تتهيأ أسواق العقار البريطانية لصدمة ارتفاع محتمل لأسعار الفائدة قدر لها محافظ بنك إنجلترا مارك كارني أن تكون في نهاية العام الجاري. ومن شأن مثل هذا التغيير في معادلة أسعار الفائدة أن يكون له انعكاسات جذرية على معادلة العقار البريطانية تشمل صغار المشترين وكبار المستثمرين على السواء.
وظلت أسعار الفائدة الأساسية على الجنيه الإسترليني من بنك إنجلترا، وهو البنك المركزي، مجمدة عند حد نصف نقطة في المائة منذ شهر مارس (آذار) 2009. وهي أطول فترة تتجمد فيها أسعار الفائدة على الإسترليني منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت آخر مرة تم فيها رفع أسعار الفائدة على الإسترليني في شهر يوليو (تموز) عام 2007. وكانت أسعار الفائدة مجمدة عند حد اثنين في المائة بين عام 1939 و1951.
ويقول ريتشارد بيرنستون مدير شركة أستون تشيس العقارية لـ«الشرق الأوسط» بأن التأثير سوف يكون محدودا على القطاع الفاخر في لندن الذي تجرى معظم التعاملات فيه نقدا. ويضيف بيرنستون أن أي ارتفاع في سعر الفائدة سوف يكون إلى حدود ما بين 0.75 في المائة إلى واحد في المائة ثم يستقر لفترة طويلة عند حدود اثنين في المائة.
ولكن في نهاية المطاف سوف يحتاج أي اقتصاد قوي إلى سعر فائدة أعلى مما هي عليه الآن، ولن يكون لهذا أي انعكاس سلبي على عقارات وسط لندن. ويتذكر بيرنستون أن أسعار الفائدة السائدة في عام 2007 قبل سقوط الشركة المالية ليمان بروزرز كان عند حدود 4.75 في المائة. كما أن أسعار الفائدة المعتدلة سوف تفيد المدخرين. والاستنتاج هو أنه في نهاية المطاف وبعد الصدمة الأولية سوف يكون ارتفاع أسعار الفائدة مفيدا، في رأي بيرنستون، لأن المقترضين والمدخرين سوف يتأقلمون على وضع السوق وتستمر سوق لندن العقارية في الانطلاق من قوة إلى قوة، على حد قوله.
أما مارتن بخيت، مدير شركة كاي اند كو العقارية فهو يوافق بيرنستون في الرأي، ويقول لـ«الشرق الأوسط» بأن أسعار الفائدة الحالية متدنية للغاية وارتفاعها طفيفا لن يؤثر على سوق العقار في لندن. وهو يرى أن إمدادات العقار الفاخر في وسط لندن ما زالت محدودة وأن تلك العقارات الجيدة المتاحة في كل منطقة تلقى اهتماما كبيرا من الكثير من المستثمرين. ويشمل الاهتمام بسوق لندن العقارية كافة المستويات السعرية وبغض النظر عن مستوى أسعار الفائدة.
ثم يضيف اليكس نيوال مدير شركة هانوفر العقارية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن توجهات أسعار الفائدة إلى الارتفاع في بريطانيا بعد أميركا تشير إلى نمو الاقتصاد في البلدين. وهو يرى أن تلك إشارة إيجابية وأن الارتفاع الأول بنسبة 0.25 في المائة والمقدر له نهاية الجاري لن يكون له أي تأثير سلبي على سوق العقار في لندن التي سوف تستقر فيها الأسعار مع معدلات نمو معتدلة.
وتقول إحصاءات مجلس الإقراض العقاري بأنه منذ ذلك الحين تم صرف 1.8 مليون قرض عقاري معظمها لمقترضين جدد لم يعرفوا من قبل معنى ارتفاع أسعار الفائدة. واعتبر مارك هاريس من شركة تدبير القروض العقارية «برايفت كلاينتس» أن مثل هذا الارتفاع بعد سنوات طويلة من استقرار الفائدة عند حدود دنيا سوف يكون بمثابة صدمة للكثير من المقترضين الذين لم يعرفوا من قبل معنى ارتفاع أسعار الفائدة. وسوف تكون الصدمة مؤجلة بعض الشيء لهؤلاء الذين اقترضوا بأسعار فائدة ثابتة، وذلك إلى حين انتهاء فترة تثبيت أسعار الفائدة وعودة تكلفة الاقتراض إلى الارتفاع.
وأثار المحافظ كارني هذه المخاوف بعد تصريحات قال فيها بأن الارتفاع المحتمل في أسعار الفائدة سوف يكون في فترة نهاية العام الجاري. وأضاف أن أسعار الفائدة ظلت تاريخيا عند معدل 4.5 في المائة. ويعتقد كارني أنه من غير المعقول توقع أن تكون أسعار الفائدة أقل من المعدل التاريخي بعد أن تعاود ارتفاعها. وقد يعني هذا أن الارتفاع التدريجي المتوقع في أسعار الفائدة قد لا يتوقف عند نسبة واحد أو اثنين في المائة.
ومن المتوقع وفقا لإحصاء شمل آراء 60 خبيرا في السوق أجرته وكالة رويترز أن تصل أسعار الفائدة إلى 0.75 في المائة خلال الربع الأول من العام المقبل وإلى 1.75 في المائة بعد عام من الآن. وتضيف سو أندرسون من مجلس الإقراض العقاري أن البنوك تضع في حسبانها عند اعتماد القروض العقارية الجديدة قدرة المقترض على دفع الأقساط في حالة ارتفاع الفائدة إلى حدود ثلاث نقاط مئوية فوق معدل الفائدة السائد حاليا.
ومن المعروف أن الفوائد المفروضة على القروض العقارية تكون في العادة أعلى من سعر الفائدة الأساسي. وهي تصل في المتوسط حاليا إلى 3.5 في المائة وقد ترتفع إلى 4.5 في المائة أو أكثر خلال العام المقبل. ويصل متوسط حجم القرض العقاري في بريطانية إلى 126 ألف إسترليني تقريبا.
وسوف يمثل أي ارتفاع في أسعار الفائدة صدمة للمقترضين الجدد الذين لم يختبروا ارتفاعا مماثلا من قبل. ويصل متوسط عمر هؤلاء إلى 29 عاما، ومعظمهم في مرحلة تكوين أسر ورعاية أطفال وربما أيضا فقدان دخل أحد الوالدين للعناية بالأطفال.
ويمكن لمعظم العائلات استيعاب ارتفاع طفيف في أسعار الفائدة ولكن المتاعب تبدأ إذا ما بلغ حد الارتفاع نسبة اثنين في المائة إضافية أو أكثر. وتواجه العائلات صغيرة السن في بريطانيا الكثير من أعباء التكاليف الثابتة ومنها مصاريف دور الحضانة للأطفال والتي تصل في المتوسط إلى ألف إسترليني في الشهر الواحد.
وما يزيد من خطورة الوضع أن النسبة الأكبر من المقترضين الجدد لم تتلق أي نصيحة مالية عن السيناريوهات المطروحة في حالة ارتفاع أسعار الفائدة. وهذا بدوره يزيد من المخاطر المحتملة التي قد تصل إلى حد فقدان العقار لعدم القدرة على سداد تكاليف الاقتراض المتزايدة.
ومن المتوقع أن يتبع بنك إنجلترا خطوة مماثلة من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في رفع نسبة الفائدة. والأرجح أن تكون بداية الارتفاع في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الجديد 2016. وأشار محافظ بنك إنجلترا إلى أن الارتفاع في أسعار الفائدة سوف يكون تدريجيا ومحدودا.
من ناحية أخرى، سوف يكون لارتفاع أسعار الفائدة عائد إيجابي على المدخرين الذين عانوا سنوات طويلة من عوائد هامشية على ودائع التوفير لديهم. ولكن مثل هذه العوائد سوف تكون بطيئة في النمو وسوف تستغرق بعض الوقت حتى تعتمدها البنوك.
مواجهة الارتفاع
ويحتاج المقترض إلى استراتيجية واضحة لمواجهة هذا الارتفاع المتوقع في أسعار الفائدة. وليس هناك مناص من تحمل التكاليف الإضافية للمقترض، ولكن المقترض يمكن أن يخفض انعكاسات هذا الارتفاع أو على الأقل يؤجله. وتوجد حاليا نسبة 44 في المائة من المقترضين الذين اقترضوا بأسعار فائدة ثابتة. ولذلك فالنصيحة المالية للنسبة الباقية هي سرعة البحث عن قروض بديلة يتم فيها تثبيت أسعار الفائدة الأمر الذي من شأنه تأجيل التعامل مع ارتفاع أسعار الفائدة إلى نهاية مدة القرض الثابت على الأقل.
والمتوقع أن ترتفع تكلفة القروض العقارية الثابتة على نهاية العام الجاري ومع اقتراب ارتفاع سعر الفائدة الأساسي. ولذلك فالأفضل للمقترض بسعر فائدة متغير أن يقوم بتثبيت هذا السعر فورا. وتوجد حاليا في الأسواق عروض لقروض عقارية بفوائد ثابتة متدنية أفضلها من جمعية تشيلسي العقارية بسعر 1.24 في المائة، ومن بنك ناشيونال ويستمنستر بسعر 1.45 في المائة.
ولا بد من اختيار الفترة المناسبة لتثبيت فوائد القروض اعتبارا للظروف. فمن الأفضل عدم تثبيت القروض لفترة خمس سنوات إذا كان المقترض سوف ينتقل من عقار إلى آخر خلال فترة سنتين أو ثلاث سنوات. كما أن القروض الثابتة لا تصلح لهؤلاء الذين يريدون سداد دفعات كبيرة من القرض العقاري لخفض قيمة العقار، حيث يتعين الالتزام بالأقساط الشهرية دون زيادة أو نقصان في حالات القروض ذات أسعار الفائدة الثابتة.
وإذا كان لدى المقترض فوائض مالية لا تجني الكثير من العوائد المصرفية، فالأفضل له توجيهها نحو سداد القروض العقارية ذات الفوائد المرتفعة.
ولكن ما هي الدواعي الاقتصادية لرفع أسعار الفائدة؟
البداية هي عودة النمو الاقتصادي وزيادة احتمالات ارتفاع نسبة التضخم. كما أن الفائدة المرتفعة تمنح البنك المركزي أداة اقتصادية فعالة للتحكم في متغيرات الاقتصاد بخفض الفائدة لتشجيع النمو أو رفعها لكبح التضخم. والرأي السائد حاليا بين الاقتصاديين هو أنه كلما كان رفع الفائدة مبكرا كان ذلك أفضل حتى لا يضطر البنك فيما بعد لرفع الفائدة بنسب عالية مؤثرة.
ومع ذلك سوف يكون بنك إنجلترا حريصا في توقيت رفع الفائدة ونسبته لأن المستهلك البريطاني عليه ديون أكثر من أي مستهلك غربي آخر، كما أن نمط القروض العقارية في بريطانيا يغلب عليها سعر الفائدة المتغير، أي أن تأثير رفع الفائدة سوف يكون سلبيا وفوريا على المستهلك. وتشير الأبحاث إلى أن واحدا من أربعة مقترضين بريطانيين ينفق أكثر من ثلث أجره لخدمة قرضه العقاري.
من انعكاسات ارتفاع سعر الفائدة أيضا ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني إزاء الدولار واليورو وهذا بدوره سوف يضعف نسبة النمو بكبح نسبة الصادرات وزيادة الواردات. ولهذا يحذر كثيرون من الاندفاع نحو رفع سعر الفائدة قبل الأوان خصوصا أن نسبة التضخم الآن لا تتعدى الصفر كما أن زخم النمو الاقتصادي لم يحدث بعد.
