فرق الإنقاذ تتشبث بـ«معجزة» العثور على أحياء في «كارثة العصر»

تراشق بين الرئيس التركي والمعارضة حول أسوأ زلازل بالعالم خلال 100 عام

تركي ناج من الزلزال بين مبان مدمرة في أنطاكيا أمس (إ.ب.أ)
تركي ناج من الزلزال بين مبان مدمرة في أنطاكيا أمس (إ.ب.أ)
TT

فرق الإنقاذ تتشبث بـ«معجزة» العثور على أحياء في «كارثة العصر»

تركي ناج من الزلزال بين مبان مدمرة في أنطاكيا أمس (إ.ب.أ)
تركي ناج من الزلزال بين مبان مدمرة في أنطاكيا أمس (إ.ب.أ)

واصلت فرق البحث والإنقاذ تمسكها بـ«الأمل الأخير» في العثور على أحياء تحت ركام أنقاض زلزالي كهرمان ماراش اللذين ضربا 10 ولايات في جنوب وشرق وجنوب شرقي تركيا، مع دخول اليوم السابع (اليوم الأحد)، بينما تبدلت الآمال بين المواطنين في العثور على ذويهم أحياء إلى استخراج جثثهم حتى يقوموا بدفنها، وبالكفاح من أجل مواصلة حياتهم في ظل ظروف قاسية فرضتها عليهم الكارثة.
وبينما تواصل فرق البحث والإنقاذ محاولاتها ضد عقارب الساعة، وعلى الجانب الآخر تجري عمليات إزالة أنقاض المباني التي اكتملت أعمال البحث والإنقاذ فيها بعد انقطاع الأمل في العثور على أحياء، تلتهم الساعات ما تبقى من صبر لدى مئات الآلاف من الأشخاص الذين أصبحوا بلا مأوى، بسبب عدم قدرتهم على دخول منازلهم المهددة بالانهيار، جرّاء الهزات الأرضية التي تسببت في سقوط أكبر عدد من الضحايا في الولايات العشر: كهرمان ماراش، هاتاي، أديامان، أضنة، كيليس، عثمانية، مالاطيا، غازي عنتاب، شانلي أورفا وديار بكر.
ونجحت فرق الإنقاذ في إخراج 5 أفراد من عائلة واحدة من تحت أنقاض منزلهم، بعد 129 ساعة من الزلزال المدمر؛ حيث تمكنت في بادئ الأمر من إخراج الأم وابنتها من تحت الأنقاض في بلدة «نور داغ» بولاية غازي عنتاب، ثم وصلوا بعد ذلك إلى الأب وابنته الأخرى وابنه.
كما تم إنقاذ رضيع يبلغ من العمر شهرين من تحت الأنقاض في هاتاي بعد 128 ساعة من الزلزال، كما تمكن فريق إنقاذ سويسري من إنقاذ رضيعة تبلغ من العمر 6 أشهر ووالدتها من تحت الأنقاض في هاتاي أيضاً. وأصيب أحد رجال الإنقاذ أثناء عمله مع فريقه في أحد المباني في هاتاي؛ حيث سقط الحطام عليهم أثناء عملهم.
- وعود إردوغان
واعتبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن الزلزال الذي ضرب المناطق الجنوبية من بلاده، أنه أقوى وأكثر تدميراً بثلاثة أضعاف من زلزال مرمرة عام 1999 المحفور في ذاكرة البلاد، وكذلك من زلزال أرزينجان الذي وقع عام 1939.
وقال إردوغان، خلال تفقده مخيماً للمتضررين من الزلزال بمنطقة كايا بينار في ديار بكر جنوب شرقي البلاد، السبت، إن «الزلزال تسبب في دمار على مساحة 500 كيلومتر، وشعر المواطنون به على مساحة ألف كيلومتر»، مشيراً إلى ارتفاع ضحايا الكارثة إلى 21 ألفاً و848 قتيلاً و80 ألفاً و104 مصابين.
وأضاف أن مئات الآلاف من المباني في أنحاء جنوب تركيا لم تعد صالحة للسكن، وأن الدولة سوف تتخذ تدابير لتبدأ في غضون أسابيع إعادة بناء المدن المتضررة، كما أعلن تخصيص جميع المساكن الجامعية للمتضررين من الزلزال، والانتقال إلى نظام التعليم عن بعد في الجامعات حتى الصيف المقبل.
ولاحقاً زار إردوغان مخيماً للمتضررين في شانلي أورفا، جنوب شرقي البلاد، وطالب المواطنين بمنحه عاماً واحداً لإعادة بناء المنازل المدمرة في مناطق الزلزال، لافتاً إلى أن الدولة ستمنح ما بين 2000 و5000 ليرة شهرياً للمتضررين؛ لإيجاد مساكن بديلة حتى تنتهي الحكومة من إنشاء المساكن في المناطق المتضررة.
وكرر أنه وجّه تعليماته إلى وزير التجارة لضبط أي محاولات لاستغلال الكارثة في رفع الأسعار، كما أن قوات الأمن والجيش تتصدى بكل حزم للصوص وقطاع الطرق، كما تتم متابعة حملات التحريض والشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي لاتخاذ الإجراءات ضدها.
وتزامنت زيارة إردوغان إلى ديار بكر مع زيارة زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو، الذي انتقد حديث إردوغان عن ضخامة كارثة الزلزال ووصفها بـ«كارثة العصر»، قائلاً إنه يحاول أن يتوارى خلف هذه الكلمات ليبرر عجز حكومته عن إدارة الأزمة وإدارة البلاد، وعدم قدرتها على الوصول السريع إلى المناطق المنكوبة، بينما كانت البلديات والمنظمات المدنية أسبق إلى تلبية احتياجات المواطنين.
وأشارت وسائل إعلام محلية إلى توقيف نحو 12 مقاولاً في تركيا بعد انهيار آلاف المباني جنوب شرقي البلاد، وبين الموقوفين مقاول في محافظة غازي عنتاب و11 في محافظة شانلي أورفا، وفقاً لوكالة «أنباء دوغان» التركية.
من جانبه، وصف وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة، مارتن غريفيث، الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، بأنه أسوأ حدث تشهده هذه المنطقة خلال 100 عام.
وعدّ غريفيث، خلال تفقده المناطق المنكوبة في ولاية كهرمان ماراش جنوب تركيا، استجابة تركيا للكارثة «استثنائية»، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تعتزم توجيه مناشدة قريباً لعملية تستمر 3 أشهر في سوريا وتركيا.
- كارثة تفوق التوقعات
وقالت إدارة الطوارئ والكوارث التركية إن «البلاد تواجه كارثة تفوق بكثير ما تم توقعه، وإننا وجدنا أثناء تحليل زلزالي، الاثنين، أن مدة الزلزال الأول الذي وقع مركزه في بلدة بازارجيك في كهرمان ماراش بقوة 7.7 درجة كانت 65 ثانية، ولذلك كان أثره التدميري فائقاً، وأن الثاني، الذي جاء مركزه في بلدة إلبيستان بالولاية نفسها بقوة 7.6 درجة، كانت مدته 45 ثانية، ما يعني أن المنطقة اهتزت بشدة لمدة دقيقتين تقريباً، ووقع أكثر من ألفي هزة ارتدادية حتى الآن ولا تزال مستمرة، مشيرة إلى أنه لا يوجد تدفق للحمم البركانية أو الرماد البركاني أو تسرب للنفط أو الغاز في مناطق الزلزال.
وقال المدير العام للزلازل والحد من المخاطر في إدارة الطوارئ والكوارث، أورهان تتار، إن الطاقة المنبعثة من الزلزال الأول الذي بلغت قوته 7.7 درجة تعادل طاقة 500 قنبلة ذرية.


مقالات ذات صلة

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

أوروبا علم إيطاليا مرفرفاً (أرشيفية - رويترز)

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

هزت زلازل عدة جزر إيطالية بالبحر المتوسط في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (روما )
أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».