حفل «أوسكار 2023» يحِن إلى أناقة العصر الذهبي لهوليوود

الموضة والسينما... علاقة بُنيت على الإبهار والاتجار

النجمة الأميركية هالسي في إطلالة بالون الأسود الساحر (أ.ف.ب) - الممثلة كيت هادسون لدى وصولها  إلى حفل فانيتي فير بفستان  من تصميم تامارا رالف (أ.ف.ب)
النجمة الأميركية هالسي في إطلالة بالون الأسود الساحر (أ.ف.ب) - الممثلة كيت هادسون لدى وصولها إلى حفل فانيتي فير بفستان من تصميم تامارا رالف (أ.ف.ب)
TT

حفل «أوسكار 2023» يحِن إلى أناقة العصر الذهبي لهوليوود

النجمة الأميركية هالسي في إطلالة بالون الأسود الساحر (أ.ف.ب) - الممثلة كيت هادسون لدى وصولها  إلى حفل فانيتي فير بفستان  من تصميم تامارا رالف (أ.ف.ب)
النجمة الأميركية هالسي في إطلالة بالون الأسود الساحر (أ.ف.ب) - الممثلة كيت هادسون لدى وصولها إلى حفل فانيتي فير بفستان من تصميم تامارا رالف (أ.ف.ب)

كانت مصممة أزياء استوديوهات هوليوود الشهيرة إديث هيث سابقة لأوانها. لم تُصمم أزياء مفعمة بالأنوثة والغموض سجلت لمرحلة مهمة في عصر هوليوود الذهبي فحسب، بل كانت أيضاً سابقة لأوانها لأنها توقعت أن يتحول حفل الأوسكار إلى أكبر منصة عرض أزياء في العام. في عام 1970 صرَحت: «سيأتي وقت سيُصبح فيه حفل توزيع جوائز الأوسكار أعظم عرض أزياء في العالم... ستتبع أزياء صممها كبار المصممين من كل العالم وتعرضها أجمل نساء العالم... نجمات هوليوود». أمر استغرق وقتاً وبضعة عقود ليصبح واقع حفل الأوسكار إلى ما عليه الآن، شاء البعض أم كره. فالحفل السنوي لم يعد عن السينما فحسب، بل أيضاً عن الأزياء والمجوهرات، بدليل أن التغطيات التي يحصل عليها جانب الأزياء يُغطي أحياناً على جانب السينما والأفلام. خارج مسرح دولبي في هوليوود، لوس أنجلوس حيث يقام الحفل، وخارج مقر حفل «فانيتي فير» الذي يقام بعد توزيع الجوائز، يصطف الصحافيون على كل المداخل. يتصيدون وصول النجوم وهم يحملون ميكروفونات متأهبة لأجوبة قد تكون مقتضبة لكنها شافية. تتوقع أن تكون هذه الأسئلة عن الأفلام، لكنك تتفاجأ أن أغلبها يتمحور حول الأزياء. من مصمم الفستان؟ وما هي دار المجوهرات؟ وما إلى ذلك.

الحفل السنوي لم يعد عن السينما فحسب، بل أيضاً عن الأزياء والمجوهرات، بدليل أن التغطيات التي يحصل عليها جانب الأزياء تتجاوز أحياناً جانب السينما والأفلام

النجم البريطاني هيو غرانت أعلن أمس عن استيائه من هذا الوضع ببلاغة. عندما سألته صحافية عن البدلة التي يلبسها آملة أن يقول لها اسم الدار أو المصمم. رد: أنا أرتدي بدلة. جارته ضاحكة وهي تسأله مرة أخرى: من هو مصممها؟ ليأتي الرد: صممها خياط لا أتذكر اسمه. كان واضحاً أنه يرفض أن يُصبح طرفاً في هذه اللعبة بأي شكل من الأشكال. لكن إذا كان هيو غرانت قد عبَر عن غيظه من الوضع بصراحة، فإن باقي النجوم قرروا أن يركبوا الموجة ويستفيدوا منها. أصبح بعضهم سفراء لهذه البيوت، يحصلون على كل التسهيلات للحصول على أجمل الأزياء وآخر ما خطوطها ليتألقوا بها على السجاد الأحمر. وحتى عندما لا يكونوا تحت أنظار أي بيت من بيوت الأزياء العالمية، فهم يُكلفون خبراء أزياء ليكونوا صلة الوصلة بينهم، حفاظاً على صورتهم وعلى مكانتهم أيضاً.
هذا العام كان عيد ميلاد الحفل الـ70 أو بالأحرى العام الذي تم بثه على شاشات التلفزيونات وأصبح بإمكان الجميع متابعته. منذ انطلاقه في عام 1929، كان حريصاً على أن يحافظ على أناقته.
هذه كانت مكتوبة من قبل الاستوديوهات الكبيرة بلغة واضحة: أن يرتدي النجوم بدلات مع ربطات «بابيون» والنجمات بأزياء ساحرة تستحضر الغموض والأنوثة في الوقت ذاته. كانت غالبية الفساتين من إبداع مصممي ومصممات الأفلام يعملون في الاستوديوهات مثل هيلين روز وإديث هيد وغيرهما ممن كانوا العمود الفقري في السينما إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه من دون أزياء لا تكتمل الصورة على الإطلاق.
إديث هيد مثلاً هي التي صممت أغلى فستان شهده حفل الأوسكار، ألا وهو فستان الراحلة غرايس كيلي. كان باللون الأزرق السماوي وصممته لها من الحرير الذي قُدر ثمنه بـ4000 دولار في ذلك الوقت، أي في 1955.
بدورها صممت هيلين روز فستان غرايس كيلي لحفل الأوسكار عام 1956. كان رائعاً إلى حد أن النجمة طلبت منها تصميم فستان زفافها الذي أقيم في العام نفسه. كان السيناريو المكتوب تقليدياً بمفهوم اليوم. أن تظهر النجمات في الحفل بأجمل شكل لكن من دون إثارة صادمة. كان ذلك في وقت كانت فيه الاستوديوهات تحظى بقوة تُتيح لها التدخل في كل صغيرة وكبيرة، بما في ذلك حياة نجومها الشخصية وعلاقاتهم الحميمة. بالنسبة للأزياء كانت تريد أن تحافظ النجمات على صورة تثير الحلم وبعيدة المنال في الوقت ذاته. لكن في الستينات ومع ظهور حركات نسوية واجتماعية وسياسية بدأت هذه الاستوديوهات تفقد السيطرة بالتدريج. في السبعينات أيضاً انسحبت إيديث هيث من الساحة وسلمت المشعل لمساعدها بوب ماكي. كانت لهذا الأخير نظرة مختلفة تماماً عن الجمال والأناقة. بدأ يُدخل الأقمشة الشفافة على الأزياء والخطوط الضيقة التي تُبرز تضاريس الجسم بشكل واضح. ثم مع تنامي الحركات النسوية والاجتماعية والسياسية بدأت الأزياء تأخذ دوراً مختلفاً، خصوصاً مع رغبة النجمات في التحرر من القيود التي كانت تفرضها عليهن الاستوديوهات قديماً. في عام 1973، مثلاً اختارت جين فوندا تايورا من إيف سان لوران تعبيراً عن رفضها لحرب فيتنام. عندما سُئلت عن سبب اختيارها لتايور عوض فستان كما جرت العادة، ردت: «أردت شيئاً يُعبر عني. هذا ليس وقت استعراض الفساتين، إنه وقت الجد». كانت هذه أول مرة تدخل فيها السياسة مناسبة كبيرة.
لكن بالنسبة لمصممي باريس وميلانو، فإن عيونهم تفتحت على أهمية السجاد الأحمر وحفل الأوسكار بالذات ومدى سحر النجمات منذ الستينات. في عام 1961 نجحت إليزابيث تايلور أن تطلق اسم مصمم شاب اسمه مارك بوهان كان قد تسلم لتوه مقاليد دار «ديور» إلى العالمية. توطدت العلاقة بين النجمات وبيوت أزياء معينة منذ ذلك الحين. لكن صناع الموضة لا يكتفون. هم دائماً يطمحون إلى كسب المزيد. ربطهم ثنائيات مع نجمات مثل غريس كيلي وديور، وأودري هيبورن وجيفنشي فتحت شهيتهم لدخول السينما بقوة بتصميم أزياء الأفلام، من جيورجيو أرماني إلى جياني فيرساتشي وغيرهما. ومع ذلك ظلت العلاقة إلى حد التسعينات من القرن الماضي، تراعي المفاهيم القديمة من الجانبين. يمكن القول إن 1995 كان العام الذي وُلدت فيه العلاقة كما نراها الآن. كان ذلك عندما ظهرت النجمة أوما ثورمان بفستان من «برادا» على السجاد الأحمر. كانت هذه اللحظة هي التي رسَخت مكانة الموضة في مناسبات السينما. ليس لأنها أكدت قوة تأثير النجوم على تسويق منتجاتهم فحسب بل لأنها فتحت شهية النجمات على الموضة كجانب يستثمرن فيه جمالهن وقوتهن للحصول على عقود مجزية. فليس اعتباطاً أن ريهانا تعتبر أغنى مغنية. فهي لم تحقق المليارات من ألبوماتها الغنائية بل من استثماراتها في مجالي الأزياء والماكياج.


مقالات ذات صلة

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.