الحكاية الخلفية لفيلم إيناريتو الجديد بطولة ديكابريو

ثلوج وتصوير صعب وارتفاع ميزانية.. لكن كل شيء على ما يرام

المخرج إيناريتو (يسار الصورة) مع مدير تصويره والممثل ليوناردو ديكابريو خلال التصوير، ليوناردو ديكابريو في لقطة من الفيلم
المخرج إيناريتو (يسار الصورة) مع مدير تصويره والممثل ليوناردو ديكابريو خلال التصوير، ليوناردو ديكابريو في لقطة من الفيلم
TT

الحكاية الخلفية لفيلم إيناريتو الجديد بطولة ديكابريو

المخرج إيناريتو (يسار الصورة) مع مدير تصويره والممثل ليوناردو ديكابريو خلال التصوير، ليوناردو ديكابريو في لقطة من الفيلم
المخرج إيناريتو (يسار الصورة) مع مدير تصويره والممثل ليوناردو ديكابريو خلال التصوير، ليوناردو ديكابريو في لقطة من الفيلم

القارئ مدعو لتحضير نفسه لملاقاة فيلم جديد للمخرج أليخاندرو غوزانليز إيناريتو في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل. فيلم كان من المفترض أن يعرض قبل ذلك التاريخ. أن ينتهي تصويره في شهر مارس (آذار) الماضي. أن يتم تجهيزه بميزانية 95 مليون دولار، لكنها ارتفعت حتى الآن إلى 135 مليونًا. فيلم عنوانه «المنبعث» The Revenant من بطولة ليوناردو ديكابريو وتوم هاردي، ومن تلك الأعمال التي تدخل من باب التنفيذ العريض والمكلف لتجد نفسها في محيط من المشكلات التي تعيق العمل وتفرض عليه شروطًا جديدة غير متوقعة.

* الحق على كندا هذه المرّة.. أو على الطبيعة.
لم تثلج فوق الربوع الكندية الشمالية أو الشرقية كما جرت العادة ما يكفي لتصوير هذا الفيلم هناك، فتم تغيير موقع التصوير إلى أقصى وأقسى موقع أرجنتيني ممكن العثور عليه. هناك حيث لا يعيش أحد قرر المخرج الذي فاز فيلمه السابق «بيردمان: أو الفضيلة غير المتوقعة للجهل» بـ210 جوائز من مختلف الأحجام والتقديرات، بينها أربعة أوسكارات، لجانب 181 ترشيحًا لم ينجم عن جوائز، تصوير فيلمه الجديد «المنبعث». كان يعلم، كما يقول، إن التصوير سوف لن يكون رحلة استجمام، لكنه اكتشف أيضًا أنه أصعب مما كان يتخيّله.

* بيئة قاسية
طبعًا الأحداث لا علاقة لها لا بكندا ولا بالأرجنتين. الرواية التي وضعها الكاتب الشاب مايكل بونك سنة 2002 بالعنوان نفسه تدور أحداثها سنة 1823 في براري أربع ولايات أميركية هي وايومينغ ومونتانا ونبراسكا وداكوتا. بطلها تاجر فراء اسمه هيو غلاس. رجل يكابد خداع الإنسان ووحشة البراري وقسوة الطقس وهجوم الدببة. في الواقع، تبدأ الرواية (وربما الفيلم) بهيو وهو يقع تحت براثن دب هائج يتركه بالكاد على قيد الحياة. رجلان يكتشفان وجوده بين الحياة والموت. لكن عندما يهاجم المواطنون الأصليون (الهنود الحمر) الثلاثة، يسرقان منه السلاح والمؤونة ويتركانه لمصير مجهول. ليس على هيو أن يبقى حيّا مدافعًا عن حياته وسط تلك الظروف الصعبة فقط، بل عليه أيضًا أن ينتقم من الذين تركاه ليواجه مصيرًا مظلمًا.
قام إيناريتو بمشاركة مارك ل. سميث (أشهر أعماله القليلة فيلمي رعب هما «خلو» و«الثقب») بوضع السيناريو الأول سنة 2010 وتم تجهيز الفيلم للتصوير في الخامس عشر من شهر أبريل (نيسان) العام الماضي، وبوشر تصويره في الشهر اللاحق مايو (أيار)، ثم توقف واستؤنف في اليوم الأخير من شهر يونيو (حزيران). ثم توقف مرّة أخرى واستؤنف في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.
لم يكن الطقس وحده السبب الوحيد وراء تأخر التصوير. من بعد أن جاب فريق التصوير (بقيادة مديره إيمانويل لوبيزكي الذي صوّر لإيناريتو فيلمه السابق) مناطق مثل ألبرتا وكانمور وبريتيش كولومبيا بحثًا عن الثلج والطقس القاسي، تم القرار بالتوجه إلى أقصى الجنوب الأطلسي (منطقة أوشيوايا وجوارها) حيث الحياة ما زالت مستقرّة غالبًا كما كانت عليه قبل مئات السنين. لحاف من الثلج السميك والقرى المتباعدة والجبال الشاهقة المكللة باللون الأبيض من القمّة إلى وديانها. هناك هز إيناريتو رأسه وقرر أن يكمل التصوير.

* لكن المشكلات لم تنته هناك بل بدأت فيه
المكان ليس سهل الوصول والعمل اليومي فيه شاق للغاية. والمخرج نفسه ليس السينمائي الذي يصوّر ما لا يرضى عنه مائة في المائة. هذا يعني إعادة التصوير مرارًا. يعني صرف ساعات على إعادة تشكيل وتصميم المشهد كما يعني تأخر التصوير وارتفاع الميزانية. إيناريتو يعترف بأن الميزانية ارتفعت لكنه يؤكد، في حديث لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر» أنه كثير التدقيق بالمسائل المادية وأنه «مهووس» بالالتزام بتنفيذ الميزانيات. لكن في هذه المرّة المسائل أعقد مما توقعه.
عدد من الفنيين المشاركين في العمل اكتفى بالشكوى: إيناريتو صعب المراس خلال العمل. عنيد في طلب الأشياء كما يريد هو. آخرون اشتكوا واستقالوا أو طردوا. لم يكترثوا لمواصلة العمل في تلك الظروف المناخية والنفسية الصعبة.
الممثلان الرئيسيان في الفيلم، ديكابريو وهاردي، لم يشتكيا. يدركان قيمة الفيلم ويعلمان أن الممثل هو جندي بتصرّف الأمر، الذي هو المخرج. لكن توم هاردي كان عليه التخلّي عن بطولة فيلم كان ينوي الاشتراك ببطولته هو «فريق الانتحار» الذي يتم تصويره الآن مع سكوت إيستوود وبن أفلك وول سميث وجارد ليتو (مكان هاردي).

* المنتج ممنوع من مكان التصوير
فنيًا، يعمد إيناريتو تصوير الفيلم حسب تسلسل كتابته وأحداثه (قليلون جدًّا يفعلون ذلك). هذا يعني أنه سيعود للموقع ذاته لاحقًا وهذا بدوره يعني أيام تصوير أكثر. مدير التصوير لوبيزكي يحب التصوير بالإضاءة الطبيعية، وهذا يعني أن هناك فسحة محدودة كل يوم تسمح له بالتصوير. لا قبلها ولا بعدها، مما يعني - أيضًا - أن التصوير سيأخذ وقتا مضاعفًا. عمليًا، إذا تم تصوير جزء من المشهد في الساعة الثالثة بعد الظهر، فإن لدى فريق التصوير (ممثلين وفنيين) ساعتين على الأكثر لإنجاز ما يمكن من التصوير. بعد ذلك الوقت ستتغيّر الإضاءة، مما يعني أن على كل هؤلاء العودة للمكان ذاته في اليوم التالي للبدء باستكمال المشهد في الساعة الثالثة بعد الظهر أيضًا.
إيناريتو بدوره لا يحب الإضاءة غير الطبيعية (ولو أنه عمد إليها اضطرارًا في «بيردمان»). لكن هنا يدرك أن القبض على روح التجربة التي خاضها بطل الفيلم (والقصّة يقال إنها وقعت حقيقة) يعني عدم استخدام إضاءة صناعية.
كذلك يعني ألا يتم إنجاز مشاهد باستخدام تقنيات الكومبيو - غرافيكس. يقول: «لو صوّرنا المشاهد على الشاشة الخضراء (نظام استديو يتيح التصوير على الخلفية المطلوبة من دون الانتقال إليها) مع فناجين القهوة وأسباب الراحة والجميع سعداء، فإن النتيجة ستكون غالبًا سيئة»، ويذكّر: «الفيلم هو عن البقاء حيّا ومشاركة العاملين في تحقيق الفيلم في ظروفه الواقعية تمنح العمل الكثير من الحسنات التي لا يمكن تحقيقها في أي موقع آخر».
ليس أن إيناريتو لم يكن جاهزًا لمثل هذه التحديات. فريق الأمن الشخصي والإسعافات كان حاضرًا في مكان التصوير كل يوم ومساعد المخرج كان من بين المشتركين في اجتماعات يومية تعقد للبحث فقط في السلامة الفردية للمشتركين قبل التصوير. كذلك يلاحظ أن الكثير من المشكلات نتجت عن عدم معرفة المنتج جيم شكوتشادوبل بتفاصيل مثل هذا العمل في الأماكن الصعبة، مما جعله غير قادر على معالجتها. هذا بدوره أدّى، حسب بعض الروايات، إلى قرار المخرج بمنعه من حضور التصوير.
شركات التمويل لم تتذمّر. معظمها أدرك أن الفيلم ليس عملاً سهل التنفيذ، ومدراؤها يعلمون أيضًا أن المخرج إيناريتو لديه رؤية فنيّة تستدعي الانضباط وراءها والإيمان بها. وفي حين أن فوكس هي الشركة الملتزمة بالتوزيع والإنفاق المباشر، إلا أن الميزانية موزّعة بينها وبين شركات أخرى، من بينها شركة إماراتية اسمها «إمباير» تدير أعمالها في أبوظبي.
من ناحية أخرى، عرفت هوليوود الكثير من مثل هذه المشكلات الناتجة عن كبر المهام وصعوبة المواقع والطقوس الطبيعية. يقفز فيلم فرنسيس فورد كوبولا «سفر الرؤيا الآن» إلى البال كنموذج تأخر العمل عليه لأكثر من سنة. يليه «بوابة الجنة» لمايكل شيمينو الذي كان يأمر بهدم ديكور بلدة على جانبي الشارع لتوسيعه عوض هدم ديكور جانب واحد. لكن الغالب أن «المنبعث» سوف لن يتحوّل إلى كارثة. هناك ستّة أشهر كافية لضبط النتيجة بعدما انتهى التصوير وعاد الجميع إلى هوليوود لمواصلة العمل أو للراحة. «التريلر» الترويجي بات متوفرًا ونظرة عليه تشي بأن الفيلم سيكون واحدًا من تلك الأعمال الرائعة التي ستنجح جماهيريًا وتدخل سباق الأوسكار معًا.



أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.


شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

«خروج آمن»

★★★★

• إخراج: محمد حمّاد

• النوع: دراما اجتماعية | مصر

معالجة إنسانية لشخصيات تبحث عن خلاص

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة. في فيلمه الأول «أخضر يابس» نجد بطلته امرأة يفوتها قطار الحياة بسرعة، ذلك الذي تستخدمه في المواصلات بطيئاً لكنه مستديم. مشكلتها أنها باتت وحيدة، حتى وإن كانت تعيش مع شقيقتها التي تتوق للزواج ولا تشعر بآلام شقيقتها الكبرى. يتجلّى عن ذلك الوضع سرد قاتم وإنساني للحالة التي يستعرضها الفيلم.

هذا يتكرّر في «خروج آمن» (ثاني فيلم روائي طويل للمخرج حمّاد منذ «أخضر يابس» قبل 10 سنوات). بطله سمعان محاط بظروف قاهرة: شاب لا مستقبل منظوراً ومتوقَّعاً له. يعمل رجل أمن في عمارة يستغلّه بعض مَن فيها لتأمين حاجاته اليومية. هناك إرهابي شاب يكنّ له العداء رغم أنّ سمعان يتستَّر عليه حين يدهم الأمن المكان بحثاً عنه. ثم هناك حقيقة أنه مسيحي يشعر بالدونية وسط محيطه، ويحمل في باله وجع خسارة أبيه (عندما قتل ليبيون والده لأنه قبطي).

المقابل النسائي هنا يأتي على شكل شابة معتلّة صحياً لكنها معدومة القدرة، لا على المعالجة الصحية فحسب، بل على تلك النفسية، في مجتمع لا أحد يرى أحداً آخر فيه. سمعان وفاطمة، كلٌّ من دين مختلف، لكن المخرج لن يذهب وراء قصة حبّ بل قصة تفاهم.

يستخدم حمّاد حنكته بوصفه مخرجاً ومؤلّفاً ليضع كلّ هذه الشخصيات وسواها في أماكن صحيحة. لا بطولات ولا إنجازات ولا حتى انتصارات. الخروج الآمن الوحيد بالنسبة إلى سمعان هو ارتكاب جريمة يرتاح فيها من الشعور بالخوف والخشية ممن قتله، وبالتالي، من وضعه المتعثّر. إنه خروج آمن (أو هكذا يقرّر) من عالم مقيَّد إلى آخر أفضل.

«خروج آمن» مصوَّر بدراية تربط بين الوضع الماثل والتأطير المناسب لكل مشهد. لا تنازل عن جعل الصورة ملازمة للحالة التي يعكسها المشهد. فيعكس حمّاد النظرة الإنسانية التي يشعر بها حيال شخصياته التي تشترك في المعاناة الماثلة مع توليف صحيح لا يفلت من بين يديه.

STRANGER

★★ 1-2

• إخراج: مادس هاديغارد

• النوع: تاريخ | الدنمارك

فيلم طموح عن الحياة قبل 4000 سنة

وفق كتاب للمؤرّخ كريس كريستنس «صعود عصر المجتمع البرونزي» الصادر عام 2023، فإن ملابس الشعوب الإسكندنافية سنة 2000 قبل الميلاد كانت عبارة عن رداء يشمل القامة من الكتفين لما بعد الركبتين. ما نراه في الفيلم العائدة أحداثه إلى 4000 سنة قبل الميلاد، فإن الملابس كانت شبيهة، باستثناء أنها كانت قصيرة للنساء وطويلة للرجال.

«غريبة»... الهجرة التي لم تنقطع يوماً (موتور برودكشن)

هل يمكن أن تكون ملابس شخصيات الفيلم على هذا النحو قبل 6000 سنة من اليوم؟ ماذا عن الذقون المحلوقة جيداً؟ ثم ماذا عن القول إنّ بعض الإسكندنافيين اكتشفوا بذور القمح والزراعة في ذلك الحين؟

لا أرغب الخوض في هذا الشأن إلا من باب التمنّي لو أنّ المخرج قدَّم المرحلة الزمنية نحو 2000 سنة إلى الأمام، لأنّ هناك تفاصيل كثيرة تحتاج إلى التدقيق. يستدعي «غريبة» الإعجاب في بعض نواحيه. من بينها حياكته قصة جديدة على هيئة موضوع يدور حول قبيلتين تنتمي بطلة الفيلم آثي (أنجيلا بوندالوفيتش) إلى إحداهما، التي وصلت إلى بقعة جديدة من الغابات الإسكندنافية (لا تبدو لي صالحة للزرع ولكن...) للاستقرار فيها. لكن القبيلة الأخرى هاجمتها وقتلت معظم أفرادها. الناجيان الوحيدان هما آثي وشقيقها ثاران (بنجامين شريفزاده) اللذان يقعان في قبضة القبيلة ويتحمّلان سوء معاملتها. لا تستمر الأحداث بمثل هذا التصاعد، بل تتحوّل إلى متابعة لا تغادر مكانها. يخفق الفيلم في إثارة اهتمام أوسع أو في إثراء حكايته لتصبح ضرورية. هو من ساعتين، ولو كان أقل ومنح مشاهديه الرغبة في التواصل مع مشكلته، لحقَّق نجاحاً أعلى. لكن ثمة ما يمكن إضافته إلى إيجابياته القليلة، وهو أنه منذ البداية يومئ بربط ما يدور حول الهجرة من موقع لآخر مع الهجرة التي لم تنقطع يوماً وتنتشر في زمننا الحاضر حول العالم بأسره.

WAR MACHINE

آلة حرب

★★ 1-2

• إخراج: باتريك هيوز

• النوع: أكشن/ خيال علمي | الولايات المتحدة

لا يفل الحديد إلا الحديد

ليس في الحبكة هنا ما هو جديد بالفعل. سبق للأرض أن دافعت عن نفسها ضدّ غزاة من الفضاء (بأشكالهم المتعدّدة) منذ الأربعينات. كذلك يذكّر الفيلم بالجزء الأول من سلسلة «المفترس» (إخراج جون مكتيرنان، 1987) باستثناء أنّ الشخصيات الموزَّعة في ذلك الفيلم تحت قيادة أرنولد شوارتزنيغر كانت أكثر صلابة.

«آلة حرب»... الحديد بالحديد (نتفليكس)

في جميع الأحوال، يعتمد الفيلم الجديد على نخبة من الجيش الأميركي يعهد إليها التحقُّق مما يحدث، وذلك بعد مدّة طويلة من التدريبات لاختيار الأكثر صلابة وقوة بين المجندين. الرقم 81 (آلان ريتشسون) يبزّ جميع الآخرين، وينطلق لمجابهة هذا الغزو الغريب. معظم أفراد فرقته يُباد، والوحش الآلي يبدو أقوى بكثير ولا سبيل لدحره. لكن لا يفني الحديد سوى الحديد، كما نرى عند نهاياته.

يوظّف المخرج وفريقه مناطق التصوير (نيوزيلندا وأستراليا) جيداً، ويفيد ذلك في مزج الأماكن الطبيعية في لُحمة المخاطر التي لا تتوقَّف (نهر جارف، جبال وعرة، وديان سحيقة...). مجموع ما تولّده الحبكة بعد نحو نصف ساعة من بداية الفيلم، وأماكن تصويرها، بالإضافة إلى مواجهة آلة الروبوت المسلّحة التي لا يمكن قهرها، نافع بوصفه تسلية وترفيهاً.

الممثل الأول ريتشسون لا يحلّ تماماً مكان شوارتزنيغر وجاذبيته، لكنه قابل للتصديق في مشاهد الخطر. المخرج الذي سبق وحقق «المرتزقة 3» يفهم مهنته ويؤمن تنفيذ مشاهد رائعة وتواصلاً في سرد جيد. كلّ ذلك لن يرفع الفيلم إلى أكثر من المستوى المعهود لأفلام تلتزم بالحركة وتتخلَّى عن عمق شخصياتها ومدلولاتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.