مصر تعد العالم باحتفال لا ينسى في افتتاح قناة السويس الجديدة

خطط أمنية محكمة واستعدادات مكثفة.. وعملات تذكارية ذهبية في استقبال الضيوف

وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
TT

مصر تعد العالم باحتفال لا ينسى في افتتاح قناة السويس الجديدة

وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)

قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر لقناة السويس الجديدة، الذي يجري الخميس المقبل، تشهد مصر استعدادات مكثفة على كل المستويات لاستقبال الحدث، الذي وصفته دوائر سياسية محلية ودولية بأنه سيكون الأكبر في الأجندة المصرية منذ انطلاق الألفية الثالثة.
وشهدت القناة يوم السبت الماضي تشغيلا تجريبيا بمرور ثلاث سفن عملاقة للمجرى الملاحي الجديد، بينما تستعد كل محافظات مصر لاحتفالات موازية للحفل الرئيسي الذي سيقام على ضفة القناة، بينما أكدت مصادر على صلة بالاحتفالية أن موانئ وسفن العالم ستطلق أبواقها في نفس التوقيت بالتزامن مع افتتاح القناة، احتفالا بهذا الإنجاز التاريخي.
وبالأمس أعلن الفريق مهاب مميش، رئس هيئة قناة السويس، في مؤتمر صحافي عن انتهاء عمليات الحفر في قناة السويس الجديدة، مشيرا إلى أن القناة أصبحت جاهزة الآن لاستقبال أضخم السفن والحاويات، وخدمة الملاحة العالمية. كما أكد أن «قناة السويس آمنة تمامًا لعبور جميع أنواع السفن، بعد تجهيزها بأعلى درجات الأمان وتدريب المرشدين على اصطحاب السفن العملاقة لتعبر من القناة».
وقال مميش بهذا الخصوص: «نحن الآن أوفينا بالوعد، فقد وعدنا أن ننجز المشروع خلال عام، وها نحن الآن على أعتاب الاحتفال لافتتاح المشروع»، مؤكدًا أن قناة السويس «تشكل هدية مصر للعالم لأنها ستخدم جميع دول العالم.. لقد استطعنا القضاء على فترات الانتظار في القناة، والآن ستصل جميع البضائع والوقود أسرع لكل مكان في العالم».
وتستعد الحكومة المصرية بكل أجهزتها للحدث الهام، حيث تشهد مختلف الوزارات حالة استثنائية ليكون افتتاح القناة على «أكمل وجه». وبهذا الخصوص قال مصدر حكومي مسؤول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأحداث من هذا النوع وهذا الحجم لا تجري كل يوم، ومصر مُصرّة على خروج الحدث الأبرز في الألفية الجديدة بأفضل ما يمكن، لأن الأمر يتعدى اهتمام الإدارة المصرية بمشروع القناة، وهو إنجاز تاريخي في حد ذاته، لكنه يحمل رسائل سياسية واقتصادية لا تقل أهمية عن دور مصر، وقدرتها على تنفيذ خططها وطموحاتها المستقبلية واستقلاليتها في قراراتها».
ورغم ما تشهده مصر من «قلاقل أمنية متفرقة» منذ أكثر من عامين، فإن المسؤول الحكومي أكد أن «الوضع بأكمله تحت السيطرة، وسيرى العالم أن مصر قادرة على تحقيق مفاهيم الأمن، وأن التهديدات الإرهابية رغم خطورتها العالمية، لكنها لا ولن تستطيع هدم الدولة المصرية أبدا».
وقبل يومين، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري في لقاء مع إعلاميين غربيين في القاهرة أن مصر قادرة على حماية القناة وتأمين الملاحة فيها، مشيرا إلى ثقة المجتمع الدولي في هذه القدرة، وأنه من المتوقع مشاركة دولية في احتفالية افتتاح القناة، ما يعزز نظرة الثقة الدولية في مصر. كما أوضح أهمية هذا المشروع والمردود الإيجابي المتوقع له على المستوى الاقتصادي والتجاري محليا وإقليميا ودوليا.
وتأتي إشارات وزير الخارجية في وقت أكدت فيه مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» أن «خطط تأمين الحفل انطلقت بالفعل قبل التشغيل التجريبي، وأن الحفل سيكون مؤمنا بشكل كامل، سواء على مستوى الشخصيات أو الفعاليات أو الوضع العام في كل محاور الجمهورية».
وفي السياق الاحتفال بهذا الحدث الكبير، أعلن وزير المالية المصري هاني قدري دميان أمس عن موافقة مجلس الوزراء على طلب هيئة قناة السويس سك إصدار تذكاري، على شكل قطع ذهبية من عيار 21 وبأوزان مختلفة، وذلك بمناسبة افتتاح القناة الجديدة، على أن تحمل على وجهها الأول شعار قناة السويس الجديدة، بجانب عبارة «قناة السويس الجديدة من مصر للعالم أجمع»، بينما يظهر على الوجه الآخر تصميم هندسي لسفينتين متقابلتين تعبران القناة على مجسم للكرة الأرضية، ترمز لازدواج الممر الملاحي للقناة، وتأثير ذلك الإيجابي على حركة الملاحة الدولية.
كما أشار دميان إلى توجه لإصدار جنيه معدني للتداول محليا يحمل التصميم الجديد لقناة السويس وتاريخ الافتتاح حتى يتمكن جميع المواطنين من الاحتفاظ بهذه العملة التذكارية لتخليد يوم عظيم من أيام مصر. وأكد الوزير أن مشروع تنمية محور قناة السويس، الذي يعد ازدواج القناة أحد عناصره الرئيسية، سيعزز من إمكانيات الاقتصاد المصري على مدى أكثر من 500 سنة. كما أن تطوير القناة سيسهم في زيادة نصيب مصر من حركة التجارة العالمية، وذلك من خلال زيادة عدد السفن والناقلات العابرة للقناة، وجذب سفن الحاويات العملاقة من الجيل الرابع، التي تعبر الآن القناة الجديدة للمرة الأولى، إلى جانب القضاء على فترات الانتظار لعبور القناة، وتخفيض زمن العبور، وهو ما تتوقع معه هيئة القناة زيادة عوائدها المباشرة من نحو 5 مليارات دولار حاليًا، إلى نحو 13 مليار دولار تدريجيًا خلال السنوات الثماني القادمة. وحول آخر مستجدات الاحتفالية، قال الدكتور سامي عبد العزيز، عضو اللجنة المنظمة لحفل افتتاح قناة السويس الجديدة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن الآن نضع اللمسات الأخيرة لملامح الاحتفال الكبير، الذي سيعتمد على الطابع المصري الأصيل، مع وجود لمسة عالمية، سواء من حيث الإخراج أو عرض أوبرا عايدة ليلة الافتتاح».
وعن تكاليف إقامة الحفل، وبعض الأصوات التي تحدثت عن وجود أعباء على خزينة الدولة، أكد الدكتور عبد العزيز أن «مصدر تمويل الحفل بشكل مباشر وأساسي هو الشركات التي شاركت في عمليات الحفر، سواء العالمية أو العربية أو المحلية، إلى جانب دعم سخي للغاية من رجال الأعمال والمواطنين المصريين، إضافة إلى الدعم اللوجيستي الذي تقدمه مؤسسات الدولة كافة»، نافيا بشدة أن تكون خزينة الدولة تحملت أي جزء من الأعباء، بقوله إن «كل التكاليف عبارة عن دعم ورعاية».
وعن الإشادة الإعلامية الدولية خلال اليومين الماضيين بالمشروع، عقب التشغيل التجريبي، رأى الدكتور عبد العزيز، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، أن «مشروع قناة السويس ليس مجرد حفر مجرى أو ممر مائي، بل هو عبارة عن نموذج للأداء المتكامل الملتزم، فقناة السويس الأساسية حفرت في 10 سنوات، لكننا الآن نتكلم عن 8760 ساعة فقط لحفر القناة الجديدة. وما حدث في الحفر هو بمثابة تحقيق الوعد كاملا».
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وعد عند الإعلان عن المشروع بتنفيذه في غضون عام واحد، بما يسمح بازدواجية حركة الملاحة في قناة السويس بأكملها.
ويوضح عبد العزيز أن «المقاييس التي نفذ بها المشروع، وأرقامه القياسية، تغير من صورة مصر لدى الأجانب، من حيث الاحتراف والالتزام والدقة، وهي مقاييس ربما كان العالم لا يرها لدينا، وكان انطباعه في هذه المناحي ليس جيدا. لكن اليوم غيرنا صورة مصر، بدليل أن صحيفة (التايمز) خصصت عددا كاملا عن القصة، وكذلك هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وغيرها، وهؤلاء بالتأكيد لا يرسلون مجرد رسائل طمأنة أو إملائية، بل يتحدثون على أرض الواقع، ولذلك أقول دائما إن الإنجاز الحقيقي الكبير يفرض نفسه ولن يكابر فيه أحد».
من جهته، أكد عضو اللجنة المنظمة أنه سيتم نقل الاحتفال عن طريق 80 كاميرا منتشرة في أرجاء القناة الجديدة، وأنه تم الاتفاق على بث فعاليات الاحتفال على الهواء مباشرة في شوارع لندن وموسكو وباريس، مشيرا إلى أن مجلة «الإيكونمست» ستصدر عددا خاصا عن القناة يوم افتتاحها بعنوان «هدية مصر للعالم»، وذلك بمبادرة من المجلة نفسها، كما أوضح مشاركة ما يقرب من 1300 شخصية في حفل تنظيم افتتاح القناة الجديدة، ووجود عدد هائل من الإعلاميين ووكالات الأنباء الأجنبية التي ستحضر حفل الافتتاح.
وعن الشخصيات الكبرى التي يتوقع حضورها، أشار الدكتور عبد العزيز إلى أن «هناك دعوات وجهت إلى مختلف دول العالم لحضور الزعماء، لكن لم تصل إلينا معلومات بعد عن أي تأكيدات لأن الرئاسة المصرية هي من يتولى الموضوع بصورة مباشرة، وكل الاتصالات تتم عن طريقها». وفي هذا السياق، أعلنت الخارجية الصينية أمس أن لوه شو غانغ، وزير الثقافة الصيني، سيحضر حفل الافتتاح كمبعوث خاص من الرئيس الصيني شي جين بينغ، وذلك بناء على دعوة من الرئيس السيسي.
ومن جانبه، أكد آموس هوكستين، المبعوث الخاص ومنسق شؤون الطاقة الدولية بوزارة الخارجية الأميركية، أهمية قناة السويس الجديدة، موضحا أنها ستشكل إضافة مهمة تسهم في خفض الأسعار الخاصة بنقل النفط العالمي، وهو الأمر الجيد والإيجابي لمصر والعالم. وقال هوكستين، وهو أحد كبار مستشاري وزير الخارجية الأميركي جون كيري، خلال لقاء مع عدد من الصحافيين المصريين، إن مصر تمكنت بفضل القيادة والعمل الفعلي من تجنب الأزمات التي كانت تواجهها في السنوات الماضية، مشيرا إلى أن الوضع كان أفضل هذا الصيف في مختلف المجالات، خصوصا ما يتصل منها بالطاقة.
وأكدت السفيرة ميرفت تلاوي، رئيس المجلس القومي للمرأة في مصر، أن العالم بأسره «يترقب افتتاح القناة الجديدة، وأنها تعد تجسيدا حيا لملحمة شعب وقائد حكيم». وقالت في تصريح إعلامي أمس إن «المصريين يوجهون رسالة إلى العالم مفادها أننا صامدون وقادرون على الإنجاز والبناء، مهما كانت التحديات التي تواجهنا.. وقادرون على تخطي كل العقبات»، مؤكدة أن قناة السويس الجديدة تعد استثمارا حقيقيا في مستقبل مصر، ومشروعا قوميا سيجلب الخير على البلاد ويحقق التنمية التي ينشدها المصريون جميعًا شأنها شأن السد العالي.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».