الرئيس القبرصي لـ {الشرق الأوسط}: الانقسام يسيء لنا.. وسأعمل بلا توقف لتوحيد شطري الجزيرة

أناستاسيادس قال إن الثقل الخاص للسعودية يمكن أن يساهم بإيجابية في حل الأزمة القبرصية * علاقاتنا العربية الخليجية متنامية.. ومصر شريك استراتيجي

نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص ({الشرق الأوسط})
نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص ({الشرق الأوسط})
TT

الرئيس القبرصي لـ {الشرق الأوسط}: الانقسام يسيء لنا.. وسأعمل بلا توقف لتوحيد شطري الجزيرة

نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص ({الشرق الأوسط})
نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص ({الشرق الأوسط})

قال نيكوس أناستاسيادس رئيس جمهورية قبرص عضو الاتحاد الأوروبي، إن كل يوم يمر من دون تسوية للمشكلة القبرصية التي اندلعت قبل 40 عاما مضت مع الغزو التركي للجزيرة هو يوم سيئ يمر على قبرص وشعبها.
وبمرور الوقت، يتزايد التصميم على قضية توحيد الجزيرة. وأعرب عن اعتقاده أن عملية المفاوضات الجديدة التي بدأت الربيع الماضي تسير على طريقها الصحيح. وأكد في لقاء خص به «الشرق الأوسط» صباح الخميس الماضي في القصر الجمهوري في العاصمة نيقوسيا، أنه سيعمل بلا توقف لتوحيد شطري الجزيرة. وقال إن السعودية بثقلها في المنطقة يمكن أن تساهم في دفع مفاوضات توحيد الجزيرة إلى الأمام. وأعرب عن سعادته بوجود سفير سعودي لدى قبرص الآن بعد غياب نحو 50 عاما، وتحدث عن زيارته إلى عدد من دول الخليج العربي، وقال إنه أيضا يخطط لزيارة العاصمة الرياض. وكشف عن إعجابه بخطوات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تدشين مشروع قناة السويس الجديدة الذي وصفه بأنه مشروع عملاق يقدم خدمة كبرى للمنطقة والعالم.
وركز الرئيس القبرصي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على علاقاته الطيبة بمصطفى أكنجي رئيس شمال قبرص التركية، التي انعكست على إلغاء التأشيرات على المعابر الحدودية بين الجانبين، والتي لاحظتها «الشرق الأوسط» في معبري «ميتهان كارميا» و«لادرا بالاس»، وبالتالي قد تكون خطوات باتجاه توحيد الجزيرة، حلم القبارصة اليونانيين والأتراك. وجاء الحوار مع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس على النحو التالي:
* بدءا من العلاقات التي تربط دولة قبرص بالمملكة العربية السعودية والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.. هل يمكن أن ننتظر المزيد من التطورات الإيجابية والجديدة في ما يتعلق بتلك العلاقات؟
- في 16 يونيو (حزيران) 2015، وبعد فترة صمت طويلة، تلقيت أوراق اعتماد السفير الجديد للمملكة العربية السعودية لدى جمهورية قبرص. وعلاوة على ذلك، قررنا تعيين سفير مقيم لدى المملكة العربية السعودية، وهي خطوة تعكس رغبتنا الأكيدة في تعميق الروابط السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية مع المملكة.
كذلك، خلال العام ونصف العام الماضيين، قمت بزيارات رسمية لكل من دولة الكويت، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين. كما آمل في المستقبل القريب أن أكون قادرا على زيارة المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان.
واليوم، ومع اعتبار الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط الكبير والتطورات الجوهرية في منطقتنا، فإن التعاون ما بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وجمهورية قبرص يعد من الضرورة بمكان، نظرا لأننا جميعا نشترك في نفس المسعى نحو السلام والاستقرار والأمن في ذلك الجزء من العالم.
علاوة على ذلك، بالنسبة لدولة من الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتنتمي من الناحية الجغرافية إلى إقليم شرق البحر المتوسط، من الأهمية للغاية أن نعمل على تطوير الحوار وتبادر الآراء حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويمتد ذلك أيضا إلى ضرورة الاستقرار في شبه الجزيرة العربية حيال كل الحركات التي تسعى لزعزعة استقرار دول منطقة.
* كنت اجتمعت أخيرا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.. كيف تجده كرجل وقائد دولة؟ حيث يتكهن بعض المعلقين حول عودة العلاقات الخاصة القبرصية–المصرية على غرار ما كان عليه الأمر في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والرئيس القبرصي مكاريوس.
- بكل تأكيد، التقيت رئيس جمهورية مصر العربية في مناسبات كثيرة، وكنت أول رئيس أوروبي يزور مصر في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013، حيث أتيحت الفرصة للاجتماع بالسيد عبد الفتاح السيسي للمرة الأولى، بصفته العسكرية وقتها نائبا لرئيس الوزراء المصري ووزير الدفاع. بعد ذلك، كنت الرئيس الأوروبي الوحيد الذي حضر مراسم تنصيبه رئيسا لجمهورية مصر العربية في 8 يونيو 2014، وكان لنا اجتماع في سبتمبر (أيلول) عام 2014 على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، حيث أعرب كل منا عن التزامه بالعمل على إحياء العلاقات الاستراتيجية الشاملة بين البلدين بناء على المصالح المشتركة، ولا سيما في المجالات المتعلقة بالتعاون الأمني والدفاعي، ومجالات الطاقة والمسائل البحرية، ثم شاركت في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 في أول قمة ثلاثية تجمع رؤساء مصر واليونان وقبرص المنعقدة في القاهرة. وكان هناك اجتماع في مارس (آذار) من عام 2015 مع الرئيس السيسي على هامش مؤتمر التنمية الاقتصادية المصري. وأخيرا، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة قبرص في 29 أبريل (نيسان) 2015 للمشاركة في أعمال الدورة الثانية من القمة الثلاثية المصرية–اليونانية–القبرصية.
ويدل تكرار الاجتماعات وحده، فضلا عن الاجتماعات التي عقدت بين المسؤولين الحكوميين في البلدين، على أن العلاقات الثنائية والتعاون بيننا على المستوى الإقليمي والدولي قد بلغ آفاقا جديدة لا يمكن مقارنتها إلا بفترة العلاقات التاريخية التي جمعت الرئيس عبد الناصر بالرئيس مكاريوس.
قبرص تعتبر مصر من الجيران البارزين وشريكا استراتيجيا كبيرا، ولقد قدمنا دعمنا بشكل لا لبس فيه ومنذ البداية للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يحاول، بعزم ملحوظ ونزاهة فائقة، التعامل مع التحديات الكبيرة التي تواجه مصر، ومن بينها الوضع الأمني، والإصلاح الاقتصادي، والتنمية، وتنفيذ خريطة الطريق للانتقال بالبلاد إلى الديمقراطية الكاملة. وإنني أثني، على وجه الخصوص، على جهود الرئيس المصري في إنعاش الاقتصاد، بما في ذلك تعزيز الاستثمارات وتحفيز القطاعات ذات العمالة الكثيفة–مثالا بمشروع قناة السويس الذي يقدم خدمة كبرى للمنطقة والعالم، وغيرها من المشروعات الكبرى العملاقة.
كما ينبغي توجيه الشكر والثناء للسيد عبد الفتاح السيسي لجهوده الكبيرة في تحسين الوضع الأمني والاستقرار في مصر، فضلا عن المنطقة بأسرها من خلال الكثير من المبادرات الرامية إلى تحقيق المزيد من التعاون بين القوى الإقليمية المعتدلة وتيسير تسوية الخلافات المعقدة وطويلة الأمد.
ولقد كررت في كثير من الحالات أننا نتخذ موقف التضامن الكامل مع الرئيس المصري في معركته ضد الإرهاب والتطرف، الذي نعتبره من أكبر التحديات التي تواجه الدولة المصرية في الوقت الراهن. كما نعلن استعدادنا لتقديم ما يلزم من العون والمساعدة بكل وسيلة ممكنة.
* حافظت قبرص دائما على نوع من العلاقات الجيدة مع دولة إسرائيل.. فهل يمكن لتلك العلاقات أن تؤثر سلبا على متابعة تطوير العلاقات ما بين قبرص والدول العربية، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟
- أولا وقبل كل شيء، يجب أن أقول إن قبرص، وبالإضافة إلى حالة تطوير العلاقات بيننا وبين إسرائيل، حافظت كذلك على علاقات ممتازة وتقليدية مع كل الدول العربية ومع فلسطين بكل تأكيد. إن العلاقات التي تربطنا بالعالم العربي عميقة جدا وتاريخية، كما أنها تعكس عزمنا وتصميمنا على المحافظة على العلاقات الجيدة مع كافة جيراننا.
ولا تأتي علاقاتنا مع دولة إسرائيل على حساب مواقفنا المبدئية تجاه القضية الفلسطينية. وافتتحت قبرص، في السنوات الأخيرة، سفارات لها لدى معظم دول الخليج العربي، كما ذكرنا آنفا، ونأمل في القريب أن نفتتح سفارتنا في العاصمة السعودية الرياض. وكما تعلم، تحافظ الجمهورية القبرصية على علاقات ممتازة مع مصر، كما أن موقفنا المعلن من القضية الفلسطينية يبقى ثابتا من دون تغيير: حل الدولتين، حيث يمكن للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني التعايش في سلام جنبا إلى جنب.
* هل من الممكن للانتخابات التركية الأخيرة التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم الأغلبية، أن يكون لها تأثير على العلاقات القبرصية–التركية؟ وهل تعتقد، بصرف النظر عمن يحكم أنقرة، أن تركيا مهتمة حقا بإعادة توحيد الجزيرة القبرصية؟
- أعتقد أن التشكيل السريع للحكومة الجديدة في تركيا من شأنه أن يصب في صالح الدولة التركية، فضلا عن تحقيق مصالح السياسة الخارجية لتركيا. ومن زاوية الدور التركي ومساهمته في المفاوضات الخاصة بالقضية القبرصية، فإننا نأمل أن تكون تلك المساهمات بناءة، وهادفة، وسخية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنفيذ السريع لتدابير بناء الثقة، في وجود المساهمة التركية، من شأنه أن يعمل على تضييق فجوة الثقة ما بين القبارصة اليونانيين وتركيا.
* تعرضت قبرص للتقسيم قبل أربعين عاما مضت، فهل تعتقد في وجود إمكانية حقيقية لإعادة التوحيد؟
- أعتقد أن ذلك هو الوقت المناسب، كما أعتقد أن وقتا طويلا للغاية قد انقضى من دون حل للمشكلة القبرصية. وبمرور الوقت، يتزايد التصميم على قضية توحيد الجزيرة، وكل يوم يمر من دون تسوية للمشكلة هو يوم سيئ يمر على قبرص وشعبها.
أعتقد أن عملية المفاوضات الجديدة التي شرعنا فيها في الربيع الماضي تسير على طريقها الصحيح. وما نهدف إليه من وراء ذلك هو الوصول إلى تسوية شاملة وممكنة في أقرب وقت للمشكلة القبرصية، بناء على اتحاد ثنائي المجتمع والمنطقة على أساس المساواة السياسية، على النحو المنصوص عليه في قرارات مجلس الأمن الدولي، والاتفاقيات رفيعة المستوى، والإعلان المشترك في فبراير (شباط) عام 2014، مع شخصية قانونية دولية واحدة، وسيادة واحدة، ومواطنة واحدة. وعلاوة على ذلك، فإننا في حاجة إلى المحافظة على المبادئ التي أسس عليها الاتحاد الأوروبي، وذلك لصالح قبرص والشعب القبرصي.
وعودة إلى سؤالك، أود أن أجيب بـ«نعم»، إعادة توحيد شطري الجزيرة هو احتمال حقيقي. ولسوف أعمل بلا كلل وبكل جهد من أجل تحقيق تلك الغاية.
* التقيت أخيرا مصطفى أكينجي زعيم القبارصة الأتراك فيما وراء الأبواب المغلقة.. فهل يمكنك أن تخبرنا بما تمت مناقشته؟ أو هل كانت المحادثات مقتصرة على الخلافات السياسية؟
- جاء تولي مصطفى أكينجي أخيرا لقيادة المجتمع القبرصي التركي من قبيل التطورات الإيجابية للغاية. لقد التقيت بالفعل عدة مرات السيد أكينجي، وكانت اجتماعاتنا إيجابية ومبشرة. وإننا نتشارك في ذات الرؤية مع السيد أكينجي؛ من حيث إعادة توحيد وطننا في ظل اتحاد من طائفتين متجاورتين. وأعتقد أنه يمكننا التعاون معا في اتجاه تحقيق تلك الغاية وإحلال السلام في وطننا.
الآن، وبالنظر إلى العملية السياسية، إلى جانب المفاوضات التي بدأت من جديد، فإننا نعمل على تعزيز سلسلة من تدابير بناء الثقة، التي تهدف إلى تحسين الحياة اليومية للشعب من كلتا الطائفتين، فضلا عن استعادة الثقة والاطمئنان إلى الناس. علاوة على ذلك، فإننا نعتقد أن التنفيذ الناجع لتدابير إعادة الثقة من شأنه أن يخلق حالة دينامية جديدة سوف تساعد بكل تأكيد في تعزيز عملية التفاوض الحالية.
* هل تعتقد أن أصدقاء قبرص من الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، بإمكانهم المساهمة بإيجابية في الوصول إلى تسوية للنزاع الذي تعانيه قبرص منذ عقود؟
- كما ذكرت آنفا، تمتلك قبرص علاقات جيرة وصداقة ممتازة وقوية مع دول العالم العربي، كما أنها حافظت على تاريخ طويل من العلاقات الاقتصادية، والتجارية، والثقافية الطويلة معهم.
وتعتبر المملكة العربية السعودية لاعبا مهما وحيويا ومؤثرا في منطقة الشرق الأوسط مع موقف بارز وقيادي في العالم الإسلامي، فضلا عن دورها العميق لدى المنظمات الإقليمية والدولية المختلفة.
يمكن للثقل الخاص الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية أن يساهم بإيجابية في جهودنا الحالية وصولا إلى تسوية للقضية القبرصية. على وجه الخصوص، فإن الموقف المبدئي الذي تحتفظ به المملكة العربية السعودية في منظمة التعاون الإسلامي حيال القضية القبرصية، وجهودها المستمرة في منظمة التعاون الإسلامي من أجل تعزيز القرارات اتساقا مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن بالأمم المتحدة، قد أسفر عن نتائج جديرة بالشكر والثناء في الدورة الثانية والأربعين لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في دولة الكويت أواخر مايو (أيار) الماضي. ويعبر القرار المتخذ في الكويت عن خطوة كبيرة إلى الأمام من حيث إزالة اللغة التي تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، بالإضافة إلى إزالة الإشارات القديمة والمعقدة. ويساعد تحسين محتويات القرار المذكور في فتح الأبواب أمام الحوار والتفاهم، والمساهمة كذلك، في اتجاه المزيد من التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي.
* في ما يتعلق بالاتفاقية المبرمة مع مصر، وإسرائيل وقبرص للسيطرة على ملكية واستغلال الغاز الطبيعي الموجود في البحر الأبيض المتوسط، هل تعتقد أن مثل تلك الاتفاقية من شأنها إغضاب دول أخرى مثل تركيا، ويمكن أن تشكل خطرا على إعادة التوحد القبرصي؟
- أدركت قبرص في وقت مبكر أهمية النفط والغاز المكتشفين في شرق البحر الأبيض المتوسط. وزادت قناعتنا بأن النفط والغاز يمكن أن يكونا محفزين للتعاون الإقليمي، والاستقرار والتنمية في تلك المنطقة، مما يعزز السلام والأمن في تلك المنطقة المضطربة من العالم.
شرعنا في سياسة ثابتة للعمل جنبا إلى جنب مع جيراننا الساحليين مثل مصر وإسرائيل ولبنان، على الصعيد الثنائي، وفي الإطار الثلاثي كذلك، مع ضم اليونان، حتى يتسنى تعزيز الدور التحفيزي للنفط والغاز.
إن التعاون والأطر الثلاثية (قبرص ومصر واليونان فعليا، وقبرص وإسرائيل واليونان قيد الترتيب) لا يعتبر حصريا من حيث طبيعته، ولكنه على العكس من ذلك يعد مجالا مفتوحا لأي دولة من دول المنطقة تلك التي تتمسك بالمبادئ الراسخة للقانون الدولي، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
إننا لم نستبعد تركيا من ذلك التعاون أو من المكاسب التي قد تنجم عنه، بل عمدت تركيا إلى إقصاء نفسها من خلال السلوك الذي اعتمدته وجها لوجه في مواجهة دول شرق البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال عدم احترام المبادئ الراسخة للقانون الدولي التي تحكم العلاقات ما بين الدول.
إن الباب لا يزال، وسوف يظل مفتوحا أمام ضم تركيا للتعاون الإقليمي المذكور شريطة أن تقرر أنقرة التخلي عن سياساتها العدوانية والالتزام بواجباتها والتزاماتها الدولية بصفتها من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
إننا نرغب وبمنتهى الإخلاص، ونتوقع قريبا أن تدرك تركيا المزايا التي يتوقع الاستفادة منها عن طريق تسوية المشكلة القبرصية، بالنسبة لتركيا وللقبارصة الأتراك على حد سواء، وأنها لن تستخدم مسألة النفط والغاز والتعاون السلمي الآخذ في النمو والتطور حولها في شرق البحر الأبيض المتوسط ذريعة للحيلولة دون إعادة توحيد شطري الجزيرة القبرصية.
* هل تواجه قبرص أيضا مشكلة «لاجئي القوارب» في البحر الأبيض المتوسط؟ وما الذي ينبغي على الاتحاد الأوروبي، في رأيك، أن يفعله لمجابهة ذلك التحدي الآخذ في التصاعد؟
- لا تواجه قبرص الوقت الراهن أعدادا كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون عبر البحر على العكس من الدول الأخرى في الخطوط الأمامية بالاتحاد الأوروبي (إيطاليا، واليونان، ومالطا). ومع ذلك، فإن القرب الجغرافي من المناطق التي مزقتها الحروب (مثل سوريا والعراق) يعرض قبرص لاحتمال مواجهة تدفقات كبيرة وغير متوقعة من المهاجرين. على سبيل المثال، في سبتمبر 2014، تم إنقاذ 336 شخصا (معظمهم من أصول سورية) على أيدي السلطات القبرصية، حيث كانوا قابعين في قاربهم بالقرب من سواحل قبرص. ولقد وصلوا جميعهم إلى الشواطئ بأمان، وتم الترحيب بهم في منشآت خصصت لهم من جانب جمهورية قبرص.
إن مشكلة الهجرة غير الشرعية من المشكلات شديدة التعقيد، وليست هناك حلول سهلة أو سريعة لها. ومن زاوية الاتحاد الأوروبي، فإننا نشعر بأن هناك أهمية قصوى للتعامل مع المهربين وشبكات تهريب البشر.
ثانيا، ينبغي التأكد أن الناس الفارين من المناطق الخطيرة التي مزقتها الحروب، والذين هم في حاجة ماسة إلى الحماية الدولية، يتسنى لهم الاستفادة من تلك الحماية، وهم يعتبرون فئة منفصلة تماما من المهاجرين لأسباب اقتصادية. مع ذلك، فإن أهم وسائل التخفيف من حدة تلك المشكلة هي عن طريق التعامل مع الأسباب الجذرية في دول المنشأ (والمعبر) مثل الفقر، ونقص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونفاذ حكم القانون، والحكم الرشيد، وغيرها من الأمور.
لا يمكن للاتحاد الأوروبي تسوية تلك المشكلة بمفرده. وإننا في حاجة إلى مقاربة شاملة من كل أطراف المجتمع الدولي في ذلك.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended