صادق الصبّاح ﻟ«الشرق الأوسط»: «الهيبة» و«2020» و«صالون زهرة» وصلت إلى العالمية

«وأخيراً» و«الأجهر» من أبرز أعمال شركة الإنتاج اللبنانية في رمضان 2023

رئيس مجلس إدارة شركة «الصبّاح» للإنتاج، صادق الصبّاح (الشرق الأوسط)
رئيس مجلس إدارة شركة «الصبّاح» للإنتاج، صادق الصبّاح (الشرق الأوسط)
TT

صادق الصبّاح ﻟ«الشرق الأوسط»: «الهيبة» و«2020» و«صالون زهرة» وصلت إلى العالمية

رئيس مجلس إدارة شركة «الصبّاح» للإنتاج، صادق الصبّاح (الشرق الأوسط)
رئيس مجلس إدارة شركة «الصبّاح» للإنتاج، صادق الصبّاح (الشرق الأوسط)

من مقر شركته في وسط العاصمة اللبنانية، يراقب صادق الصبّاح الماراثون الدرامي العالمي، واجتياح منصات البث مشهديّة قطاع الترفيه العربيّ. لا يكتفي المنتج اللبناني ورئيس مجلس إدارة «شركة الصبّاح للإنتاج الفني – Cedars Art»، بالجلوس خلف مكتبه البيروتيّ حيث يبدأ يومه بنغماتٍ فيروزيّة. فهو لا يفوّت فرصةً للمشاركة في ملتقى هنا أو منتدى هناك، للاطّلاع على كل جديد في عالم الإنتاج التلفزيوني والسينمائي. يحضر المهرجانات والمعارض العالمية، من لوس أنجليس إلى أقصى القارة الآسيوية. يجول كذلك على مكاتب الشركة المنتشرة في بعض العواصم العربية، ليتابع عن كثب تطوّرات العمل.
منذ 4 عقود، يتشارك الصباح وشقيقه علي إدارة المؤسسة. الأمر أبعد من «بيزنس» وأوسع من شركة إنتاج؛ هي قصة شغفٍ ورثه الشقيقان الصبّاح عن جدّهما وأورثاه لأولادهما والأحفاد. يتقاسم الجيلان اليوم المهام فيما بينهما، ليقدّما أبرز المسلسلات العربية. بعض تلك المسلسلات ﻛ«الهيبة» و«صالون زهرة» سلك طريقه إلى الغرب، حسب ما يقول الصبّاح ل"الشرق الأوسط". والبعض الآخر آتٍ في رمضان 2023 ليثبت أن العالمية ليست مهمة مستحيلة بالنسبة إلى المسلسلات العربية.

على قائمة رمضان 2023: «المدّاح» و«النار بالنار» وأكثر

دخلت شركة «الصبّاح» إلى السوق المصرية من خلال مسلسلات عدة؛ أبرزها «أزمة منتصف العمر». وهي تعود بإنتاجات رمضانية مصرية من بينها «المدّاح، أسطورة العشق»، و«الأجهر» من بطولة عمرو سعد، و«تغيير جوّ» مع منّة شلبي. وفي جعبة الشركة للشهر الكريم كذلك إنتاجاتٌ ضخمة، منها «وأخيراً» مع نادين نجيم وقصي خولي، و«الزند - ذئب العاصي» مع تيم حسن، و«النار بالنار» مع عابد فهد وكاريس بشار وجورج خباز.


تجد الشركة نفسها اليوم في قلب الحقبة الذهبيّة للشاشة الصغيرة، هي التي عرفت كيف تواكب صعود البث الرقمي. فقد حجز القيّمون عليها مساحةً واسعة لإنتاجاتهم على المنصات، وهم لاقَوا في منصة «شاهد» المنبثقة عن مجموعة MBC شريكاً في رحلة الصعود والنجاح.
يقول المنتج صادق الصبّاح في هذا الإطار، إنّنا «في أوج عصر البث والمنصات والتطبيقات. هذا القطاع في تطوّر سريع ويوميّ. وقد كانت خطوة ذكية من MBC بأن تستبق هجمة المنصات الغربية على العالم العربي، وأن تخلق علاقة متينة مع المشاهد العربي من خلال (شاهد)».


امتدت علاقة الشركة المُنتجة مع المنصات إلى خارج الحدود العربية. ففي عام 2018 اختارت «نتفليكس» أن تبثّ مسلسل «الهيبة». لحق ذلك بعد سنة فيلم «دولار» الذي أنتجه الصبّاح وتبنّته المنصة العالمية كأحد أعمالها الأصلية (Netflix Originals). مع الوقت، توسّعت الدائرة وباتت إنتاجات الصبّاح موجودة على معظم منصات البث، العربية منها والعالمية.

حكاية «جبل شيخ الجبل» صارت عالمية

لا يجد صادق الصبّاح أي مانعٍ يحول دون دخول المسلسلات العربية إلى بيوت الغرب عن طريق المنصات. إنها فترة ملائمة جداً للوصول إلى مشاهدين من جنسيات غير عربية. وقد حصل ذلك فعلاً من خلال مسلسلات مثل «الهيبة»، و«2020»، و«صالون زهرة»، و«تشيللو» وغيرها، والتي تُرجمت إلى لغاتٍ عدة كالإسبانية والبرتغالية.
بالعودة إلى «الهيبة»، فقد شكّلت هذه الخُماسيّة ظاهرة في عالم الدراما العربيّة. يختصر الصبّاح الظاهرة قائلاً: «حكاية (الهيبة) كانت جاذبة عالمياً. إذ غالباً ما تلاقي قصص الشخصيات الخارجة على القانون صدىً، خصوصاً إذا كان البطل يخبّئ جوانب إنسانية تحت الظاهر العنيف والإجراميّ. يضاف إلى ذلك، النص المتقن والإخراج والعناصر التقنية، التي رفعت المسلسل إلى مستوى عالميّ. من دون أن ننسى الضجّة التي أثارها على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تَحوّل بموجبها إلى ترند على مرّ المواسم».

أحبَّ الناس «جبل شيخ الجبل»، وكل مَن وما يحيط به من قرية وعائلة وحبيبات ورفاق. تعاطفوا معه رغم اهتماماته المثيرة للجدل، ونبذوا أعداءه. بسرعة قياسية، تحوّلت شخصية «جبل» إلى أسطورة دراميّة جرت دبلجتها إلى لغاتٍ عدّة. وبعد 5 مواسم تبدّلت فيها بعض الشخصيات وتطوّرت خلالها الحبكة، ها هي إحدى أبرز شركات الإنتاج في تركيا تشتري بنية (format) المسلسل من الصبّاح لتعيد تصويره، إنما بنسخة تركية مقتبسة عن العربية. وقد توّجت شركة الصبّاح خماسيّة «الهيبة» بفيلم جاء بمثابة النهاية لأحد أهمّ إنتاجات الشركة.
«ليست العالمية هاجساً بالنسبة إلينا»، يلفت الصبّاح. ويضيف: «لم يكن هدفنا الوصول إليها من خلال مسلسلاتنا، لكننا تفاجأنا بالأصداء وبالمهرجانات الدولية التي كرّمت تلك الأعمال». المنتج الذي يتابع مسلسلات غربية كثيرة، ويبدي إعجابه بـ«ذا كراون» و«كوينز غامبيت»، يعتبر أن الخلطة السحرية التي قد تأخذ عملاً درامياً إلى العالمية تتألّف من المكوّنات التالية: نص ممتاز، تقنيات متطوّرة، إخراج وتمثيل ذَوَا مستوى، وميزانية كبيرة.
«قصصنا حلوة كتير لكن بدها ميزانية أعلى»، يتحسّر الصبّاح. في مكتبة الشركة نصوصٌ من كل الأنواع: روايات عالمية وعربية، قصص رعب وتشويق وحب اشترت الشركة حقوقها، وهي تنتظر فقط الميزانية الكافية لإنتاجها، واللحظة المناسبة لإطلاقها إلى جمهورٍ متحوّل الأمزجة وصعب الإقناع.

مستقبل الدراما العربية بعيون الصبّاح

يوافق صادق الصبّاح على أنّ الدراما العربية شهدت قفزة نوعيّة في السنوات الأخيرة، وبرأيه «أثبتت الجهات العربية المنتجة أنها قادرة على تقديم محتوى ينافس الغرب بجدارة. أضف إلى ذلك التقنيات التي صارت سهلة المنال وأقل كلفةً، إلى جانب الميزانيات التي تحسّنت قليلاً مقارنةً مع الماضي».
تعتمد الشركة كذلك على دراسات وإحصائيات تُجريها لجسّ نبض الشارع، وفهم المزاج العام والقضايا التي تشغله، فيجري على أساسها اختيار مواضيع المسلسلات؛ من حقوق المرأة، إلى مواهب ذوي الاحتياجات الخاصة، مروراً بقضايا التهريب والمخدرات. أما المعالجة، فتخضع لرقابة ذاتية، ويؤكد الصبّاح في هذا الإطار أنّ «الشركة جريئة في معالجة المواضيع كافةً، لكنها تحرص على ألا تخدش المجتمعات والتقاليد العربية». يقول: «لا يمكننا أن نشرّع ما يشرّعه الغرب في الدراما. نحاول أن نداري مجتمعنا قدر المستطاع».


يتوقّع الصبّاح أن يتمّ تدريجياً خرق المحظورات وتقديم دراما تُقنع الجيل الصاعد أكثر بواقعيتها وحريتها، كما ستكون الحال في مسلسل «وتر» الذي ما زال في مرحلة الكتابة، وهو يحاكي المراهقين والشباب بتفاصيله الجريئة.
إلى جانب تحدّي جذب الجمهور الشاب، يبرز تحدٍ من نوعٍ آخر وهو تجنّب التطويل والوصول إلى صيغة المسلسل أو الموسم الذي يضم حلقات قليلة، والخروج من هاجس اﻟ30 حلقة. وقد نجحت هذه التجربة في مسلسل «بطلوع الروح» الذي عُرض في رمضان 2022، وكان عبارة عن 15 حلقة.

يبدو صادق الصبّاح مطمئناً إلى مستقبل الدراما العربية، وما خليّةُ النحل داخل شركته سوى انعكاسٍ لذلك الاطمئنان. ففي الشركة 5 منتجين، وكلٌ منهم ينجز ما بين عملَين و3 سنوياً.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.