الملك سلمان حارس أسوار الحاضر السعودي وبوابات المستقبل

صدور النسخة الإنجليزية من «قراءة في فكر ملك» بالتزامن مع «يوم التأسيس»

الملك سلمان حارس أسوار الحاضر السعودي وبوابات المستقبل
TT

الملك سلمان حارس أسوار الحاضر السعودي وبوابات المستقبل

الملك سلمان حارس أسوار الحاضر السعودي وبوابات المستقبل

بمناسبة «يوم التأسيس»، صدرت للدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، الطبعة الإنجليزية من كتابه «قراءة في فكر ملك» الذي يستعرض فيه أهم وأبرز إنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، خلال السنوات الخمس الأولى من عهده.
وجاء صدور الطبعة «بالتزامن مع احتفالات الوطن بيوم التأسيس؛ وهو اليوم الذي يؤرّخ لمحطات مفصلية في تاريخ بلادنا، ويخلّد ذكرى قيامها، قبل ثلاثة قرون تقريباً»، كما يوضح الدكتور المطرف.
والمطرف هو أستاذ العلاقات والمنظمات الدولية المشارك سابقاً بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ووكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار الأسبق للتعاون الدولي والأنظمة، والأمين العام السابق للغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية.
يتناول الكتاب أبرز التحدّيات التي واجهت المملكة، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها، بتحليل منهجي لمضمون الخطاب.
ويتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، كما يتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.
ويرى الدكتور المطرف أن تولّي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية جاء مع لحظة «تاريخية» فارقة؛ ليس في تاريخ المملكة فحسب، بل في تاريخ المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط، وربما في تاريخ العالم المعاصر الذي يواجه مشهداً «نوعياً» جديداً في كثير من متغيّراته، وفي كثير من التحدّيات التي تطرحها «اللحظة»، سواء من حيث الاختيارات أو المواقف.
ويؤكد المطرف أهمية تتبّع مواقف الملك سلمان وقراراته، في إطار «قراءة للحظة التاريخية، وفي ضوء خطاباته التي توجَّه بها إلى الشعب السعودي»؛ استخلاصاً لتوجهات خادم الحرمين الشريفين، وفهم تداعياتها وتأثيراتها في مجالاتها الحيوية، خليجياً وعربياً، وفي محيطيها الإقليمي والدولي.
ويضيف المؤلف أنه استجابة للحظة التاريخية في المملكة «جاء الملك سلمان بن عبد العزيز على موعد مع التاريخ، وبإرادة على أداء استحقاقات تاريخية تواكبُ تطلعات شعبه، وتستنهض نداءات أمته»، مستنداً إلى «تجربته» الطويلة والناجحة في الحكم أميراً لعاصمة البلاد وأكبر مناطقها وأهمّها، وإلى عطاء كبير قدّمه مستشاراً لإخوانه وأشقائه ملوك المملكة الذين شاركهم في قراراتهم خلال العقود الماضية.
ويستعرض المؤلف عطاء الملك سلمان بن عبد العزيز، «حارساً على أسوار حاضر المملكة، وبوابات مستقبلها، وبانياً للمزيد من أعمدة نهضتها، وزارعاً لخير مواطني المملكة». فتحت عنوان «مائة يوم من عهد سلمان» تناول المطرف أبرز القرارات «المحلية» التي صدرت خلال المائة يوم الأولى من حكم الملك سلمان، كما استعرض الأوامر الملكية التي أصدرها المقام السامي، التي لامست الحياة اليومية للمواطنين السعوديين، مُبيّناً تفاعل المجتمع السعودي بكل شرائحه مع الأوامر الملكية، وتقديره لما ستعكسه من توجهات في الحكم والإدارة.
وتناول الإبداع في الأداءين التنموي والحضاري، كاشفاً عن ملامح من شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عبر استعراض أمين، واعٍ ودقيق لأهم تجربة حضارية وتنموية في «تحديث» العاصمة السعودية الرياض، مشيراً إلى أن المراقب لأداء الملك سلمان يستطيع أن يلاحظَ ارتباطاً وثيقاً بين الجوانب التنموية والحضارية في هذا الأداء والجانب الإبداعي، باعتباره «ملمحاً» رئيسياً من ملامحه الشخصية، بل مُكوّناً أساسياً من مُكوّناته «الإنسانية» حيث يشكّل الإبداع بوصفه رؤية واسعة غير تقليدية للقضايا المجتمعية، ركيزة للتعامل مع كل القضايا بما تنطوي عليه من مستجدّات.
ومن ناحية أخرى، فإن انحياز الملك سلمان إلى التنمية المستدامة والتطوير المستمر، منذ تولّي مسؤوليات «إمارة الرياض»، يشكِّل ملمحاً مهماً من ملامح تكوينه «الثقافي» وبنائه «الوطني»، و«موسوعيّة» فكره، التي تتكامل معاً في إطار «حاضنة» شاملة وجامعة، من الرؤية «الإسلامية» للقضايا والأفكار، لتصنعَ ملامحَ الملك والمواطن والإنسان.
ويوضح الدكتور المطرف أن الملك سلمان تولّى عدداً من المواقع التي عكست أهمية القضايا التي حظيت برعايته وعنايته، ومن ذلك حرصه على أن يتولّى بنفسه رئاسة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، حيث حرص على ترسيخ قيم التطوير الحضاري والعمراني «الحديثة» على قاعدة من تأصيل ثوابت الحضارة الإسلامية، والحفاظ على قيم وجماليات العمارة الإسلامية والعربية وحمايتها، الأمر الذي تمثّل في إضفاء ملامح إسلامية وعربية ظاهرة وواضحة في الرياض بوصفها أبرز عاصمة عربية لها شخصيتها الإسلامية العربية في مبانيها ومنشآتها وشوارعها، وبرزت في «منطقة» الرياض وما يتبعها من المحافظات والمدن، ومن خلال مفاهيم التطوير والتخطيط العمراني، تلك الهويةُ الحضارية للمملكة، مع امتصاصها القيم الحديثة والاستفادة منها، وتطويعها لثوابت الحضارة الإسلامية، وقيم الهوية العربية، وجماليات العمارة الإسلامية.
إن من القرارات الملكية التي بدأت بها ولاية الملك سلمان، كما يضيف الكتاب، الأمر الملكي بإنشاء مجلسي «الشؤون السياسية والأمنية»، و«الشؤون الاقتصادية والتنمية»، حيث يهدف المجلسان إلى رفع كفاءة الأداء ومستوى التنسيق؛ تفادياً للازدواج وتوحيد التوجهات، بما يؤدي إلى تكامل الأدوار والمسؤوليات والاختصاصات، وبما يواكب التطورات والمتغيرات المتسارعة التي طرأت في مختلف المجالات.
وفي فصل حول السعودية والمتغيّرات الإقليمية والدولية، استعرض الدكتور المطرف أداء السياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان، متناولاً عاصفة الحزم والإرهاب بوصفهما نموذجين، واعتبر «مبادرة عاصفة الحزم» رداً سعودياً عمليّاً جاء في الوقت المناسب لمواجهة التغيّرات الإقليمية والدولية في ضوء عدد من التحدّيات، إذ باتت حماية أمن الخليج العربي مسألة وجود حيوي واستراتيجي للمملكة، لا مفاصلة فيها ولا تهاون، حيث إنها لا تَمسُّ وجودَ المملكة فحسب، بل تتصل بمستقبلها ومكانتها المتميزة في محيطها الإقليمي، ومن ثم في مجالاتها الحيوية ودوائر تأثيرها ونفوذيها الروحي والمعنوي، إضافة إلى وزنها الاقتصادي وتأثيرها السياسي، في كل من عالمها العربي والإسلامي وعلى الصعيد الدولي.
وحول مكافحة الإرهاب وتجفيف منابع التمويل، قدّم المؤلف عرضاً تاريخياً للعمليات الإرهابية الغادرة التي استهدفت المملكة، موضحاً أنها تأتي في مقدمة الدول التي نالها كثير من الضربات الإرهابية الغادرة، كما تُعدّ من الدول التي تعرّضت للكثير من الهجمات الإرهابية، والتفجيرات الانتحارية الخسيسة التي أودت بأرواح الأبرياء من أبناء المملكة، من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، حيث لم تُفرّق يدُ الإرهاب بين ضحاياها، سعوديين ومقيمين، في أكثر من منطقة من مناطق المملكة.
وفي فصل بعنوان «العمل الخيري في خدمة التنمية: منظومة سلمان نموذجاً»، استعرض الدكتور المطرف المؤسسات والجمعيات التي أطلقها الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ دخل ساحة العمل العام، شاباً يافعاً، وعبر رحلته المباركة في خدمة وطنه وأمته، في كل المواقع التي تولّاها، نموذجاً للأداء «التنموي» وليس مجرد الأداء «الخيري» المنعزل عن مجتمعه، موضحاً أن هدف جمعيات سلمان ومؤسساته «الخيرية» لم يكن مجردَ أداء «الصدقات» للمحتاجين، أو منح «شقة» تؤوي من لا مسكنَ له، أو تقديم الطعام لفقير، أو تقديم المساعدة والمعونة لكل ذي حاجة إليها، بل يتجاوز ذلك إلى الإسهام في إعادة بناء «المواطن» الإنسان، ليكون عضواً «اجتماعياً» فاعلاً، ومواطناً منتجاً يخدم أسرته ومجتمعه ووطنه، مؤكداً أنها ليست جمعيات ومؤسسات «خيرية» وحسب، لكنها جمعيات ومؤسسات «تنموية» في الأساس.
وتحت عنوان «حقوق الإنسان: آفاق جديدة» تناول المؤلف جهود المملكة في تهيئة الأجواء الصالحة لحماية واحترام حقوق الإنسان في المملكة، مستعرضاً آراء خادم الحرمين الشريفين في هذا الإطار، ورؤيته لدور المؤسسة القضائية ومؤسسة «الأسرة»، خصوصاً المرأة في ترسيخ مفهوم حقوق الإنسان «مجتمعياً»، مرتكزة على قاعدة قوية من «الشريعة الإسلامية» التي تُعدّ «المرجعية» الرئيسة والأساس لكل الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولكل الأنظمة القانونية والسياسية في المملكة.
وحول «الدبلوماسية الناعمة» تناول المؤلف «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث. واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفيراً لبيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.
وتناول الكتاب علاقة خادم الحرمين الشريفين بالإعلام والإعلاميين، ورؤيته للدور والرسالة الإعلامية، وكصديق للصحافيين، ورائداً للفكر والثقافة، منطلقاً من تقدير الملك سلمان للدور الكبير الذي يؤدّيه الإعلام في عالمنا المعاصر، ومن «رؤية» استراتيجية للرسالة التي يقوم على خدمتها الإعلاميون، إسهاماً في بناء الوطن، موضحاً الموقع الذي يحتلُّه الإعلام بين اهتمامات الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي يُقدِّر للكلمة أهمّيَّتَها، كما يعرف للصورة تأثيرَها ونفوذَها في عالمنا المعاصر.
ومستشهداً بحرص خادم الحرمين الشريفين على «التواصل» مع المواطنين، أشار المؤلف إلى دخول الملك سلمان موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حيث رأيناه يكتب منذ كان ولياً للعهد، بما يثبت بُعد نظره وسَعة أفقه في التخاطب مع كل الفئات والحرص على تلمس السلبيات والحاجات التي تساعد على تميز الوطن والمواطن.
وخصّص المؤلف فصلاً مهماً عن «الشباب في فكر الملك سلمان»، مستنداً إلى أقوال خادم الحرمين الشريفين عن الشباب، ورؤيته لدورهم في بناء الوطن، باعتبارهم «عصب التنمية وذخيرتها»، حيث أكد خادم الحرمين الشريفين أن الشباب «هم الثروة الحقيقية في كل أمة، فهم الأغلبية عدداً، والطاقة الناشطة المتجددة دوماً، التي تمثل عصب التنمية وذخيرتها».
وألقى الضوء على برامج خادم الحرمين الشريفين «المتعددة» في مجال تنمية الشباب، وتطوير مشاركتهم في تقدم المجتمع، كما تناول بالشرح والتحليل دعوة خادم الحرمين الشريفين «إلى تحصين مسيرتهم عقائدياً، بالتزام منهج صحيح الإسلام، القائم على الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والغلو والمغالاة». وتناول نظرة الملك سلمان إلى دور الإعلام في بناء الشباب، وتطوير مشاركته الوطنية، وحمايته من الأفكار المتطرفة، واستعرض البرامج والمؤسسات التي أنشأها الملك سلمان لتطوير دور الشباب في بناء وطنه، وتشكيل وعي الشباب على أسس وسطية ومعتدلة واستثمار طاقات الشباب في معارك الوطن للتقدم نحو المستقبل، ومواجهة التحديات التاريخية التي تفرضها المتغيرات العالمية.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».