ملتقى «طويق للنحت»... 30 عملاً يجمع بينها الحجر وتختلف في التعبير الفني

«مدى الانسجام» موضوعه... والتعاون يميزه

أثناء العمل على إحدى القطع (رياض آرت)
أثناء العمل على إحدى القطع (رياض آرت)
TT

ملتقى «طويق للنحت»... 30 عملاً يجمع بينها الحجر وتختلف في التعبير الفني

أثناء العمل على إحدى القطع (رياض آرت)
أثناء العمل على إحدى القطع (رياض آرت)

جو احتفالي جملته نسائم ليلية باردة غمر معرض ملتقى «طويق للنحت» في الرياض يوم السبت الماضي. على مساحة شاسعة امتدت منحوتات أنتجها فنانون من السعودية وخارجها، جمع بينها المكان والفكرة والمادة المستخدمة، واختلفت تعبيراتهم المنحوتة في الحجر في أساليبها الفنية والأفكار خلفها. ومع التماثل والاختلاف يجب الاعتراف بالجهد الجبار الذي بذله فريق ملتقى «طويق للنحت» من إدارة تنسيق فني مبدع وفريق من المحكمين من مختلف البلدان.

العمل الفني يحتاج إلى جهد وإبداع (رياض آرت)

من لقاءات مع الفنانين والمنسقين والمحكمين كانت هناك دائماً الحكايات عن روح الفريق التي سادت، والأجواء المفعمة بالتعاون والتبادل الفكري بين المشاركين، أشار أحد المنسقين إلى أن المناقشات المستمرة بين الفنانين والخبراء والمنسقين، كانت تدور أثناء الوجبات وتستمر بعدها لفترات طويلة.
والآن وقد انتهى العمل تبدأ فترة العرض على الجمهور العريض حتى العاشر من الشهر الحالي (فبراير/ شباط) قبل أن تنتقل المنحوتات لمحطتها التالية ويتم توزيعها على أماكن مختلفة من العاصمة الرياض التي ستتحول بفضل تلك القطع إلى متحف مفتوح. قال أحد الخبراء الفنيين الذي حضر الافتتاح: «لطالما سمعنا عن فكرة (المتحف المفتوح) في بلدان مختلفة من العالم الغربي، ولكن الفكرة لم تخرج من حيز الوعود، أمر جميل أن تتجسد الفكرة هنا في الرياض».

العمل الفني يحتاج إلى جهد وإبداع (رياض آرت)

وجود القطع مجتمعة أتاح للصحافيين والمهتمين تأمل استخدامات المواد الخام، وهي محددة هذا العام بحجر رملي يسمى بـ«حجر الرياض» مع الجرانيت، وهنا يمكن للناظر للأعمال رؤية الاختلافات في الأسلوب والتنفيذ وفي وضوح الفكرة من وراء العمل.
بالنسبة لسارة الرويتع، مديرة ملتقى «طويق للنحت»، فهناك أمر أساسي يستحق التسجيل وهو يتمثل في استخدام الأحجار المحلية من الرياض، تقول: «للمرة الأولى منذ إطلاق ملتقى (طويق للنحت) في عام 2019 يستخدم الملتقى أحجاراً مستمدة من محاجر الرياض، تحديداً حجر الجرانيت والحجر الرملي المعروف باسم حجر الرياض. وللاختيار مغزاه ورمزيته؛ فهو طريقة لإلقاء الضوء على التاريخ العميق لهذه الأحجار منذ القدم التي ظهرت في النقوش والرسومات الأثرية وصولاً إلى المنحوتات المعاصرة». تمد الرويتع أهمية الأحجار ومنشأها لتشمل كل فنان شارك في هذا الملتقى: «هذه الأعمال لن تكون فقط جزءاً من مدينة الرياض، بل هي أيضاً جزء من إرث كل فنان سيترك أثره على المدينة عبر عمله».

د.عفت فدعق من لجنة اختيار الفنانين  (تويتر)

أتيح للجمهور الحضور ومشاهدة سير العمل على مدى 26 يوماً، والاطلاع على عمل 30 فناناً حضروا للرياض من 20 دولة من مختلف أنحاء العالم. لن يمكننا منح تلك التجربة الثقافية المتنوعة حقها، التنوع والتبادل الثقافي في أجمل صورهما تمثلا في المناقشات أمام كل عمل ما بين فنان قدم للمملكة للمشاركة بإزميله ومطرقته ونحت قطعة فنية، وبين الحاضرين. بعض الفنانين لم يكن يتحدث العربية ولا الإنجليزية فتحولت مهمة الشرح لمرشدين محليين لعبوا دور الوسيط ما بين الفنان وجمهوره.
ولنعد لنقطة البداية للحظة لنعرف كيف بدأت عملية الاختيار والتنسيق، عبر لقاء للصحافيين مع سارة الرويتع مدير الملتقى، والمنسق الفني ماريك ولينسكي، كانت الأسئلة تبحث في البدايات العملية، وخطوات الاختيار والمفهوم العام الذي بُنيت عليه الأعمال.

القيّم الفني ماريك ولينسكي

يرى ماريك ولينسكي في ملتقى «طويق للنحت»، «منصة للقاء والتعاون» بين الفنانين، ويستطرد رداً على سؤال حول التنسيق الفني للملتقى، قائلاً إن الفنانين المشاركين كانوا فعلياً يعيشون معاً في درة الرياض مكان الملتقى وأرض العرض، تبادلوا المعرفة والخبرات. التبادل والتعاون كان من الأمور التي أشاد بها فريق العمل في الملتقى، وأكد بعضهم أن الأعمال الناتجة استفاد ناحتوها من تلك الروح الجماعية الخلاقة.
بالنسبة للموضوع الرئيسي للملتقى «مدى الانسجام» تنوعت الطرق التي تناول بها الفنانون الموضوع، من الأسلوب الهندسي للأسلوب العضوي، وغيرهما.
من النقاط الرئيسية التي تؤكد عليها مديرة ملتقى «طويق للنحت» سارة الرويتع، هي أن الأحجار المستخدمة في الأعمال هذه الدورة كلها مستمدة من البيئة المحلية: «الأحجار مستمدة من المملكة، الجرانيت من نجران والحجر الرملي من الرياض، وهي الدورة الأولى التي نستخدم فيها أحجاراً من المملكة فقط». تشير أيضاً إلى أهم جوانب الدورة الحالية التي تتمثل في برنامج واسع من المشاركة المجتمعية والدورات: «هناك 65 فعالية تشمل ورش عمل وجلسات حوارية وزيارات تعليمية للجامعات والمدارس، نظمنا أيضاً فرصاً للطلبة الدارسين في مجال الفنون والنحت للحضور لدرة الرياض لمدة أسبوع، حيث سنحت لهم الفرصة لرؤية الفنانين وهم يعملون ومساعدتهم. كان أمراً رائعاً مشاهدة هؤلاء الطلاب يستفيدون من خبرة الفنانين المشاركين».

متابعة دقيقة من لجنة الملتقى لورش العمل (رياض آرت)

أسأل الرويتع: هل تعتقدين أن هناك اهتماماً متنامياً بالنحت في السعودية؟ وهل رأيتم إقبالاً على المشاركة؟ وتجيب:
«بالطبع، تلقينا أكثر من 600 طلب للمشاركة، وهو ضعف الرقم الذي تلقيناه العام الماضي، وأعتقد أن الناس أصبحوا على علم أكبر بالنحت الآن بالمقارنة بالسابق، وهذا هو الهدف الأساسي لنا، وهو أن ننشر الوعي بهذه الممارسة الثقافية، وأعتقد أننا بمجرد أن ننقل هذه الأعمال للمدينة سنخلق أثراً أكبر في الناس».
القطع تُعرض حالياً مجتمعة في درة الرياض، أرض الملتقى، ويمكن للجمهور رؤيتها مجتمعة قبل أن توزع على أماكن مختلفة، وتشير الرويتع إلى أنها ستنقل لساحة قصر الحكم بالرياض، ما سيمكن الجمهور العريض من رؤيتها والتفاعل معها، وخاصة أن بعضها يسمح للجمهور بالتفاعل معها، فمنها ما ضم مساحات للجلوس أو فراغات يمكن المرور من خلالها. «هدفنا هو إقامة حوار بين الأعمال ومحيطها وتوفير نقاط تواصل بين أصوات مختلفة، نريدها أن تصبح جزءاً من الجو العام، وندعو الجمهور لأن يصبح جزءاً منها أيضاً».
تبرز في هذه الدورة مشاركة النساء، وخاصة السعوديات، وتعرب الرويتع عن سعادتها بهذا قائلة: «فخورون بمشاركة الفنانات السعوديات... أذكر محادثاتي معهن، اليوم تحدثت معي فنانة من المشاركات، وقالت: أنا سعيدة بأن أبنائي وأحفادي سيرون أعمالي وسيقولون أمي أو جدتي هي من أبدعت هذا العمل».

من ورش العمل في ملتقى «طويق للنحت» (رياض آرت)

الموضوع العام للملتقى يمثل الطاقة المنبثقة من التوافق والتجانس، أو بحسب العنوان الرسمي «مدى الانسجام»، وهو المفهوم الذي طوره القيّم الفني ماريك ولينسكي. يعكس العنوان التوازن المنشود الذي يسعى له كل منا في حياته، وفكرة التواؤم والانسجام النابعة من الفهم المشترك. المعنى عميق وبسيط في آن واحد، وهنا كان دور كل فنان في تطوير عمله بحسب المفهوم. وقبل أن يُختزل عدد المتقدمين للملتقى من أكثر من 600 ليصل إلى 30 فناناً، كانت هناك مرحلة من «الغربلة» والاختيار وقعت على عاتق مجموعة من العاملين في المجال الفني، منهم الدكتورة عفت فدعق، وآلاء طرابزوني، والنحات علي الطخيس، والخبير الفني يوهانس فون توم. قام الفريق بمراجعة مقترحات من 600 متقدم من جميع أنحاء العالم، وعبر المناقشات المشتركة والتوصيات تناقص العدد ليصل إلى 30 فناناً تُركت لهم الساحة ليجسدوا «مدى الانسجام» بالحجر والجرانيت.
تفاعل الفنانون مع الموضوع، كل منهم بطريقته، معتمداً على تجارب حياتية، وأيضاً تفاعلوا مع الجو المحيط بهم في مدينة الرياض، وكان الناتج أعمالاً عابرة للحدود.
بالنسبة للدكتورة عفت فدعق التي شاركت في اختيار الفنانين المشاركين، أتجول معها لرؤية الأعمال النهائية، وأسألها عن عملية الاختيار ومعاييرها. تذكر أن المعايير التي وضعها المنسق الفني ماريك ولينسكي كانت واضحة جداً، وتعلقت بالخبرة ووضوح فكرة الملتقى في الأعمال ومناسبة المادة الخام المختارة لفكرة العمل، وغيرها. وتؤكد أن تنوع المحكمين في مجالاتهم كان مهماً في عملية الاختيار: «كل واحد من المحكمين له خبرة مختلفة، سواء من الناحية الفنية أو الناحية التكنيكية أو غيرهما». تشير إلى أن عدد المتقدمين كان ضخماً، واستغرق الأمر من اللجنة ما يقارب الشهر لتصفية العدد والوصول إلى العدد النهائي وهو 30 فناناً، وتضيف: «حرصنا على التنوع في الاختيارات، مثل ضمان وجود نسبة من السعوديين، وهي نقطة مهمة تسمح للفنانين السعوديين بالاحتكاك بالفنانين الأجانب». أسألها: هل كانت هناك مفاجآت لكِ بعد التنفيذ... شيء لم تتوقعيه؟ تجيب: «لم أرَ الأعمال أثناء تنفيذها، ولكن ما رأيته بعد ذلك في الأعمال المكتملة كان (أمراً رهيباً)».
في فريق عمل الملتقى تولى الدكتور إسلام عبادة من جامعة حلوان في مصر، مهمة الإشراف الفني والتقني، تحدث معي عن المجهودات التي بُذلت من قبل فريق كامل من المساعدين المختصين في النحت قدموا من أسوان، وهي المعروفة عالمياً بملتقى النحت الخاص بها، لمعاونة الفنانين في مهمتهم ولإنجاز الأعمال. تحدث عن المواد الخام المستخدمة والفرق ما بين الجرانيت والرخام وحجر الرياض. يشير إلى أن الجرانيت هو الأصعب في التشكيل: «هو الأصعب في مجال النحت، كان هناك فنانون محترفون، ولكن في (طويق) عملوا للمرة الأولى بالجرانيت». أسأله إن كانت هناك مهارات مطلوبة للعمل في الجرانيت، ويقول: «لمن عمل في الحجر فهو لديه المهارات المطلوبة، فقط يحتاج تقنية مختلفة؛ لأن قص الحجر والجرانيت مختلف من ناحية التقنية، ولكن الأمر لم يستغرق طويلاً من الفنانين لفهم التقنية واستخدامها... الحجر عموماً يمثل تحدياً للفنان، والجرانيت هو الأصعب». يشيد عبادة بالتعاون وروح الفريق التي سادت بين الفنانين والمساعدين: «كان فيه تعاون ومساعدة بينهم، كانت الروح حلوة».



السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بـمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بـمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت عمار العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضماناً مطلقاً للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقاً لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء. وفي هذا الإطار، لا يقدِّم العمل، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزاً تقليدياً، بل مدخلاً لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.

المسلسل، المعروض على منصة «يانغو بلاي»، من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، تدور أحداثه عبر 10 حلقات، ويشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد. وقد احتفل فريق العمل بعرض أولى الحلقات داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة.

تدور الأحداث داخل عالم قانوني معقَّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟ ومن يملك القدرة على فرض روايته؟

ملصق ترويجي للمسلسل (يانغو بلاي)

​ من خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي»، التي يجسدها عمرو يوسف، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

تتشكَّل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبنّي أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلاً من المواجهة المباشرة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول «صانع الحلول» إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة «ليلى والي»، التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.

هذا التحول يضع البطل أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار. وتصبح «ليلى»، التي عاشت زواجاً مضطرباً تغلّفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال «يوسف عدلي ثابت» (سامي الشيخ)، محوراً لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.

ويطرح المسلسل توازياً حاداً بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظّم؛ إذ يبرز «الديب» (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيداً من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه «خالد» عن بُعد، مجسداً سلطة خفية تحمي دون أن تظهر.

فريق العمل خلال الاحتفال ببدء العرض (يانغو بلاي)

وقال آدم عبد الغفار، مؤلف العمل ومخرجه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه سعى منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات، مشيراً إلى أن مرحلة الكتابة، بشقيها التحضيري والفعلي، استغرقت ما بين 3 إلى 4 سنوات من التطوير.

وأوضح أنه يفضِّل العمل بوصفه مخرجاً يكتب نصوصه بنفسه، لما يوفره ذلك من تماسك في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك. ومع ذلك، أكد أنه لا يمانع إخراج أعمال من كتابة آخرين، إذا وجد فيها ما يُثير اهتمامه على المستوى الفني.

وعن بناء شخصية «الفرنساوي»، أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركّبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقاً نفسياً ودرامياً لافتاً. وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيداً عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عن اختياره للفنان عمرو يوسف، موضحاً أنه كان حاضراً في ذهنه منذ المراحل الأولى للكتابة، حتى قبل طرح اسمه رسمياً، وهو ما ساعده على بلورة ملامح الشخصية بدقة أكبر، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع الداخلي، بما يتماشى مع طبيعة العمل.

وفيما يتعلق بالجانب البصري، أشار إلى أن فريق العمل تنقَّل بين 83 موقع تصوير، سعياً لخلق بيئة بصرية متنوعة تعكس ثراء العالم الدرامي وتعزز الإحساس بالواقعية. وأكَّد أن هذا التعدد لم يكن بهدف الاستعراض، بل جاء في خدمة السرد، لتقديم صورة متكاملة تواكب الطرح الدرامي، وتمنح العمل خصوصيته على مستويي الشكل والمضمون.


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».