رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز»: مقابلة مع البغدادي ستكون {خبطة العمر}

دابش جادر لـ «الشرق الأوسط»: «لندنستان» وأخبار الإرهابيين تحرمني من نشر صوري الشخصية

صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
TT

رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز»: مقابلة مع البغدادي ستكون {خبطة العمر}

صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)

قال دابش جادر رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز» إن تجربة تغطية أخبار «لندنستان» والإرهاب في المملكة المتحدة من أروع تجارب حياته قاطبة، مشيرا إلى أن تغطية أخبار «لندنستان» وهجمات لندن عام 2005، ومتابعة أنشطة أبو حمزة المصري قبل ترحيله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم الإرهاب، وكذلك أبو قتادة سفير بن لادن في أوروبا، وسنوات حبسه في سجن بلمارش في العاصمة لندن، قبل ترحيله إلى الأردن، تحرمه من نشر صوره الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي لاعتبارات الأمن والسلامة. وأوضح أن أكثر ما يثير فضوله في تغطية أخبار المتطرفين الدوافع التي تحفز الشباب الصغير الذي نشأ وتربى وتعلم في مدارس بريطانيا على الانضمام المفاجئ لجماعات التطرف المتعطشة لدماء البشر مثل «داعش» والسفر إلى سوريا والعراق لتنفيذ هجمات انتحارية، ثم السعي، في بعض الحالات، لتنفيذ هجمات في وطنهم أو على المواطنين في أوروبا. وتساءل ما الذي يدفع فتاة من شرق لندن تبلغ 15 عامًا من عمرها ومتفوقة دراسيا إلى أن تعتقد أنه أمر جيد للغاية أن تتحول إلى عروس لمتطرف في مدينة الرقة؟. وجاء الحوار مع جادر رئيس التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز» على النحو التالي:

* كنت على خطوط الجبهات الأمامية في الحروب لتغطي أخبار الإرهاب والمتطرفين في المملكة المتحدة. كيف كانت تلك التجربة بالنسبة إليك؟
- كانت تجربة تغطية أخبار «لندنستان» والإرهاب والمتطرفين في المملكة المتحدة من أروع تجارب حياتي قاطبة. يقع في قلب المسألة السبب الرئيسي وراء حياة أولئك الناس في بريطانيا في المقام الأول، الذين من المرجح أن يكونوا قد تلقوا التعليم في المدارس الحكومية ويتمتعون بمزايا الديمقراطية، مثل حرية التعبير وحرية العبادة، والدافع أو الحافز لأن يلحقوا قدرًا من الأذى بالمجتمعات الغربية. يثير ذلك كثيرًا من التساؤلات المهمة حول مدى تماسك وصلابة المجتمع والتكامل فيما بينه، وسياسات الحكومة، وكما أعتقد، في نهاية المطاف، حالة الإنسان ذاته. وتغطية مثل تلك التقارير الإخبارية لا يخلص من المخاطر بأي حال ولقد واجهت بكل تأكيد قدرًا معقولاً من العداء من جانب المتطرفين في الماضي والتهديدات العارضة التي أتلقاها من وقت لآخر!
* عقب ترحيل أبو قتادة وأبو حمزة من المملكة المتحدة هل تعتقد أن مصطلح «لندنستان» لا يزال يحمل زخمًا معينًا؟
- أعتقد أن مصطلح «لندنستان» لا يزال يحمل زخمًا كبيرًا حتى اليوم. ويبدو أن كثيرًا من البذور المغروسة على يد المتطرفين في لندن إبان حقبة التسعينات قد تنمو حاليًا لتلتف حول عنق بريطانيا ومن ورائها الغرب. وذكرت في آخر قصتين لي حول المتطرفين التونسيين الذين عاشوا في المملكة المتحدة، والذين كانوا من تلامذة أبي قتادة، والذين يرتبطون أيضًا حاليًا بالمذبحة المروعة التي وقعت قبل شهر للسائحين البريطانيين في مدينة سوسة التونسية.
* لقد لعبت دورًا مهمًا في تغطية ثورات الربيع العربي. فما رؤيتك لما حدث؟ وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام، هل تشعر بالإحباط أو بخيبة الأمل حيال التقدم المحرز من قبل دول ما بعد الربيع العربي؟
- إنه وضع مخيب للآمال بحق أن نرى ما حدث في أعقاب ثورة الربيع العربي. إن سوريا تقبع في خضم فوضى عارمة، ويبدو أن تأخر إحراز التقدم الاقتصادي في تونس يدفع بكثير من الشبان المحبطين لأن يقعوا فريسة في أيدي المتطرفين.
* تواصل الكتابة في الآونة الأخيرة عن المقاتلين الأجانب المسافرين إلى سوريا. فما الذي يثير اهتمامك على وجه الخصوص في هذا الموضوع؟
- كما ذكرت آنفًا، إن أكثر ما يثير فضولي هي الدوافع التي تحفز الشباب الصغير الذي نشأ وتربى في بريطانيا على الانضمام المفاجئ للجماعة المتعطشة لدماء البشر مثل «داعش» والسعي، في بعض الحالات، لتنفيذ الهجمات على موطنها أو على المواطنين. ما الذي يدفع فتاة من شرق لندن تبلغ 15 عامًا من عمرها ومتفوقة دراسيًا لأن تعتقد أنه أمر جيد للغاية لأن تتحول إلى عروس لمتطرف في مدينة الرقة؟ ما الذي حدا بمحمد إموازي لأن يصبح «جون المتطرف» ويقطع بيديه رؤوس الرهائن البريطانيين؟ إن جزءًا من ذلك لا بد يرجع إلى «الشعار» الذي رفعه تنظيم داعش عن ذاته واستخدامه المتقن للغاية لوسائل الإعلام الاجتماعية، وهو الأمر الذي لم نشهد له مثيلاً من قبل وبتلك الدرجة المزرية لأن تكون أداة من أدوات التطرف.
في أواخر فترة التسعينات، كان جل تركيزي منصبًا على تأثير الدعاة في المساجد والحلقات الدراسية، مثل أبو قتادة وأبو حمزة، ولكن جهود التطرف والتجنيد تجري على قدم وساق عبر «تويتر»، وهي في غالب الأمر ما تتم على أيدي شبان حديثي السن من الذين تمكنوا مؤخرًا فقط من الالتحاق بغيرهم في سوريا أو العراق.
* بوصفك صحافيًا لدى صحيفة «صنداي تايمز»، وهي من الصحف المعروفة وواسعة الانتشار، كيف ساعدك ذلك أو لعله سبب لك إعاقة ما في مسار أعمالك؟
- إن العمل في صحيفة مشهورة قد يفتح لك، أحيانًا، الأبواب ويتيح لك قدرًا من المصداقية لدى الدوائر الحكومية والوزارات. ومع ذلك، ومن واقع حقيقة أن صحيفة «صنداي تايمز» تتبع تيار يمين الوسط، قد يتميز ذلك في بعض الأحيان بقدر من الصعوبة في بناء الثقة والمصداقية لدى المتطرفين ولدى عائلاتهم. وإنني دائمًا ما أوضح خلال محاولتي عقد اللقاءات مع أولئك القوم أن هدفي الأصيل هو محاولة تفهم سلوكيات الأشخاص وليس تأنيبهم أو وصمهم بالعار جراء أفعالهم. من الأهمية بمكان في مهنتي الحفاظ على الموضوعية بقدر الإمكان كمراسل صحافي.
* كيف بدأت مشوارك المهني في مجال الصحافة؟
- دائمًا ما كنت اهتم بالأخبار والقضايا المعاصرة وقت المراهقة، ولكنني اتخذت منحى الجدية حيال مهنة الصحافة بعد عملي محررًا إخباريًا في الصحيفة الجامعية بجامعة نوتنغهام. ولسوء الحظ، فإن كل صحيفة محلية راسلتها سعيًا وراء تعاقد لوظيفة أو فرصة للتدريب عقب التخرج، خذلتني، ولقد أصبت بإحباط شديد لدرجة أنني شرعت في ملء استمارات التوظيف لدى مؤسسات محاسبية بدلاً من الصحافة! ومن حسن الطالع، جاءتني وظيفة محرر مبتدئ لدى صحيفة أسبوعية آسيوية ناطقة بالإنجليزية تدعى «العين الشرقية». وهناك صقلت مواهبي الصحافية لمدة عامين كاملين قبل الانتقال إلى برنامج تدريب الخريجين لدى صحيفة «صنداي تايمز» في عام 1998.
* متى أحسست بأنك تخيرت لنفسك بالفعل المهنة الصحيحة؟
- كان ذلك حين أدركت أنهم قد يدفعون لي راتبي لكوني فضوليًا وأكتب القصص حول حياة أناس آخرين!
* ما أولى قصصك الصحافية؟ ومتى تم نشرها؟
- أعتقد أن أولى مقالاتي للصحافة الوطنية كانت في عام 1995 وكنت حينها في عملي لدى صحيفة الـ«تايمز» وطُلب مني تغطية مؤتمر صحافي في السفارة الأرجنتينية في لندن وكان يدور حول الحقوق النفطية في جزر فوكلاند! وكانت أولى مقالاتي قاطبة لصحيفة «صنداي تايمز» في سبتمبر 1998، وكانت، بصورة مناسبة، تدور حول الرجال التابعين لأسامة بن لادن وأذرع تنظيم القاعدة في لندن الذين خضعوا للتحقيقات على أيدي محققي سكوتلاند يارد حيال تفجيرات السفارتين في شرقي أفريقيا من ذلك العام.
* ما الذي تستمتع بعمله أكثر الوقت؟
- إذا ما فسرت سؤالك هذا بشكل صحيح، فإنني ما زلت أعشق مطاردة الناس بحثًا عن قصة ما والذهاب حتى أبواب منازلهم في زيارات مفاجئة لسؤالهم وأطلب منهم الحديث معي. لا تزال تلك مهارة جيدة إذا كانت تعمل بشكل جيد.
* ما القصة أو المقابلة التي تنتظر الكتابة عنها؟
- يا له من سؤال عسير.. مقابلة حصرية مع أبو بكر البغدادي سوف تكون شيئًا جيدًا، بافتراض أنه لا يزال على قيد الحياة، أو مع محمد إموازي، جلاد «داعش» المعروف باسم «جون المتطرف»، لسوف تأتي بمردود كبير هي الأخرى.
* حصلت على كثير من الجوائز المرموقة تكريمًا لعملك، ولكن هناك جائزة واحدة فقط هي أكبر مفخرة لديك؟
- للأسف، لم أحصل على أي جوائز مناسبة. ولكن هذا العام كنت على قائمة المرشحين لجائزة «المراسل الصحافي للعام» لدى حفل توزيع الجوائز الصحافية من فئة «الأخبار العاجلة» في الجوائز الصحافية البريطانية، وكلاهما يعنى بعملي حول المتطرفين البريطانيين في سوريا. ولقد كانت وسيلة طيبة للتكريم.
* مرت الآن أكثر من ثلاث سنوات على الصراع السوري، ومع بروز تلك القصة على الصفحات الأولى والأخبار العاجلة منذ بدايتها: هل هناك فرصة لأن يصيب الملل وسائل الإعلام؟
- لا أعتقد ذلك. لقد تطورت القصة الإعلامية في وسائل الإعلام البريطانية من تلك التي تدور حول الرئيس الأسد إلى التي تتناول تنظيم داعش، والتهديد الذي يشكله على بريطانيا والغرب. ومن العار أن ذلك التحول صارت له الأسبقية إثر مقتل مئات الآلاف من الأبرياء في سوريا، ولكن الأمن القومي هو الاحتمال الأرجح بالتغطية في الصحافة البريطانية. وبكل تأكيد، تهيمن جهود ديفيد كاميرون لنشر القوات الخاصة البريطانية (SAS) لمحاربة «داعش» على الصفحات الأولى للصحف اليوم.
* ما تقييمك لتغطية صحيفة «صنداي تايمز» لأخبار الإرهاب والمتطرفين؟
- من واقع خشيتي لأن أكون متملقًا لصحيفتي، فإنني أعتقد أن تغطية صحيفتنا لذلك الموضوع كان أكثر شمولاً من أغلب وسائل الإعلام الأخرى في المملكة المتحدة. وذلك لأسباب ليس أقلها أنني واحد من بين ستة صحافيين لدى «صنداي تايمز»، ومن بينهم أيضًا هالة جابر المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، الذين يهتمون بذلك الموضوع كثيرًا. ورغم ذلك، فإنني أقول إن صحيفة الـ«إندبندنت» كانت جيدة للغاية في تسليط الضوء على تلك الظاهرة ومن مراحلها المبكرة.
* التغطية الصحافية للقضية الفلسطينية يشوبها كثير من الانحياز، سواء كنا نتحدث عن الانحياز لإسرائيل في الغرب أو الانحياز لفلسطين، ما رأيك؟
- تلك قضية معمرة، وحتى هيئة الإذاعة البريطانية نالها اللوم لكونها إما من المؤيدين لفلسطين جدًا أو المؤيدين لإسرائيل للغاية في مختلف الأحيان. إنها قضية صعبة بحق. وكل ما يمكنني قوله إنه بوصفك مراسلاً صحافيًا يتعين عليك الالتزام بالموضوعية والمهنية في عملك بقدر الإمكان.
* من الصحافي المفضل لديك–على المستويين المحلي والدولي؟
- أخشى أن هناك كثيرًا من الأسماء اللامعة في المملكة المتحدة والعالم العربي. ولكنني أعجب كثيرًا بأولئك الذين يذهبون للخطوط الأمامية لتغطية أخبار الصراعات حيث تكون سلامتهم على المحك، وأولئك الذين يحاولون العثور على الحقيقة المجردة في دول تقمع حرية التعبير وحرية الصحافة.
* كم عدد الساعات التي تقضيها في العمل كل أسبوع؟ وهل يفسح لك ذلك مجالاً للراحة الشخصية؟
- إن ذلك يختلف باختلاف العناصر على أجندة الأعمال، ولكن–في المتوسط–دعني أقول إنها 60 ساعة في الأسبوع. وأيام الجمعة والسبت هي أكثر الأيام شغلاً بالنسبة لصحيفة تصدر أيام الآحاد من كل أسبوع. وأخشى أنني مثل معظم الصحافيين أقضي كثيرًا من وقت فراغي في قراءة الصحف والمجلات والتقارير على الإنترنت، ولذا فلا يتاح لي وقت الراحة الشخصية كما يحلو لي دائما!
* ما رأيك في الإعلام المطبوع مقابل الإعلام على الإنترنت؟ وهل تعتقد أن الأنماط الجديدة من الإعلام تغتال الأنماط القديمة منه؟
- أعتقد أن كلا النمطين يمكن أن يتعايشا جنبًا إلى جنب. ومن الناحية الشخصية، ما زلت أحب ملمس الحبر الأسود على أصابعي. وأعتقد بالتأكيد أن الإعلام المطبوع، مثل صحيفة «صنداي تايمز» و«دير شبيغل» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، لديها ما يكفي من الموارد لتتفوق في تحقيقاتها الصحافية. ومع ذلك، أعجبني كثيرًا موقع (فايس–Vice) الإخباري من واقع تغطيته للمتشددين. وأرى أن موقع (باز فيد–Buzzfeed) يستثمر بشكل كبير في نقل وتغطية الأخبار. والوقت كفيل بأن يخبرنا أي من تلك الأنماط يستحق الجدارة تجاريًا.
* ما المدونة أو الموقع الإخباري المفضل لديك؟
- لا أزال أتابع موقع هيئة الإذاعة البريطانية الإخباري في أغلب الأوقات. ولكن، وعلى نحو متزايد، أرى أن موقع «تويتر» هو الأفضل من حيث الأخبار الفورية العاجلة، في المملكة المتحدة وفي الخارج.
* ما النصيحة التي تقدمها لصغار الصحافيين الذين يبدأون أولى خطواتهم في تلك المهنة؟
- كن صبورًا، ومثابرًا، وعنيدًا، وكن دائمًا على استعداد لقبول رفض الآخرين لك، والأهم من كل شيء، كن صادقًا مع ذاتك.
* من قدوتك في عالم الصحافة؟
- من باب الأمانة، هناك عدد لا يحصى من الصحافيين والمحررين الذين أعجب بهم كثيرًا. وإذا ما تخيرت شخصية واحدة بعينها، أعتقد أنها سوف تكون ماري كولفين، المراسلة الأجنبية السابقة لدى «صنداي تايمز»، التي لاقت حتفها في سوريا على يد قوات بشار الأسد في 2012. فقد ساعدتني في أولى مقالاتي بالصحيفة وكانت ذات كرم بالغ على الدوام مع الصحافيين الناشئين من حيث النصيحة والوقت. وما كانت تخاف من شيء، وحققت فارقًا كبيرًا. وفي كل مرة أرى بائع الجرائد السريلانكي يحدثني عن الراحلة ماري، وكيف أنها سلطت الضوء بجهودها على مآسي أقلية التاميل في بدايات الصراع هناك، ويبكي متأثرًا لذكراها!
* ما الخصائص التي ينبغي في رأيك أن يتمتع بها كل صحافي ناجح؟
- العزم، والإصرار، والتواضع، والاستعداد لتحدي السلطة. ولا يكتفي بـ«لا» كإجابة.
* ما النصيحة التي تقدمها للصحافيين العرب الناشئين على وجه التحديد؟
- لن تختلف كثيرًا عما قلته آنفًا: كن صبورًا ومثابرًا وعنيدًا، وكن مستعدًا لأن يرفضك الآخرون، ولكن بمزيد من الأهمية، كن صادقًا مع نفسك. وبالنسبة لأولئك الذين ترفض عائلاتهم عملهم في الصحافة، أقول لهم إن الصحافة في مثل أهمية الطب أو القانون أو السياسة، على الرغم من أن العائد المادي من ورائها ليس كبيرًا!



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».