شهر العسل بين المستهلك وقطاع المنتجات المترفة ينتابه الفتور

يتطلب استراتيجيات جديدة لإحياء جذوة الحب القديم

من عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2015.. رقي من دون بريق أو استعراض، من تشكيلة مايكل كورس لربيع وصيف 2015، من عرض دار «غوتشي» لهذا الموسم وهي من البيوت التي تأثرت بالأزمة الأخيرة.
من عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2015.. رقي من دون بريق أو استعراض، من تشكيلة مايكل كورس لربيع وصيف 2015، من عرض دار «غوتشي» لهذا الموسم وهي من البيوت التي تأثرت بالأزمة الأخيرة.
TT

شهر العسل بين المستهلك وقطاع المنتجات المترفة ينتابه الفتور

من عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2015.. رقي من دون بريق أو استعراض، من تشكيلة مايكل كورس لربيع وصيف 2015، من عرض دار «غوتشي» لهذا الموسم وهي من البيوت التي تأثرت بالأزمة الأخيرة.
من عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2015.. رقي من دون بريق أو استعراض، من تشكيلة مايكل كورس لربيع وصيف 2015، من عرض دار «غوتشي» لهذا الموسم وهي من البيوت التي تأثرت بالأزمة الأخيرة.

حتى العام الماضي كان مايكل كورس يثير حسد العديد من بيوت الأزياء التي دعت إلى الاقتداء به وبأسلوبه، ليس بالضرورة في التصميم بل حتما في طريقة التسويق التي تعتمد على صورة أنيقة ومتاحة. فمنذ أن طرحت شركته في أسواق البورصة وأسهمه تشهد ارتفاعا لا مثيل له، إلى أن أصابته مؤخرا لعنة تباطؤ نمو الأسواق الصينية وتذبذب أسعار العملات، فضلا عن التقلبات السياسية التي عصفت بالعديد من مناطق العالم، وجعلت المستهلك يعزف عن صرف مبالغ باهظة.
كل هذا انعكس على الأرباح التي تشير بما لا يترك الشك إلى أن الإقبال على كل ما هو غال ونفيس لم يعد موضة، وأن شهر العسل الذي عاشه بعض المصممين وبيوت الأزياء قد شارف على النهاية إذا لم تحصل تدخلات جذرية لإحياء جذوته. فحسب دراسة قامت بها شركة «ميلوارد براون» للأبحاث، فإن سوق المنتجات المترفة العالمية تتراجع بنسبة 6 في المائة منذ العام الماضي. الضربة الكبيرة كانت منع السلطات الصينية تقديم الهدايا الغالية في محاولة للحد من الفساد والرشاوى، تلتها أحداث هونغ كونغ، ثم تراجع اقتصاد روسيا إثر الصراع الذي نشب بينها وبين أوكرانيا.
مايكل كورس كان من بين المتأثرين، حيث سجلت داره مؤخرا أسوأ نتائجها منذ عام 2011. السبب حسبما صرحت يعود إلى قوة الدولار وتراجع السياحة وبالتالي أعداد المتسوقين. أسباب لم ترق للمساهمين أو تُشف غليلهم بعد أن خسرت الشركة نحو 25 في المائة من قيمتها في السوق في يوم واحد، أي نحو 3 مليارات دولار أميركي.
مايكل كورس ليس وحده الذي تأثر بهذه التغييرات، فقد أعلنت دار «غوتشي» تراجع أرباحها بنسبة 8 في المائة في الشطر الأول من هذا العام، مما جعلها تقرر إعادة النظر في الكثير من استراتيجياتها ومصممتها. فقد تركت المصممة فريدا جيانيني الدار في نهاية العام الماضي وحل محلها أليساندرو ميشال، الذي قد تكون أول مهمة له أن يخلص الماركة من «اللوغوهات» التي أثرت على جاذبيتها. من ضمن استراتيجياتها الأخرى تعديل الأسعار بشكل يتناسب مع ضعف اليورو، حتى تصبح عملية التسوق ديمقراطية في كل أنحاء العالم. فقد بينت التقديرات أن قيمة اليورو جعلت البضائع في أوروبا أرخص بنحو 50 في المائة منها في الصين، مثلا. «شانيل» تداركت هذه المشكلة بتخفيض أسعار حقائبها بنسبة 20 في المائة في الصين ورفعها بنفس النسبة في أوروبا. دار «هيرميس»، في المقابل، رفضت القيام بهذه الخطوة، لأن أغلب زبائنها أساسا هم من أوروبا وفرنسا، وبالتالي لم تر داعيا لكي تحملهم أي تكاليف إضافية. فالمستهلك المحلي يتمتع بنفس أهمية أي مستهلك آخر. والحقيقة أن الدار الفرنسية التي تبيع حقائبها بآلاف الدولارات، ولديها لوائح طويلة من زبونات متعطشات للمزيد، قد تكون الوحيدة التي لم تتأثر لحد الآن بما يجري في السوق من تذبذبات. فهي تتوقع ارتفاعا بنسبة 8 في المائة، رغم أن شركة «ميلوارد براون» أشارت إلى أنها خسرت 13 في المائة من قيمتها في الأشهر الـ12 الأخيرة. والسبب حسب شركة الأبحاث يعود إلى عدم تواصلها مع المستهلك عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، وهو ما أصبح ملحا. فالحاجة إلى ربط علاقة سريعة وآنية مع الزبون لا يعد بالإمكان تجاهلها أو الاستخفاف بتأثيرها. بيد أن «هيرميس» مصرة على موقفها لحد الآن، وتعتبر نفسها من شريحة ثانية لا تحتاج إلى ذلك. فهي لا تتوافر على حساب على «تويتر» أو «إنستغرام»، لأن هذه الوسائل تعتمد على النجوم، و«هيرميس» لا تعتمد عليهم أو تجري وراءهم. في الجهة الثانية، هناك «توري بيرش» أو «مايكل كورس» وغيرهما من الماركات المجتهدة في مجال التواصل الاجتماعي، ولا تترك أي وسيلة تؤدي إلى جيب الزبون إلا وتطرقها.
لكن «هيرميس» استثناء، فرغم ركود السوق لا تزال محفظة صغيرة بحجم الكف تحمل اسمها تساوي ما لا يقل عن 335 دولارا أميركيا، بينما حقيبة «بيركين» أو «كيلي» قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات حسب نوع الجلد المستعمل فيها، ولائحة انتظارها لا تنتهي. استراتيجية الدار الناجحة هي الإبقاء على الرغبة مشتعلة بالتفرد. رئيسها التنفيذي السابق، باتريك توماس، اعترف لـ«الشرق الأوسط» في إحدى مقابلاته بأنهم ما إن يشعروا بأن منتجا ما أصبح مستهلكا ويبيع بشكل كبير، حتى يتوقفوا عن بيعه، حتى لا يفقد تميزه ويصبح عاديا. بعبارة أخرى حتى لا يلبسه كل من هب ودب ويُفقد الماركة وهجها. استراتيجية مختلفة تماما عن باقي بيوت الأزياء، التي ما إن ينجح تصميم ما حتى تعيد صياغته في كل موسم بشكل متجدد وخامات مختلفة. وليس أدل على هذا من الحذاء الذي طرحته دار «فالنتينو» في عام 2010 باسم «روك ستاد» وما زلنا نراه في كل موسم لا تتخلى عنه، ولم لا ما دام يبيع ويحقق النجاح التجاري؟
مجموعة «ريتشمون»، وهي ثاني أكبر مجموعة عالمية، حيث تنضوي تحتها ماركات مهمة، أعلنت بدورها تأثر مبيعاتها سلبا، في ما اعتبره بعض المحللين انعكاسا لارتفاع قيمة الفرنك السويسري في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. واللافت أنه إذا كانت هذه الخسارات تؤثر على مجموعات وبيوت بهذا الحجم، فما البال بالصغار ممن لا يتمتعون بتمويلات كبيرة؟ بلا شك فإن الوضع أسوأ بالنسبة لهؤلاء، بدليل أن سكوت ستاينبورغ أعلن مؤخرا أنه سيغلق ماركة «باند أوف آوتسايدرز». وبالفعل ألغى الطلبيات وسرح الموظفين.
من جهته، أعلن مصمم دار «ديور أوم»، كريس فان آش، أنه سيتوقف عن تصميم خطه الخاص، الذي كان يصممه بموازاة عمله في الدار الفرنسية، مصرحا لمجلة «ويمنز وير ديلي» بأن الوضع الحالي صعب بالنسبة للمصممين المستقلين والشباب، مضيفا أنه سيأخذ هذه الفترة كاستراحة يستجمع فيها أفكاره وطاقته ليركز على عمله مع «ديور أوم» ويفكر في المستقبل وكيف يمكن أن يطور ماركته الخاصة. كريس فان آش ما هو إلا واحد من بين مصممين آخرين يعانون من الوضع نفسه، مثل مديهام كيرشهوف، وريتشارد نيكول، وبيتر سوم، وغيرهم.
لكن كل هذا لا يعني أن جاذبية الموضة وهنت وأنها ستموت، فهي لا تزال موجودة وكل ما في الأمر أنها باتت تفتقد إلى تلك القوة الدافعة التي تجعلها تحيي الحلم وفي الوقت ذاته تتفاعل مع حياة الناس اليومية. فالاستراتيجيات التي كانت تعتمد إلى وقت قريب على بريق النجوم والحملات الترويجية الفنية بتأثيراتها السينمائية التي تتنافس معظم بيوت الأزياء عليها وتوظف لها كبار المخرجين والمصورين، لم يعد لها نفس التأثير الذي أحدثته في البداية. وعوض أن تتنافس الموضة مع نفسها، عليها أن تتنافس مع قطاعات أخرى تمس الناس بشكل مباشر، مثل الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية. فكل ما يتعلق باتباع حميات متوازنة، أو الحصول على الرشاقة أو تحسين المزاج والأحوال النفسية، أصبح يهم الناس ويثيرهم، وبالتالي فإن كل ما ينضوي تحت شعار الجسم السليم في العقل السليم أصبح صناعة مربحة تحقق المليارات وتشهد نموا يقدره الخبراء بـ50 في المائة سنويا. فالمستهلك ينظر إليها كضرورة تحسن حياته اليومية بشكل فعال وحقيقي، بينما الموضة ترف قد يعزز الثقة بالنفس والمظهر لكنه لا يطيل العمر.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.