العلاقة بين الدين والفلسفة عبر التاريخ

الفيلسوف الفرنسي لوك فيري ووزير التربية والتعليم السابق يستعرض تطورها وتحولاتها

لوك فيري .....غلاف الكتاب
لوك فيري .....غلاف الكتاب
TT

العلاقة بين الدين والفلسفة عبر التاريخ

لوك فيري .....غلاف الكتاب
لوك فيري .....غلاف الكتاب

مؤلف هذا الكتاب «أجمل قصة لتاريخ الفلسفة» هو الفيلسوف الفرنسي المعروف لوك فيري. وكان سابقًا وزيرًا للتربية والتعليم في عهد جاك شيراك. وقد اشتهرت مؤلفاته وترجمت إلى أكثر من 20 لغة عالمية، نذكر من بينها كتابه عن الفلسفة السياسية، وعن ثورة مايو (أيار) 1968، وعن هيدغر والمحدثين، وعن ظهور الجماليات الحديثة، وعن تجاوز نيتشه، وعن أجمل قصة لتاريخ للفلسفة، إلخ. وفي هذا الكتاب الأخير الذي نستعرضه بسرعة شديدة يعترف لوك فيري بأن الفلسفة حلت محل الدين في الغرب في القرون الأخيرة. فلم يعد الناس، أو قل أغلبيتهم، يبحثون عن الطمأنينة وتهدئة مخاوفهم وقلقهم في جهة المسيحية، وإنما في جهة الفلسفة القديمة أو الحديثة.
وهذا تطور مذهل لم يحصل في أي منطقة أخرى من مناطق العالم حتى الآن. فالفلسفة العلمانية هي التي تسيطر على الغرب حاليا وليس الدين المسيحي. فالفرنسي إذا ما أراد أن يبحث عن معنى الوجود، ومن أين جئنا وإلى أين المصير، لم يعد يبحث عنه في الإنجيل أو في كتابات آباء الكنيسة الكبار، وإنما لدى أفلاطون وأرسطو وكانط، ونيتشه.. إلخ. وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف تاريخ هذا التطور على مدار القرون، ويفتتحه بالتساؤل الأساسي التالي: ما الفلسفة؟ وما عقائدها التي تقود الإنسان إلى الخلاص خارج إطار الدين المسيحي؟ من المعلوم أن الإنسان في أوروبا كان يهدئ قلقه أمام الموت عن طريق اللجوء إلى الكاهن المسيحي الذي يشرح له مبادئ دينه ويطمئنه ويقول له إن الموت ليس إلا عبورا نحو الحياة الآخرة حياة الأبدية والخلود. وكان هذا الجواب يدخل الطمأنينة إلى قلب الإنسان المسيحي فلا يعود يخشى من الاندثار أو الفناء الكامل بعد الموت. ولكن بعد أن ظهرت العلوم الحديثة في الغرب، وبعد أن تطور المجتمع كثيرا من الناحية العقلانية لم يعد هذا الجواب يكفي أو قل لم يعد يقنع إلا المؤمنين بالمعنى التقليدي للكلمة. وعندئذ تدخلت الفلسفة أو قل حلت محل الدين المسيحي لكي تقدم الجواب على قلق الإنسان وتساؤلاته الميتافيزيقية.
ولكن هذا لا يعني أن الجواب الديني انتهى مفعوله. فالواقع أن الكثيرين لا يزالون يؤمنون به وإن كان عددهم قد تناقص كثيرا بالقياس إلى المجتمعات الأخرى، كالمجتمعات الإسلامية مثلا. ثم يردف المؤلف قائلا: «في الواقع أن الدين المسيحي انتصر على الفلسفة قبل أن تنتصر الفلسفة أخيرا عليه. فعندما ظهرت المسيحية قبل ألفي سنة (2000) كانت الفلسفة اليونانية هي السائدة، أي فلسفة أرسطو وأفلاطون وأتباعهما. ولذلك قامت المسيحية برد فعل عنيف على هذه الفلسفة واتهمتها بالوثنية ودعت الناس إلى التخلي عنها وعدم قراءتها. بل وحرقت كتبها في أماكن كثيرة باعتبار أنها كتب ضالة مضلة تبعد عن الله».
وهكذا ماتت الفلسفة في الغرب لمدة عدة قرون، أي من القرن الرابع أو الخامس الميلادي إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر. ولم تكتشف المسيحية الأوروبية الفلسفة إلا على يد العرب في إسبانيا. عندئذ راح مفكروها يترجمون كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم لكي يطلعوا على أفكار أفلاطون وأرسطو. وابتدأت النهضة الأوروبية بعدئذ كما هو معلوم. وبالتالي فقد كان للعرب المسلمين شرف نقل الفكر الفلسفي والعلمي إلى أوروبا الجاهلة المتعصبة آنذاك. هذا شيء كثيرا ما ينساه الناس هنا أو يتناسونه لأن الأمور انقلبت رأسا على عقب ولأن عالم الإسلام أصبح بحاجة إلى تنوير فلسفي عقلاني وليس عالم أوروبا. وبالتالي فسبحان مغير الأحوال! فمن كان حضاريا سابقا أصبح متخلفا الآن ومن كان متخلفا أصبح حضاريا متفوقا. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن كيفية انتصار الفلسفة العقلانية والإنسانية في أوروبا على الأصولية المسيحية. وقد ابتدأ هذا الانتصار في عصر ديكارت الذي دعا المسيحيين إلى استخدام العقل من أجل اكتشاف قوانين الطبيعة والسيطرة على الكون. كما دعاهم إلى التخلي عن عقلية الخرافات الأسطورية والمعجزات التي تلغي العقل، ثم جاء بعده فلاسفة آخرون مشوا في هذا الاتجاه وكان أكبرهم كانط.
وهو مؤسس الفلسفة الحديثة في الغرب بل قد استطاع أن يتنبأ بمستقبل البشرية وبالأمم المتحدة تقريبا عندما دعا إلى تأسيس حكومة عالمية لحل المشكلات الناشبة عن طريق التفاوض العقلاني وليس عن طريق قعقعة السلاح. وراح يحلم بالسلام الأبدي بين الأمم والشعوب بعد أن تتحضر الشعوب كافة بالطبع وليس قبل ذلك. وهو هدف لا يزال بعيد المنال للأسف الشديد.
ويعترف المؤلف بأن كانط شكل ثورة في الأخلاق الحديثة عن طريق كتابه «نقد العقل العملي»، فقد بلور المبادئ الأخلاقية الكبرى التي ينبغي أن تتحكم بالسلوك البشري لكي تنتظم الحياة في المجتمع، ولكي يصبح جميع الناس مهذبين، حضاريين، ملتزمين بالنزعة الإنسانية وخدمة المصلحة العامة وليس فقط المصلحة الفردية. والآن نلاحظ أن المبادئ الأخلاقية التي بلورها كانط لا تزال تسود بلدان الغرب المتحضرة من ألمانيا إلى هولندا إلى سويسرا إلى بلجيكا إلى فرنسا إلى إنجلترا.. إلخ.
فالجميع يلتزمون بأداء الواجب، وعدم الاعتداء على حريات بعضهم البعض. وكل واحد ينجز عمله بإتقان داخل المجتمع أو من خلال الموقع الذي حدده له المجتمع. وهذا الأمر ينطبق على كل المهن والحرف كبيرها وصغيرها. فمن رئيس الوزراء إلى أستاذ الجامعة إلى الطبيب والمهندس إلى النجار والحداد والتاجر وحتى الزبال وكناس الشوارع نجدهم كلهم يؤدون واجبهم على أفضل وجه. يضاف إلى ذلك قيم الصدق، والدقة في المواعيد، والأمانة، والنزاهة الشخصية.. إلخ.
ولذلك تقدمت بلدان أوروبا وتحضرت، على عكس بلدان الشرق التي ظلت غارقة في التخلف والجهل والتواكل والكسل وإخلاف المواعيد واحتقار الزمن وسوى ذلك. وأخيرًا يمكن القول إن هذا الكتاب يقدم صورة بانورامية عامة عن تطور الفكر في الغرب منذ أكثر من 2500 سنة وحتى اليوم. فهو يتحدث في الفصول الأولى عن الفلسفة اليونانية وكيف هيمنت على الغرب قبل ظهور المسيحية. ثم يتحدث بعدئذ عن انتصار المسيحية على الفلسفة اليونانية طيلة عشرة قرون. وهي فترة العصور الوسطى. وبعدئذ يتحدث المؤلف عن عودة الفلسفة إلى الساحة الأوروبية من جديد بدءا من عصر النهضة حيث حصل رد فعل عنيف ضد التزمت المسيحي.
ثم استمرت الفلسفة في الصعود طيلة العصور التالية من القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين، حيث تغلبت على الدين المسيحي الذي انحسر كثيرا. ويتوقف المؤلف مطولا عند بدايات الفلسفة العقلانية ذات الطابع الإنساني، وكيف انتصرت على الأصولية المسيحية. ومن أهم الفصول هنا نذكر فصلا بعنوان: تأسيس الفلسفة الإنسانية في عصر التنوير على يد جان جاك روسو وعمانويل كانط. وعلى هذا النحو انتصرت فلسفة الحداثة.
ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى فلسفة ما بعد الحداثة، التي كانت نقدا للأولى. وقد انتصرت في رأيه على يد نيتشه وهيدغر، قبل أن تنتصر على يد أتباعهما المعاصرين من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وجان فرنسوا ليوتار، وسواهم. وهي فلسفة طغت وزادت عن حدها. ولذلك تلاشت أسطورتها أخيرا.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: لقد آن الأوان لكي نتجاوز فلسفة ما بعد الحداثة لأنها أدت إلى العدمية ونسبية القيم بل وتدمير القيم. إنها فلسفة نسبوية لا نسبية. فقد راحت تساوي بين كل شيء وكل شيء ولم يعد هناك من شيء أفضل وشيء أسوأ في نظرها. فلا توجد مجتمعات متقدمة ومجتمعات متخلفة توجد فقط مجتمعات مختلفة. فهل أنت ضد حق الاختلاف؟ ونضيف من عندنا: لا توجد حياة جنسية صحيحة وأخرى خاطئة. يوجد فقط اختلاف في ممارسة الحب: فالشذوذ الجنسي مثلا والجنس الطبيعي سيان! وهنا تتبدى تطرفات الحضارة الغربية التي ينبغي تحاشيها بأي شكل. للأسف فإن لوك فيري غير موافق على هذا الرأي. وهنا نختلف معه جذريا ومع معظم المثقفين الحداثيين الفرنسيين.
على أي حال فضد هذا التطرف العدمي الذي أصاب فلسفة ما بعد الحداثة ينهض لوك فيري ويدعو إلى تأسيس فلسفة عقلانية وإنسانية جديدة تأخذ البعد الروحي أو التساؤلات الميتافيزيقية للإنسان بعين الاعتبار. فالإنسان ليس فقط ماديات واستهلاكات، وإنما هو أيضا روحانيات وتساؤلات ميتافيزيقية.. ولكن لم يعد الدين في نظره هو الجواب الشافي على هذه التساؤلات، وإنما الفلسفة.
وفي رأينا فإن كليهما ضروري ويكمل بعضهما البعض إذا ما فهمناهما بشكل صحيح. فنحن بحاجة إلى الدين والفلسفة في آن معا. نحن بحاجة إلى العلم والإيمان. ومن هذه الناحية فليسمح لنا الغرب السيد المتغطرس أن نختلف معه أو قل مع تياره الجارف وليس كل تياراته، فلا يزال هناك لحسن الحظ تيار مؤمن لا إلحادي، وأكبر دليل على ذلك: بول ريكور.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.