في سعيها لصنع فرصة تاريخية للمرأة.. قاضية أفغانية تصطدم بجدار التقاليد

قرار رفض ترشيح رسولي كقاضية يغضب الرئيس الأفغاني

القاضية أنيسة رسولي في مكتبها بكابل («واشنطن بوست»)
القاضية أنيسة رسولي في مكتبها بكابل («واشنطن بوست»)
TT

في سعيها لصنع فرصة تاريخية للمرأة.. قاضية أفغانية تصطدم بجدار التقاليد

القاضية أنيسة رسولي في مكتبها بكابل («واشنطن بوست»)
القاضية أنيسة رسولي في مكتبها بكابل («واشنطن بوست»)

لا يزال ذلك اليوم محفورا في ذاكرة القاضية الأفغانية أنيسة رسولي لما يربو على عقد كامل من الزمان، حينما كانت في واشنطن، وقابلت قضاة المحكمة العليا الأميركية ساندرا داي أوكونور وروث بادر غينسبرغ.
وتذكر أنها شعرت بالرهبة وكانت حاضرة الذهن بالكاد، غير أن أفكارها ظلت تعاود تذكيرها بموطنها. وتقول رسولي: «كنت أسأل نفسي ما إذا كان ممكنا أن يكون لدينا وضع مماثل في أفغانستان. حينما تكون المرأة القاضية من أعضاء المحكمة العليا في البلاد».
في الشهر الماضي، اقتربت رسولي من حلمها، ولم يخذلها إلا نساء أخريات. فكان الرئيس الأفغاني أشرف غاني، الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، هو من رشح رسولي لأن تتبوأ منصب أول قاضية في المحكمة العليا الأفغانية، منفذا بذلك لأحد وعوده الانتخابية. ولقد كان اختيارا مهما في تلك الدولة التي قبل 14 عاما حال نظام حكم طالبان النساء من العمل ومن التعليم ومن أمور أخرى تتعلق بالحياة العامة. كانت النساء تحت حكم المتطرفين ممنوعة من مجرد مغادرة منزلها من دون رفقة أحد أقاربها وبرقع يغطيها من رأسها وحتى أخمص قدمها.
وشعر النشطاء في الداخل والخارج بفرحة عارمة. إذ إن وجود امرأة أفغانية في أعلى المناصب القضائية في البلاد يمكن أن يكون بحق ترياقا للمزيد من المخاوف هناك: من حيث تآكل المكاسب المتحققة في مجال حقوق المرأة مع تناقص الوجود العسكري الغربي وتضاؤل المساعدات الغربية لأفغانستان.
ولكن الجناح المحافظ من أفغانستان عاد ليعبر عن ذاته. حيث أعلن رجال الدين من ذوي النفوذ، مع بعض من النواب الذكور في البرلمان، أن المرأة غير مؤهلة للنظر في بعض القضايا الجنائية الخطيرة.
ويعبر اعتراضهم عن حالة من الصراع المستمر بين التقاليد والأعراف العتيقة في مقابل الجهود الحثيثة لتشكيل مستقبل أفغانستان لكي تكون دولة حديثة بمجتمع جديد.
ومع ذلك، هناك 69 عضوا من النساء في البرلمان الأفغاني، وعليهن التصديق على تعيين السيدة رسولي في منصبها الجديد، مما يوفر احتمالات جيدة للغاية بالنسبة إليها ولسعيها لتحقيق نصر تاريخي هناك.
ولكن عندما اجتمعت الهيئة البرلمانية للتصويت هذا الشهر، كان هناك 23 عضوا من البرلمانيات النساء غائبات. ومن بين 184 نائبا حاضرين، وصت 88 منهم لصالح السيدة رسولي في الاقتراع السري - وهو أقل بمعدل 9 أصوات عن النصاب المطلوب.
وقالت رسولي، البالغة من العمر 47 عاما، وغير متزوجة: «إذا كانت العضوات الغائبات موجودات، وإذا أدلوا بأصواتهن لأجلي، لكنت اعتليت منصبي الآن».
وفي أحد الأيام الأخيرة، جلست رسولي، مرتدية نظارتها المستطيلة ووشاح رأس وردي اللون، أمام مكتبها الكبير المكدس بالكثير من الملفات. حيث عادت إلى عملها كرئيس لمحكمة استئناف الأحداث. ثم دخل مساعدها، وهو رجل، ليسلمها قضية جديدة تنظر في أمرها. ولقد حياها بأدب ثم انصرف.
ولم تعرب رسولي عن أي مرارة حيال خسارتها للتصويت - مجرد خيبة للأمل فحسب.
وكانت تسعى لأجل ذلك الهدف منذ تخرجها من كلية القانون في جامعة كابل. وكانت طالبة قوية الشخصية، حيث قالت إنها رفضت عروضا لأن تصبح محاضرة ومستشارة في وزارة التجارة الأفغانية.
حيث أفصحت رسولي عن ذلك فقالت «أردت دائما أن أكون قاضية».
وعقب التخرج، انتقل بها ذلك الحلم إلى مختلف المناصب في السلك القضائي خلال فترة الحكم الشيوعي للبلاد. ومع سقوط ذلك النظام، صارت قاضية في المحكمة الجزائية.
وفي وقت لاحق، نالت درجة التخصص، الماجستير في القانون وحضرت ندوات حول حقوق الإنسان، فضلا عن بعض الرحلات إلى الهند، والفلبين، والولايات المتحدة، حيث قابلت مع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
وحاضرت في جامعة كابل، وكانت من العضو المؤسس لرابطة قاضيات أفغانستان، التي تترأسها في الوقت الحالي.
ولقد أسست لنفسها سمعة طيبة من خلال الأمانة في النظام القضائي الأفغاني الموصوم بالفساد على نطاق واسع. فهي لا تمتلك منزلا خاصا - حيث لا يمكنها ابتياع منزل خاص من راتبها - في حين أن القضاة والمسؤولين الآخرين يمتلكون المنازل الفاخرة والسيارات الفارهة.
وتقول فريدة فراهماند، صديقة القاضية رسولي وزميلة الدراسة والتي عملت مع السيدة رسولي في محاكم الأحداث وكانت في زيارتها ذلك اليوم من مدينة البوكيركي الأميركية إنها «من أطهر القضاة الذين أعرفهم. ويعرف الجميع ذلك عنها».
ويعني ذلك أن رسولي، ربما، تعتبر أكثر القضاة المؤهلين للانضمام إلى المحكمة العليا. ولكنها امرأة.
يقول سيد محمد موسى جناب، وهو نائب بالبرلمان من إقليم بادغيس والذي تغيب عن التصويت «هناك الكثير من الأسباب تحول دون اعتلاء المرأة لمنصب القضاء من وجهة نظر الشريعة. وأهم تلك الأسباب هو أن المرأة عاطفية بطبيعتها، وأن القاضية الأنثى تميل لاستخدام الرأفة في إصدار الحكم عن العقوبة التي تستلزم المعاقبة الشديدة».
ويتفق قاضي نظير أحمد حنفي، عضو البرلمان عن إقليم هيرات والذي صوت ضد ترشيح السيدة رسولي، مع ذلك. حيث قال «القضاة من النساء لا يمكنهن دعم عقوبة الإعدام، أو قطع الأيدي والأرجل، على النحو المنصوص عليه في الدستور حيال بعض الجرائم».
ولم يعلق الرئيس غني علانية على رفض ترشيح رسولي، غير أن مساعديه يقولون إن لم يكن سعيدا. وأضافوا أن «علماء الدين أكدوا له أن المرأة تحمل كل الحق في أن تكون قاضية في المحكمة العليا في البلاد».
ويقول سيد ظفر هاشمي، المتحدث الرسمي باسم الرئيس الأفغاني «إنها مؤهلة، ومتعلمة، وجديرة بذلك المنصب. والرئيس ملتزم بوجود المزيد من الأصوات النسائية في الدولة الأفغانية، وسلطتها القضائية وغير ذلك من أفرع الحكومة. وليس هناك من عائق ديني أو قانوني يحول بينها وبين أن تخدم بلادها في المحكمة العليا».
وأما أحمد بهزاد فقد فعل عكس ما فعله الكثير من زملائه في البرلمان الأفغاني، أدلى بصوته لصالح رسولي، وقال إن «وجود المرأة في ذلك الجهاز الحكومي المهم أمر لا بد منه. فالنساء فقط يتفهمن ويشعرن بغيرهن من النساء. ولسوف تكون في وضع أفضل بكثير من حيث التعامل مع النساء والمسائل المتعلقة بالأسرة».
وأفصح بعض نواب البرلمان من النساء أن زملاءهن من الرجال أقنعنهن بالتصويت ضد ترشيح رسولي نظرا لأنهم قالوا إن «ذلك ضد الشريعة الإسلامية». وبعض النواب، من الرجال والنساء، صوتوا ضدها بسبب معارضتهم السياسية للرئيس غني. وكان بعض النواب يشعرون بالاستياء من أن رسولي لم تطلب دعمهم بجدية خلال التصويت، بينما رأى آخرون أنها تحمل نزعة تربوية عميقة.
وما أحزن رسولي بحق كن النواب من النساء اللاتي غبن عن جلسة التصويت، كما قالت، وأضافت: «لا أدري إذا كان لديهن مبررات لغيابهن ذلك اليوم أو ما إذا كن تلقين أوامر ما بعدم الحضور ذلك اليوم».
يبدو أن الأمر يحمل كافة تلك الأوجه.
وكانت بيبي حميدة يوسفي، وهي نائبة بالبرلمان من قندهار، غائبة ذلك اليوم. وتقول إنها لم تعلم بأمر التصويت إلا قبل انعقاده بـ12 ساعة فقط. ولم تكن هناك رحلات طيران إلى كابل، والسفر بطريق البر إلى العاصمة مفعم بالمخاطر الشديدة. وأضافت نائبة أخرى بالبرلمان أنه تعذر عليها التصويت نظرا لاعتلال صحة والدتها. وقالت يوسفي إنها نادمة لعدم حضورها ذلك التصويت، وقالت «لقد كانت أفضل مرشحة لذلك المنصب».
وبعد رفض ترشيح رسولي، أعرب نشطاء حقوق المرأة والدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين عن خيبة أملهم.
وتقول ديبورا ليونز، السفيرة الكندية لدى كابل عبر تغريدة لها على موقع «تويتر» باللغة الأردية إحدى اللغات المعترف بها في أفغانستان «كان لدى البرلمان الأفغاني هذا الأسبوع فرصة تاريخية للموافقة على ترشيح امرأة مؤهلة كقاضية لتكون عضوا بالمجلس الأعلى للمحكمة العليا. فلماذا أخفقوا؟».
وتقول رسولي إنها «تعلم الإجابة». ولكنها واجهت الكثير من العقبات من قبل.
عندما استولت حركة طالبان على الحكم عام 1996 فصلت كل القضاة الإناث من مناصبهن. وعادت رسولي إلى قريتها في إقليم باروان وافتتحت مدرسة لتعليم الإناث كانت تشرف عليها سرا.
ولا تزال تلك المدرسة تعمل حتى اليوم، ولكنها تحت الإشراف الحكومي حاليا، وتقول السيدة رسولي إن بعض خريجي المدرسة تحولوا إلى محامين وقضاة ممتازين.
وتعمل رسولي حاليا برفقة بعض الناشطين في مجال حقوق المرأة للضغط على الرئيس غني من أجل ترشيح امرأة أخرى لمنصب قاضية بالمحكمة العليا. ويقولون إن «خسارة رسولي بذلك الهامش الضئيل قد أثار في أعماقهم الأمل بالفوز في المرة المقبلة».
وكشفت رسولي «لن أتوقف عن القتال. فالكفاح المشروع هو أكثر الأفعال الصالحة التي يمكنك القيام بها في حياتك».

*خدمة: «واشنطن بوست»
*خاص بـ«الشرق الأوسط»



إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
TT

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)

حثّت الصين وباكستان على وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء الحرب في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، وعلى عقد محادثات سلام في أقرب وقت. وقالت مصادر رسمية إن وزيريْ خارجية البلدين أكدا ضرورة ضمان سلامة الممرات المائية وسلامة السفن وطواقمها العالقة في مياه مضيق هرمز. وذكرت وزارة الخارجية الباكستانية أن البلدين أطلقا هذا النداء في مبادرة من خمس نقاط صدرت، الثلاثاء؛ من أجل استعادة السلام والاستقرار بالمنطقة. وأعلنت وزارة الخارجية الصينية أن الصين وباكستان ستُعززان تعاونهما بشأن إيران. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، في مؤتمر صحافي، إن البلدين يتبنيان مواقف متشابهة بشأن القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية.

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتوجّه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى الصين، الثلاثاء، في زيارةٍ رسمية لمدة يوم واحد، بدعوة من نظيره الصيني وانج يي. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ، خلال مؤتمر صحافي: «سيعزز وزيرا خارجية البلدين التواصل والتنسيق الاستراتيجي بشأن الوضع في إيران، وسيبذلان جهوداً جديدة للدعوة إلى السلام»، واصفة الصين وباكستان بأنهما شريكان استراتيجيان «في جميع الظروف». ويبحث دار مع القيادة الصينية، بشكل مكثف، التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية والقضايا العالمية ذات الاهتمام المشترك.

وتُعدّ باكستان من أقرب شركاء الصين في المنطقة، لكن بكين دعت إلى «الهدوء وضبط النفس» في نزاع إسلام آباد مع أفغانستان. وأعلنت وزارة الخارجية الصينية، هذا الشهر، أن مبعوثاً صينياً خاصاً أمضى أسبوعاً في الوساطة بين البلدين.

وقد سعى الجاران الآسيويان إلى التوسط لمنع تصعيد الصراع في الشرق الأوسط، وأعلنت إسلام آباد استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي زيارة دار بعد استضافته نظراءه من السعودية ومصر وتركيا، الأحد الماضي، لإجراء محادثات حول محاولة إنهاء الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، على أثر الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وتزداد المخاوف بشأن تداعيات الحرب، بما يشمل الشلل شبه التام في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وتُعدّ الصين شريكاً رئيسياً لإيران، لكنها لم تُعلن أي مساعدة عسكرية لطهران، بل دعت مراراً إلى وقف إطلاق النار.

نائب رئيس الوزراء الباكستاني ووزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر لدى لقائهم في إسلام آباد يوم الأحد (رويترز)

من جانب آخر، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، الثلاثاء، إن ثلاث سفن صينية عبَرَت مضيق هرمز، في الآونة الأخيرة، بعد تنسيق مع الأطراف المعنية، ودعت إلى استعادة السلام والاستقرار بمنطقة الخليج.

وقالت نينغ، في إفادة صحافية يومية تعليقاً على التقارير التي أفادت بعبور السفن: «مضيق هرمز والمياه المحيطة به طريق مهم للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وتدعو الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء القتال واستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج». ولم تُدلِ بأي تفاصيل عن السفن الصينية.

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وأظهرت بيانات تتبُّع السفن أن سفينتيْ حاويات صينيتين عبَرَتا مضيق هرمز، الاثنين، في ثاني محاولة لمغادرة الخليج بعد عودتهما يوم الجمعة. وأظهرت بيانات منصة «مارين ترافيك» أن السفينتين أبحرتا بالقرب من بعضهما وخرجتا من المضيق إلى المياه المفتوحة. وقالت ريبيكا جيرديس، محللة البيانات لدى شركة كبلر المالكة لمنصة «مارين ترافيك»: «عبَرَت السفينتان بنجاح في المحاولة الثانية اليوم، لتكونا أول سفينتيْ حاويات تغادران الخليج العربي منذ بدء الصراع، باستثناء السفن التي ترفع العَلم الإيراني». وأضافت: «السفينتان تُبحران بسرعة عالية حالياً باتجاه خليج عمان». ولم يُدلِ مسؤولون من مجموعة كوسكو الصينية للشحن، التي تُشغّل السفينتين، بأي تعليق.


الصين تحظر «شقق رماد الموتى»... وتدفع نحو بدائل بيئية وسط شيخوخة متسارعة

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
TT

الصين تحظر «شقق رماد الموتى»... وتدفع نحو بدائل بيئية وسط شيخوخة متسارعة

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)

في خطوة تعكس تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة، قررت الصين حظر استخدام الشقق السكنية لتخزين رماد الموتى، وهي ظاهرة آخذة في الانتشار عُرفت محلياً بـ«شقق رماد الموتى»، مع تسارع وتيرة الشيخوخة وارتفاع تكاليف الدفن. وفقاً لصحيفة «التليغراف».

وبموجب لوائح جديدة دخلت حيِّز التنفيذ، الاثنين، مُنع استخدام الوحدات السكنية المخصصة للإقامة مكاناً لدفن -أو حفظ- الرماد، في محاولة للحد من ممارسات غير تقليدية فرضتها الضغوط الاقتصادية وتغيرات سوق العقارات.

وخلال السنوات الأخيرة، لجأ بعض المواطنين إلى شراء شقق فارغة في الأبراج السكنية، لاستخدامها أماكن لتخليد ذكرى أقاربهم، في ظل ارتفاع كبير في تكاليف المقابر، وبيوت حفظ الرماد (الكولومباريوم)، بالتوازي مع زيادة ملحوظة في أعداد الوفيات نتيجة شيخوخة السكان.

وتُعد الصين من أسرع دول العالم شيخوخة؛ إذ بات عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، ما ألقى بظلاله على تكاليف الجنازات التي ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات إلى أن تكلفة الجنازة بلغت نحو نصف متوسط الدخل السنوي للفرد في عام 2020، بينما تواصلت الزيادات خلال الأعوام اللاحقة.

في المقابل، شهدت أسعار الشقق تراجعاً بنحو 40 في المائة خلال 5 سنوات، بفعل أزمة قطاع العقارات وتراجع ثقة المستهلكين، ما جعل شراء وحدات سكنية خياراً مطروحاً لدى البعض، ليس للسكن؛ بل كمساحة خاصة لإحياء الطقوس وتكريم الموتى، في مفارقة لافتة بين سوقين متعاكسين.

وحسب تقارير محلية، يمكن تمييز هذه الشقق من نوافذها المغلقة بإحكام، أو من ستائرها المسدلة دائماً، بينما نقلت صحيفة «ليغال ديلي» عن أحد السكان مشهداً داخل إحدى تلك الوحدات؛ حيث يوجد شمعدانان يحيطان بصندوق أسود وصورة بالأبيض والأسود، في ترتيب تقليدي يرمز إلى استذكار الراحلين.

وتكشف الأرقام الرسمية اتساع الفجوة الديموغرافية؛ إذ سجلت الصين العام الماضي 11.3 مليون حالة وفاة مقابل 7.92 مليون ولادة فقط، مقارنة بنحو 16.5 مليون ولادة قبل عقد، ما يعكس تحوّلاً سكانياً حاداً يضغط على البنية الاجتماعية والاقتصادية معاً.

كما تُعد تكاليف الجنازات من بين الأعلى عالمياً؛ إذ تصل إلى نحو 37375 يواناً (نحو 5 آلاف دولار)، أي ما يعادل 86 في المائة من متوسط الدخل المتاح للفرد، بينما قد تتجاوز أسعار قطع الدفن في المدن الكبرى مائة ألف يوان، ما يجعلها عبئاً ثقيلاً على كثير من العائلات الباحثة عن بدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة.

وفي هذا السياق، تبدو الشقق خياراً مغرياً للبعض، ولا سيما أن حق استخدامها يمتد إلى 70 عاماً، مقارنة بحق استخدام المقابر الذي لا يتجاوز عادة 20 عاماً، ما يوفِّر نظرياً استقراراً أطول للذكرى، وتعويضاً معنوياً عن غياب القبر التقليدي.

غير أن السلطات الصينية تسعى اليوم إلى إعادة تنظيم هذا الملف، عبر تشجيع أساليب دفن بديلة أكثر صداقة للبيئة، مثل «الدفن البيئي» ونثر الرماد في البحر، وقدَّمت بالفعل حوافز وتعويضاً مالياً لمن يختار هذه الخيارات.

ومع ذلك، يبقى التمسك بتقاليد تبجيل الأسلاف راسخاً في الثقافة الصينية؛ حيث يرى كثيرون أن وجود قبر مادي ليس مجرد طقس؛ بل هو امتدادٌ لعلاقة إنسانية لا تنقطع، ما يضع السلطات أمام معادلة دقيقة بين الحداثة والتقاليد.


45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت السلطة الوطنية لإدارة الكوارث في أفغانستان، الاثنين، عبر منصة «إكس»: «منذ 26 مارس (آذار)، قضى 28 شخصاً... بسبب الأمطار والفيضانات وانزلاقات التربة والصواعق».

وفي باكستان، قُتل 17 شخصاً بينهم 14 طفلاً في ولاية خيبر بختنوخوا بشمال البلاد بين الأربعاء والاثنين، معظمهم بسبب انهيار أسطح منازل وحوادث أخرى ناتجة عن الأمطار، وفق ما أفادت الوكالة الإقليمية للحالات الطارئة.

مركبات تسير على طريق غمرته المياه خلال هطول أمطار غزيرة في بيشاور بباكستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

وفي أفغانستان، قضى طفل يبلغ خمسة أعوام في ولاية دايكوندي بوسط البلاد إثر انهيار سقف منزل، بحسب ما ذكرت إدارة الطوارئ الأحد.

وفي ولاية ننكرهار الشرقية القريبة من باكستان، قضت امرأة في ظروف مماثلة في إقليم غني كيل، وأصيب طفلان، وفق ما أورد المتحدث باسم الشرطة سيد طيب حمد. وفي غرب أفغانستان، تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات مفاجئة بين الجمعة والسبت.

مزارع أفغاني يقوم بتجريف حقل زراعي غمرته الفيضانات المفاجئة بعد هطول الأمطار على مشارف ولاية غزني في 30 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم شرطة ولاية بدغيس صديق الله صديقي لمراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»: «غرق ثلاثة أشخاص أثناء محاولتهم جمع الحطب». وفي الولاية نفسها، قضى فتى (14 عاماً) بصاعقة، بحسب السلطات المحلية.

وفي حصيلة أصدرتها السلطة الوطنية لإدارة الكوارث في أفغانستان، تعرّض 130 منزلاً لتدمير كامل، ولحقت أضرار جزئية بـ438 منزلاً آخر. وأُغلقت العديد من الطرق في ولايات عدة خلال الأيام الماضية.

سكان محليون يتفقدون منزلاً متضرراً في أعقاب الفيضانات والانهيارات الأرضية والعواصف الرعدية في ولاية قندهار بأفغانستان يوم 29 مارس 2026 (أ.ب)

ويُتوقع هطول أمطار غزيرة مع عواصف رعدية مجدداً في أفغانستان الثلاثاء. وطلبت السلطات من المواطنين «عدم الاقتراب من الأنهار خلال هطول الأمطار، ومتابعة توقعات الطقس من كثب».

وتُعد أفغانستان من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات تغير المناخ، فضلاً عن مواجهتها إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.