المدن الحديثة تجاور الصحارى الذهبية وتجذب الإنتاجات الكبيرة

دولة الإمارات تنجز ما تعد هوليوود به

فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»،  توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»، توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
TT

المدن الحديثة تجاور الصحارى الذهبية وتجذب الإنتاجات الكبيرة

فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»،  توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»
فان ديزل في لقطة صحراوية من «سريع وغاضب 7»، توم كروز متدليا من برج خليفة في دبي «مهمّـة مستحيلة 4»

في منتصف الشهر الماضي قامت شركة يونيفرسال بما لم تقم به من قبل: إيفاد مجموعة من ممثلي وصانعي فيلم «سريع وغاضب 7» إلى مدينة أبوظبي، حيث تم تصوير بعض مشاهد الفيلم قبل أقل من عام، لإقامة مؤتمر صحافي يستمر أربعة أيام.
العادة جرت أن تتم هذه المؤتمرات واللقاءات الصحافية (التي تُـسمّـى Press Junkets) في الدول الغربية وبعض الدول الآسيوية البعيدة. في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا (أحيانًا) وفي طوكيو والصين وتايلاند (أحيانًا أخرى).
لم تقم سابقًا في مصر ولا في لبنان ولا في تونس، وحسب علمنا ربما أقيمت مرّة واحدة في الدار البيضاء. هذه ليس لها علاقة بالمهرجانات المقامة في تلك الدول أو سواها، بل هي جهد منفصل تقرره الشركة المنتجة وتشرف عليه منفصلاً عن أي نشاط آخر سوى الترويج للفيلم.
كذلك لم يقع هذا اللقاء المرتّـب ترتيبًا جيّـدًا في أي دولة خليجية من قبل بما فيها دولة الإمارات إلا من خلال مهرجانات سابقة خصوصًا دبي وأبوظبي. إليه دعيت الصحافة العربية والعالمية وأمّـه ممثلون من محطات تلفزيونية وصحف ومجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية من كندا إلى الهند ومن الولايات المتحدة إلى دولة الإمارات ذاتها.
مؤسسة «توفور 54»، التي أشرفت على الاستضافات وتهيئة الأجواء التي تقودها الناشطة نورا الكعبي كرئيس مجلس إدارة، أدركت منذ البداية ما يعنيه تصوير «سريع وغاضب 7» في الإمارة من حسنات. طبعًا يعني الكثير من التحديات في مجال توفير الخدمات وحسن سير الإدارات المتصلة، لكنه يعني أن أبوظبي من ناحية ودولة الإمارات من ناحية أعم، ستصبح محط ثقة الاستوديوهات الأميركية إذا ما نجحت تجربة التصوير فيها. ليس فقط أن التجربة نجحت ميدانيًا ومن دون مشاكل كان يمكن لها أن تقع في أي بلد غير مستعد إذا ما تم التصوير فيه، بل أثرى ملامح الفيلم على الشاشة. منحته مشاهد لم ير المشاهد الغربي مثلها تمزج ما بين ناطحات سحب عصرية وصحراء عربية تعيش في تعاضد ينسف ما سبق من تلك الصور التي أساءت للصحراء العربية في سالف العصور أيام كانت هوليوود تستوحي من حكايات الخيال بيئات تصوّرها بدائية وغير حضارية.

* فائدة متبادلة
* الأمر ذاته كان فيلم «المهمة: مستحيلة 4» أوحى به. في العام 2011 قامت شركة باراماونت بالموافقة على تصوير جزء كبير من مشاهد الفيلم الجاسوسي المعروف في مدينة دبي واحتفت، هي والمدينة ومهرجان دبي معًا، بتلك المشاهد الخاصّـة التي تدلّـى فيها توم كروز من أحد الطوابق العليا في أعلى مبنى في العالم، وهو برج خليفة، تبعًا لأحداث الفيلم.
هو أيضًا لم يكن الفيلم الأميركي الأول الذي استعان بدولة الإمارات لإنجاز مشاهده. قبله، على سبيل المثال: «سيريانا» (2005) الذي كان من الممكن تصويره في صحراء أريزونا أو في بعض صحارى المغرب لو أرادوا وكما فعلوا في غالبية ما صوّروه من أفلام تتضمن حكايات صحراوية.
لكن السؤال، في هذا النطاق، هو ما هي فوائد تصوير الأفلام الأجنبية في أي دولة عربية؟ ما الذي يجنيه البلد خصوصًا إذا ما كان ذا اقتصاد مزدهر ومستقر كما الحال في دولة الإمارات؟
إنه سؤال سهل الإجابة في بعض جوانبه وصعب في جوانب أخرى.
التصوير في بلد عربي يعني، كبداية، ثقة التمويل بأن صرف جزء من الميزانية (قد يكبر ليشمل معظم الميزانية أو يبقى محدودًا حسب حجم التصوير الخارجي المطلوب) ليس مضيعة للمال أو للوقت (والوقت هو أيضًا مال). لا يوجد منتج على سطح الكرة يريد أن يختار بلدًا يصوّر فيه، ولا حتى موقعًا يقصده في بلده هو، ليكتشف أن هناك معيقات، ولو أن ذلك ما يزال يحدث من حين لآخر كما ورد هنا في الأسبوع الماضي حول فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو الجديد «المنبعث».
بتحقيق البلد متطلّـبات الضيافة والتصوير من حيث آلياته والاستعدادات اللوجستيكية والإدارية المختلفة ومن حيث توفير أسباب الراحة والأمن (وهي متوفرة دومًا في دولة الإمارات) يستطيع أن يبرز هويّـته بين هويّـات الدول القادرة على تنفيذ خطط عمل بحجم مئات ملايين الدولارات. هذا مبرهن في مجالات غير سينمائية وفنية، لكن السينما، وباقي الفنون، هي بمثابة الحلوى على المائدة. إذا ما اعتمدتها شركات الإنتاج الأميركية على الأخص (كونها الأكبر حجمًا والأوسع انتشارا) فإن البلد صار موطنًا لحركة متواصلة من الأعمال وتبادل الخبرات يستفيد السينمائي المحلي بسببها في الوقت الذي ينجز الأجنبي ما جاء للبلد من أجله.

* تاريخ طويل
* قبل أقل من عشر سنوات قامت حكومة دبي بتأسيس «استوديوهات دبي» والغاية هي تمامًا ما تم إنجازه ولا يزال: استقبال كل أنواع وأعمال التصوير التلفزيوني والسينمائي في إمارة دبي. وهي سريعًا ما انتبهت ضرورة حصر كل المعاملات في إدارة واحدة، عوض توزّعها على عدة إدارات وقطاعات مما ينتج عنه تأخير العمل وسهولة سقوطه في عراقيل مفاجئة. ما نتج عن تلك التسهيلات أن تدفقت على دبي مشاريع تصوير مختلفة ولو أن قلّـة منها هي التي تشبه «المهمّـة: مستحيلة 4» أو «سريع وغاضب 7» حجمًا وأهمية.
السبب في ذلك هو أنه ليس من السهل على هوليوود ذاتها البحث عن مشاريع سينمائية تفرض على أصحابها التصوير في دولة معيّـنة. قليلة ومتباعدة هي الأفلام الأميركية التي تصور في البرازيل أو في النرويج أو في تشاد أو في مصر أو في سواها مثلاً. إن لم يكن هناك داع مرتبط بالحكاية ذاتها ومواقعها، وإذا لم يكن من الصعب استيحاء الموقع والثقافات والهويات الاجتماعية وفبركتها داخل هوليوود أو - على الأبعد - كندا، فلم القيام بالتصوير الخارجي الذي سيضيف عبئًا على الميزانية؟
السبب الوحيد هو أن يكون البلد المقترح متطوّعًا للإنفاق على الفيلم بدوره. وهذا له شأن آخر يمر بفلترات كثيرة من بينها أن السياسة السينمائية لبعض الدول، وعن صواب، هي جذب الشركات الكبرى للتصوير فيها من دون أن تسهم في تسديد الفاتورة نقدًا. في المقابل، ستتيح لها، عبر مرافقها الحكومية المختلفة، كل المساعدات اللوجستيكية الممكنة وكل المتطلبات الإدارية المتاحة وعلى أفضل وجه وتعفيها من الكثير من النفقات التي كانت ستتكلّـفها وكلها عناصر جذب مهمّـة في حال توفر النص المناسب طبعًا.
تاريخ التصوير في البلاد العربية يذهب بعيدًا ليصل إلى مطلع تاريخ التصوير ذاته. الأخوان لوميير، بينما كانا لا يزالان يرتابان بمستقبل السينما، على حد ما صرّح به أحدهما على الأقل، أوفدا مصوّرين كثيرين إلى كل منطقة في العالم ومن بينها فلسطين ومصر والمغرب والجزائر وسوريا، وذلك منذ السنوات العشر الأولى من القرن الماضي.
عندما باتت الأفلام قصصًا تُـروى، تم تصوير عشرات الأفلام الأميركية والأوروبية في صحارى ومدن عربية من مراكش إلى مصر ومن الجزائر إلى العراق ولبنان.
الإنتاجات العصرية فيما بعد توزّعت بين مصر لحين ثم اعتمدت لبنان في الستينات. من لجأ إلى مصر للإنتاج اكتشف التعقيد الروتيني. جرّب ولم يعد وما لبث أن روّج أن التصوير هناك معقد. لبنان كان هيّـنًا. استقبل أفلامًا كثيرة صوّرت في جباله ومدنه وإن كان من بينها ما صوّرها، في الستينات، كعاصمة جواسيس عالمية. سواء أكان ذلك صحيحًا حينها أم لم يكن، فإن الحرب الأهلية اللبنانية قضت على البلد كمحطة جذب سينمائي ولم تنجح الأفلام القليلة التي صوّرت هناك، على نحو لبناني - غير لبناني مشترك في ترميم هذه الصورة بعد الحرب (واليوم لا إمكانية لترميمها مطلقًا).
الدولة العربية الأكثر استقبالاً للإنتاجات العالمية (أميركية وأوروبية) هي المغرب بالطبع. عدد الأفلام العالمية الكبيرة التي صوّرت جزئيًا أو كليًا في المغرب من العام 2000 إلى اليوم يتجاوز 35 فيلما وهو العدد الموازي تقريبًا لما تم تصويره في المغرب منذ أيام السينما الصامتة وحتى العام المذكور.
آخر الإنتاجات الأميركية التي تم تصويرها هناك «قناص أميركي» لكلينت ايستوود و«الإنجيل يستمر» وهو فيلم تاريخي كشأن الكثير من الأفلام التاريخية التي اعتمدت المغرب كموقع مناسب لمثل هذه الأعمال. أيضًا «المهمّـة: مستحيلة 5» الذي سيفتتح قريبًا حول العالم إذ اختار المغرب بعدما كان اختار الإمارات للجزء الرابع.



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.