واشنطن لإيران بقائمة الدول الراعية للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان.
أما الوضع الأوروبي فأيسر بكثير، ما يزيد إمكانية تباين مستويات الاستثمار داخل إيران بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بدرجة كبيرة في غضون فترة قصيرة. وقد يجعل ذلك الأوروبيين أكثر ترددًا حيال إعادة فرض عقوبات ضد طهران إذا انتهكت الاتفاق الأخير.
ويعدّ إغراء السوق الإيرانية للمستثمرين الغربيين أحد أهم العوامل التي وضعتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة بعين الاعتبار لدى اتخاذهم قرار إبرام اتفاق مع إيران.
ووصف نحو 20 مسؤولا حكوميا ومسؤولا تنفيذيا ومحللا بالمجال التجاري في أوروبا والولايات المتحدة وإيران الفرص التجارية التي توفرها إيران بـ«المغرية»، لكنها تظل شائكة وغير مؤكدة.
وقال فيليب جوردون، منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط خلال السنتين الماضيتين، الذي يعمل حاليًا بمجلس العلاقات الخارجية: «لا نقع دائما على سوق تحمل إمكانات ضخمة وطبقة وسطى ناشئة»، في إشارة إلى السوق الإيرانية، إلا أنه حذر من أن «الدول ستتردد قبل أن تقدم على الانسحاب مجددًا من إيران».
وما يثير قلق الأوروبيين على نحو خاص هي البنود التي يطلق عليها اسم «بنود الارتداد»، وهي تتيح للولايات المتحدة أو أي دولة موقعة على الاتفاق إعادة فرض العقوبات سريعًا ضد طهران حال وجود انتهاك إيراني واضح للاتفاق، حتى إن كانت الشركات قد استثمرت مليارات اليورو في السوق الإيرانية. ورغم أن الاتفاق يتضمن شرطًا يحمي الاستثمارات القائمة، فإن هناك كثيرا من الشكوك حول كيفية تنفيذ ذلك على أرض الواقع.
ومن المتوقع أن تبدأ عملية رفع العقوبات على طهران بعد ستة شهور على الأقل، إلا أنه رغم المخاطر القائمة فقد قرر الأوروبيون أن المنافع تفوق المخاطر، وسرعان ما شرعوا في إرساء الأسس اللازمة للقيام بنشاطات تجارية داخل إيران. وقد سارعوا إلى ذلك قبل واشنطن بحكم أن الحكومات الأوروبية أبقت على علاقات مع إيران خلال الفترة التي قاطعتها واشنطن منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب أزمة الرهائن التي اندلعت عام 1979.
ويحمل الاتفاق النووي بالنسبة للأوروبيين، الذين انضموا إلى موجة عقوبات واسعة اتخذت ضد إيران عام 2012، فرصة لإعادة فتح سوق نادرة تضم قرابة 75 مليون مستهلك. ويذكر أنه عام 2011 استورد الاتحاد الأوروبي سلعًا إيرانية بقيمة 17 مليار يورو، أي ما يعادل 18.7 مليار دولار، بينما صدر إليها سلعا بقيمة 10.5 مليار يورو (11.5 مليار دولار)، وذلك تبعًا لما أعلنته الإدارة العامة لشؤون التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي.
من جهتها، قالت إيلي غرانميه، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «لقد أدى الأوروبيون ما عليهم. سياسيًا، ليس هناك تجميد للعلاقات الدبلوماسية بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي وإيران. وعلى مدار الـ15 سنة الماضية، احتفظ الأوروبيون بقاعدة اتصال داخل إيران»، مضيفة أن الأوروبيين «لا يعيدون اختراع العجلة».
جدير بالذكر أن بعض العقوبات التي تفرضها واشنطن سيجري رفعها تبعًا للاتفاق الجديد. ومن أهم هذه العقوبات ما يعرف باسم «العقوبات الثانوية»، التي تشير إلى عقوبات يجري فرضها على الكيانات الأجنبية المتعاونة تجاريًا مع إيران. وقد جرى استغلال هذه العقوبات في تغريم مصارف، بينها «بي إن بي باريبا»، مصرف فرنسي تعرض لغرامة ضخمة بلغت 8.9 مليار دولار في يونيو (حزيران) 2014 لإجرائه صفقات تجارية محظورة مع إيران والسودان وكوبا.
ويكمن الاستثناء الأميركي الوحيد بالنسبة لحظر المعاملات التجارية مع إيران في الطائرات المدنية، ما شكل خبرًا سارًا لشركات مثل «بوينغ» وشركات غربية أخرى تتبع في ملكيتها شركات أميركية، حيث كان بإمكان هذه الشركات الفرعية التقدم بطلب ترخيص للقيام بأعمال تجارية مع إيران.
لكم رغم وجود هذه الاستثناءات، لم يستفد سوى عدد قليل من الشركات ما دفع بالشركات الأميركية إلى ممارسة ضغوط لتخفيف العقوبات كي تتمكن من منافسة نظيراتها الأوروبية.
في هذا الصدد، قال ستيفين جي. مكهيل، شريك في «سكواير باتون بوغز» وهي شركة محاماة في واشنطن ذات نشاطات تجارية واسعة: «لدينا كثير من العملاء يتصلون بنا ويسألون: متى يمكننا الذهاب إلى إيران؟». وأضاف: «الإجابة كانت: لا يمكنكم ذلك، حتى إن كنتم تنتمون إلى الفئة القليلة التي باستطاعتها ذلك.. سيكون هذا صعبًا للغاية بالنسبة لأي شخص أو شركة أميركية».
من ناحية أخرى، أعربت شركات أوروبية عن قلق خاص حيال بند «الارتداد» وكيفية تنفيذه عمليًا. فلنفترض أن شركة ما استثمرت مئات الملايين، إن لم تكن مليارات، اليورو في مشروعات قد يستغرق تنفيذها عدة سنوات وتتضمن بناء بنية تحتية وتنفيذ استثمارات رأسمالية، فإنها تحتاج بكل تأكيد إلى ضمانات بأن العقوبات لن توقف هذه المشروعات.
في هذا السياق، يرى هاري تشيلينغوريان، رئيس شؤون استراتيجية أسواق السلع العالمية لدى «بي إن بي باريبا»: «ستحتاج شركات النفط إلى تمويل طويل الأمد من مصارف للقيام بصفقات هناك (في إيران)، لذا ستحتاج إلى الشعور بالثقة. لكن ما الذي سيحدث في حال عودة العقوبات؟ ما الضمان الذي تطلبه حال حدوث ذلك؟».
من جهته، أعرب غوردن، من مجلس العلاقات الخارجية، عن اعتقاده بأن من تولوا صياغة الاتفاق النووي مع إيران تعمدوا ترك مساحة للتأويلات في ما يخص بند الارتداد، مشيرًا إلى أنه لن تجري بالضرورة إعادة فرض جميع العقوبات في تلك الحالة.
وأوضح أن الاتفاق ينص على أن العقوبات المجددة «لن تطبق بتأثير رجعي» على عقود وقعت قبل رصد انتهاك للاتفاق. واعتمادا على ذلك، فإنه بإمكان الشركات والحكومات الأوروبية القول بأن العقود الحالي توقيعها حاليًا سيتم استثناؤها من أية عقوبات مستقبلية.
أما فيريدون خافاند، أستاذ جامعي فرنسي - إيراني بمجالي الاقتصاد والقانون بجامعة باريس ديسكارت، فيرى أن الأولوية الأولى لإيران ستكون تحديث بنيتها التحتية بمجال التنقيب عن النفط، ما قد يعني استثمارات جديدة بقيمة 185 مليار دولار، تبعًا لتصريحات صدرت مؤخرًا عن مسؤولين إيرانيين.
وتشمل بعض المجالات الواعدة الأخرى صناعتي البتروكيماويات والسياحة. وتتفاوض طهران حاليًا مع «أكور»، سلسلة فنادق فرنسية، لبناء فنادق جديدة لتوسيع مجال السياحة، حسبما ذكر كثير من الخبراء التجاريين.
كما أكدت شركة «بيجو» واحدة من رواد صناعة السيارات بفرنسا، الأسبوع الماضي أنها تمضي قدمًا في مفاوضات مع شركة «خودرو» الإيرانية لصناعة السيارات لتصنيع سيارات داخل إيران ونقل التكنولوجيا الفرنسية هناك. ويذكر أن إيران شكلت ثاني أكبر سوق لـ«بيجو» خارج فرنسا في الفترة التي سبقت فرض العقوبات الاقتصادية.
وبالمثل، خاضت شركة «سيب» الفرنسية لصناعة الأجهزة المنزلية طيلة العام الماضي مفاوضات لإبرام صفقة تجارية، حسب ما أفاد به نائب الرئيس التنفيذي لها، فريدريك فيرورد. ويذكر أن هذه الشركة تعمل في إيران منذ خمسينات القرن الماضي، وعقدت صفقات مع إيران بقيمة 50 مليون يورو سنويًا قبل العقوبات.
وقال فيرورد: «يمكن لإيران أن تصبح في حجم سوق مثل تركيا أو إسبانيا بالنسبة للسلع المنزلية»، منوهًا بأن لديها طبقة وسطى ضخمة.
في ألمانيا، تتطلع كل من شركتي «بي إيه إس إف» للبتروكيماويات و«سيمنز» العملاقة التي أسهمت في بناء أول سكك حديدية بإيران في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، إلى العودة إليها. وينطبق القول ذاته على شركة الصلب الألمانية العملاقة «تيزنكروب»، التي ارتبطت بعلاقات تجارية بإيران لأكثر من 30 عامًا قبل العقوبات.
كما ترغب شركات نفطية مثل «توتال» و«رويال دوتش شل» و«بريتيش بتروليم» في العودة لإيران، لكنها تعكف على مقارنة الفوائد بالمخاطر المحتملة، حسب ما أوضحه تشيلينغوريان، من «بي إن بي باريبا».

* خدمة «نيويورك تايمز»



تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)

شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

دور فانس يعكس مساعي واشنطن للخروج من الحرب

وبحسب «أكسيوس» يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من حرب حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية مع وسطاء قطريين وباكستانيين

وكشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران.

ويشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

فانس سبق أن عارض الحرب ودافع عن الحل الدبلوماسي

وكان فانس من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، إذ دعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وقاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، والتي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، وانتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني استأنف هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

رسالة من فانس إلى مسؤول إيراني لاستئناف المفاوضات

أما التطور الأبرز وفق «أكسيوس»، فكان قبل أسبوعين، إذ بعث فانس برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، واقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة.

وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

تقدم بطيء في الوساطة وإشارات إلى إمكان التوصل لاتفاق

وأشارت مصادر مشاركة في جهود الوساطة، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وقال رئيس الوزراء القطري، مساء الجمعة: «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».


«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
TT

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

كانت مجموعة من الدبلوماسيين الأميركيين تستقل مروحية إسرائيلية في أوائل عام 1960، عندما لفت انتباه أحدهم موقع بناء يمتد في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلاً غرب البحر الميت.

وأشار المسؤول الأميركي إلى الموقع، وسأل مرافقه الإسرائيلي، عدي كوهين، من وزارة المالية، عن طبيعة المنشأة التي يجري تشييدها، فأجابه كوهين بأنها «مصنع للمنسوجات»، وفق ما قاله للأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل آنذاك، أوجدن ريد.

لكن ما رآه الراكب كان منشأة ديمونا النووية، التي تُعرف اليوم بأنها مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. ولم يمر سوى عدة أشهر قبل أن يطالب ريد بعقد اجتماع مع كوهين، بعدما تمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية من تحديد الطبيعة الحقيقية لموقع البناء.

وجاء في برقية دبلوماسية أميركية سرية، ضمن مجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، وتتضمن تفاصيل رحلة المروحية: «تعامل كوهين في البداية مع الأمر باستخفاف، لكن الانطباع الذي تكوّن هو اعتقاده بأن المفاعل يمكن استخدامه في نهاية المطاف لأغراض تسليحية».

وبعد خمس سنوات اكتشف مسؤولون أميركيون معنيون بالملف النووي اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب بدرجة تصلح لصنع الأسلحة من منشأة في ولاية بنسلفانيا. ورأى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أن هذه الكمية حُوّلت لاستخدامها في البرنامج الإسرائيلي، وهو ما أشار إليه أيضاً فيلم وثائقي حديث، وفق ما أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية.

تعبير شائع على الأسلحة

وعلى مدى السنوات الستين التالية حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على موقف ملتبس، فلم تعترف أي منهما بتطوير الترسانة النووية الإسرائيلية. وأصبح رد كوهين العفوي على الدبلوماسيين الأميركيين، عندما وصف منشأة ديمونا بأنها «مصنع للمنسوجات»، تعبيراً شائعاً يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون للتلميح إلى أسلحة البلاد النووية. حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشار إلى واقعة «مصنع المنسوجات» خلال اجتماع مع رئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في خطاب ألقاه في 14 يوليو (تموز).

وتحول الأمر بمرور الوقت إلى ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أفنير كوهين بأنه «أسوأ سر معروف في العالم». وتقوم السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً على التعتيم، أو الغموض، من خلال التلميح إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، من دون تأكيد ذلك رسمياً.

وساعدت هذه السياسة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقف معلن يعارض تطوير دول إضافية أسلحة نووية، كما جنّبت إسرائيل التساؤلات بشأن كيفية حصولها على القنبلة، أو ما إذا كانت قد حصلت عليها بالفعل.

لكن هذا الوضع المستقر قد يكون في طريقه إلى التغير، مع تقدم البرامج النووية لدول أخرى في المنطقة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران -جزئياً- لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن خبراء بارزين في منع الانتشار النووي يرون أن هذه الجهود قد تكون غير مجدية.

وقد يبدو أن الدعم الأميركي الذي ظل راسخاً لطموحات إسرائيل العسكرية بدأ يتآكل. ففي يوم الثلاثاء قال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد توقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام، لأنها «لم تعد بحاجة إليها». كما دأب عدد من المشرعين الديمقراطيين ومجموعات الضغط خلال السنوات الأخيرة على المطالبة بإنهاء ما وصفوه بتظاهر الولايات المتحدة بعدم معرفة حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن الموقف الأميركي القائم على الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح سياسة متقادمة «تحولت إلى أمر متهور وخطير».

وأشار كاسترو، العضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أن خوض الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل من دون معرفة «الخط الأحمر» الذي قد يدفعها إلى استخدام السلاح النووي، ومن دون توضيح خطط الطوارئ في حال استخدام تلك الأسلحة، أو استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية، كل ذلك ينطوي على مخاطر.

سر يعرفه الجميع

وإذا جرى التخلي عن سياسة الإنكار الضمني، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة النظر في جذور التكنولوجيا النووية الإسرائيلية، وسنوات من المناورات التي استهدفت منع ظهور أدلة قاطعة على وجود البرنامج التسليحي.

فالمفتشون الأميركيون لم يعثروا قط على المنشأة السرية تحت الأرض في ديمونا، التي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم الصالح لصنع القنابل. ووفقاً لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية عُرض عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، وشمل مقابلات نُشرت بعد وفاة رئيس سابق لجهاز استخبارات إسرائيلي كان مكلفاً بدعم البرنامج التسليحي، كان مسؤولون إسرائيليون يعمدون إلى إغلاق مدخل المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين.

وقد يؤدي الكشف عن هذه المعلومات أيضاً إلى مزيد من تقويض مصداقية الولايات المتحدة، في وقت تواصل فيه معارضة انضمام دول أخرى إلى النادي النووي. كما قد يفضي إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو حظر مبيعات الأسلحة لمعاقبة الدول الساعية إلى امتلاك القنبلة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «السياسة المتبعة منذ فترة طويلة تقضي بعدم تعليق الوزارة علناً على التقارير المتعلقة بمنظومات أو أوضاع عسكرية محددة».

ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق، فيما أحالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن استفسار «سي إن إن» إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يقدم رداً.

وقال ماثيو كرونيغ، الخبير الاستراتيجي في الشؤون النووية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون: «إذا أعلنت إسرائيل أنها دولة نووية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على دول أخرى في المنطقة لتحذو حذوها. وسباق تسلح نووي منفلت في الشرق الأوسط ليس أمراً جيداً للسياسة الأميركية».

وخلال جلسة استماع علنية أمام الكونغرس في يونيو (حزيران)، واجه كاسترو وزير الخارجية ماركو روبيو بأسئلة بشأن هذه المسألة.

وقدم روبيو، الذي يُعد ثاني أميركي بعد هنري كيسنجر يتولى في الوقت نفسه منصبي كبير الدبلوماسيين ومستشار الأمن القومي، ربما أكثر التقييمات العلنية صراحة التي يقدمها مسؤول دبلوماسي أميركي بشأن هذه المسألة.

وقال روبيو: «أعتقد أن معظم دول العالم ترى أنهم يمتلكونها، لكننا لم... هم لم يعترفوا بذلك علناً. وباعتبار ذلك جزءاً من سياستنا الخارجية، فإننا لا نتحدث عن الأمر بهذه الطريقة أيضاً، لأسباب متعددة».

بناء سياسة الإنكار

قال خبراء لـ«سي إن إن» إن سياسة السرية نشأت بدافع ضرورات الحرب الباردة. فقد خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الكشف عن البرنامج إلى إطلاق برامج نووية عسكرية عربية برعاية الاتحاد السوفياتي، كما خشيت إسرائيل التداعيات الدبلوماسية التي قد تترتب على إعلانها رسمياً دولة تمتلك أسلحة نووية.

وفي العام نفسه الذي اكتشفت فيه المنشأة في بنسلفانيا اختفاء اليورانيوم، زار هنري كيسنجر تل أبيب، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأميركية في السفارة على محادثاته مع الإسرائيليين.

وكان كيسنجر، الذي عمل آنذاك أستاذاً في قسم العلوم الحكومية بجامعة هارفارد، مستشاراً للسياسة الخارجية لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديداً في عام 1969، تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون.


الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
TT

الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)

أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية اليوم (السبت).

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».