شركات النفط العالمية تعاني تحت وطأة انهيار الأسعار

مخاوف جديدة دفعتها لخفض التكاليف وتأجيل المشاريع وتقليص فرص العمل

شركات النفط العالمية تعاني تحت وطأة انهيار الأسعار
TT

شركات النفط العالمية تعاني تحت وطأة انهيار الأسعار

شركات النفط العالمية تعاني تحت وطأة انهيار الأسعار

بعد أسبوع مضطرب عانى فيه الاقتصاد العالمي وسط انهيار سوق المال في الصين، مما أثار المخاوف بشأن النظام المالي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يبدو أن أسعار النفط قد عقدت العزم على إثارة القلق في الأسواق العالمية بشأن مواصلة الانخفاض، بعد فترة استقرار مائلة للصعود، قاربت الخمسة أشهر امتدت منذ يناير (كانون الثاني) 2015، حتى مايو (أيار) الماضي.
لكن بنظرة أبعد من سوق الأوراق المالية الصينية، فالاقتصاد الصيني، ثاني أكبر مستهلك للنفط على مستوى العالم، يتباطأ بشكل ملحوظ. وبعض الشركات العملاقة تعبر عن مخاوف بشأن تباطؤ مفاجئ في المبيعات للمرة الأولى منذ 25 عامًا. وتراجع نشاط المصانع بشكل حاد في شهر يوليو (تموز)، مما يعزز من المخاوف بشأن الطلب الصيني على النفط.
ويقول خبراء السلع في بنك «غولدمان ساكس»، إن أسعار النفط يمكن أن تمسك بقوة عند مستوى 50 دولارًا للبرميل حتى عام 2020، مما أثار مخاوف جديدة لدى شركات الطاقة التي بدأت بالفعل في خفض التكاليف وتأجيل المشاريع وتقليص فرص العمل لمواجهة تراجع الإيرادات.
ووسط معاودة التراجع في أسعار النفط العالمية ليتداول خام برنت وخام تكساس الأميركي عند 53 و48 دولارًا للبرميل على التوالي، أعلنت الكثير من شركات النفط والغاز الكبرى خلال الأسبوع الماضي أنها تعتزم تقديم تخفيضات أخرى في محاولة للبقاء في الصناعة وسط بيئة غارقة.
وقالت شركة «رويال داتش شل»، عملاق النفط الفرنسي، إنها تعتزم تسريح نحو 6500 موظف خلال العام الحالي، من إجمالي مائة ألف عامل تقريبًا، بعد هبوط أرباح بنحو 37 في المائة خلال الربع الثاني من العام 2015.
وعلى النهج نفسه الذي اتبعته كل من شركة «بي بي» و«شتات أويل» و«توتال»، أعلنت «شل» عن خفض استثماراتها الرأسمالية للمرة الثانية خلال العام الحالي لتقلصها بواقع ثلاثة مليارات أخرى في ميزانية 2015 إلى 30 مليار دولار. يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه «شل» عن عرض بنحو 55 مليار جنيه إسترليني للاستحواذ على مجموعة «بي جي» البريطانية في أبريل (نيسان) الماضي.
وليست «شل» الشركة الوحيدة التي قد تضطر لخفض العمالة والتكاليف، فشركة «سنتريكا» البريطانية، أعلنت هي الأخرى عن عزمها إجراء خفض للعمالة بنحو 6000 وظيفة، فضلاً عن تقليص عمليات التنقيب عن الغاز وبيع جزء من مزارع الرياح في إطار عملية إعادة هيكلة جذرية.
وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، أعلنت «شيفرون»، شركة الطاقة الأميركية العملاقة، أنها ستخفض العمالة بنحو 1500 وظيفة لخفض التكاليف. وذلك بعد أن تراجعت إيرادات الشركة بنحو 90 في المائة في الربع الثاني حيث أدت انخفاض أسعار النفط الخام إلى انخفاض قيمة الأصول المنتجة للنفط والمملوكة للشركة. وتستعد الشركة لمواجهة أطول انكماش في تاريخها. وقال جاي جونسون، نائب الرئيس التنفيذي لوحدة المنبع لشركة «شيفرون»، إن الشركة تُخطط لتخفيض النفقات الاستثمارية خلال العام الحالي بنحو 5 مليارات دولار، مما كان عليه خلال العام الماضي، وتخطط الشركة أيضًا لخفض ميزانيتها في عامي 2016 و2017.
وبلغ صافي دخل الشركة 571 مليون دولار، بما يعادل 30 سنتًا للسهم من إجمالي الأرباح في الربع الثاني من العام الحالي، وهو أسوأ أرباحها الفصلية منذ 13 عامًا، بانخفاض من 5.670 مليار دولار أي ما يُعادل 3 دولارات للسهم في الفترة نفسها من أبريل إلى يونيو (حزيران) من العام الماضي.
وأضاف جونسون، خلال مؤتمر عبر الهاتف عُقد أول من أمس (الجمعة) مع مجموعة من المستثمرين، قائلاً: «المشكلة بالنسبة لـ(شيفرون) أنها قريبة من استكمال الكثير من المشروعات العملاقة، لذلك لن يسقط الإنفاق بسرعة كافية. فالوصول لأهداف الإنتاج في 2017 وتغطية التوزيعات النقدية للمساهمين، المستحقة في مارس (آذار)، يعتمد على سعر 70 دولارًا للبرميل».
وليست شركة «إكسون موبيل» الأميركية أفضل حالاً بكثير من «شيفرون»، بل حققت الشركة تراجع في أرباحها بنحو 50 في المائة بعدما سجلت صافي دخل بلغ 4.2 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الحالي مُقابل 8.8 مليار دولار خلال الربع نفسه من العام الماضي.
كذلك تراجعت الأرباح الفصلية لشركة «بي بي» البريطانية، بأكثر من الثلثين لتُسجل 1.3 مليار دولار مقابل 3.6 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الماضي.
وقال المدير المالي للشركة بريان جيلافري، إن «بي بي» وضعت خطط لخفض الإنفاق الرأسمالي للمرة الثانية خلال العام الحالي ليصل إلى أقل من 20 مليار دولار متراجعًا من نحو 22 مليار دولار في العام الماضي.
ويرى المحللون أن إعلان الشركات العالمية عن عزمها تخفيض العمالة والنفقات الاستثمارية، يأتي نتيجة لمخاوف جديدة من انزلاق الأسعار لما هو أبعد من المستويات الحالية، حيث أظهرت البيانات وضع المنتجين الأميركيين المزيد من الحفارات للعمل.
وارتفع عدد منصات الحفر العاملة في النفط في الولايات المتحدة الأميركية بنحو 5 منصات إلى 664 منصة خلال الأسبوع المنتهي، الجمعة الماضي، بعد زيادة بنحو 20 منصة خلال الأسبوع السابق له، وفقًا لبيانات «بيكر هيوز»، شركة أبحاث النفط الأميركية.
وقال محللون إنه جنبًا إلى جنب مع عودة منصات الحفر الأميركية للعمل، يُظهر الإنتاج الأكبر من المتوقع من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) أن الفترة المتبقية من العام الحالي ستشهد وفرة من النفط، مما يزيد من التراجع في الأسعار.
وهبطت أسعار النفط بأسوأ وتيرة شهرية منذ الأزمة المالية عام 2008، بعد علامات على أن كبار المنتجين في منطقة الشرق الأوسط ما زالت مستمرة في ضخ مستويات قياسية على الرغم من التخمة العالمية.
وأظهر مسح لـ«رويترز»، نشرت نتائجه الأسبوع الماضي، أن الدول الأعضاء في «أوبك» أنتجت نحو 31.35 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني بما يزيد نحو ثلاثة ملايين برميل عن حجم الطلب اليومي.
وأشار المسح إلى أن معروض الإمدادات من «أوبك» ارتفع إلى 32.01 مليون برميل في يوليو 2015 من 31.87 مليون برميل يوميًا بعد التعديل في يونيو. ويستند المسح إلى بيانات ملاحية ومعلومات من مصادر بشركات نفط و«أوبك» وشركات استشارية.
وأغلق الخام الأميركي بانخفاض 21 في المائة ليسجل 47.12 دولار للبرميل خلال يوليو، وهى أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، وهبط سعر برنت 18 في المائة ليغلق عند مستوى 52.21 دولارًا للبرميل خلال الشهر نفسه.
ويرى بنك «غولدمان ساكس» الأميركي، أن الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين إيران والقوى العالمية الكبرى خلال يوليو الماضي، يزيد من خطر الهبوط لأسعار النفط إذ إن احتياطيات إيران الضخمة من النفط ستبدأ تدريجيًا للعودة إلى السوق على الأكثر في عام 2016.
وتوقع «غولدمان ساكس»، في مذكرة بحثية اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، أن يسجل خام برنت متوسط 58 دولارا للبرميل في عام 2015، و62 دولارًا في العام المقبل، في حين أنه يتوقع أن يبلغ متوسط سعر الخام الأميركي 52 و57 دولارًا للبرميل خلال العام الحالي وعام 2016 على التوالي.
وقال المحلل جون كيلدوف، إن التخمة العالمية المتنامية من وقود الديزل يمكن أن يكون حافزًا في دفع أسعار النفط نحو 30 دولارًا للبرميل خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، مشيرًا إلى أن المملكة العربية السعودية والصين تقومان بتسريع قدرتهما التكريرية، مما يعني أننا ننتظر فيضانات من الديزل في السوق الآسيوية.
وأضاف كيلدوف، في حواره مع قناة «CNBC»، أن التطورات الأخيرة في الصين وإيران قد تُسهم أيضًا في انزلاق آخر في أسعار النفط.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.