أكد الدكتور عبد الواحد النبوي، وزير الثقافة المصري، أن وزارة الثقافة تملك أهم سلاح لمواجهة الإرهاب، وهو الفن والثقافة، لما لهما من تأثير كبير على الفكر والوجدان، مضيفا في حوار مع «الشرق الأوسط»، أنه «يجب أن يتكاتف الجميع لمواجهة الإرهاب والتطرف بكل السبل وبشكل فاعل وقوي في جميع أنحاء مصر»، وأوضح أن الثقافة تشكل الآلة المحركة للتغيير في المجتمع المصري، باعتبارها المسؤولة عن نقل الأفكار والثقافات، وتغيير السلوك لصالح المشروع الوطني المصري، وإفراز قيادات شابة وواعية قادرة على محاربة الأفكار المتطرفة وإحداث النهضة في المجتمع».
وأكد النبوي أنه تم الاتفاق مع وزارة الأوقاف على تزويد الدعاة والأئمة بمجموعة من مطبوعات وزارة الثقافة، فضلا عن تواجد قوي للمثقفين داخل المراكز الثقافية بالمساجد الكبرى لمحاربة الأفكار المتشددة، لافتا إلى أن تجديد الخطاب الديني أصبح يشكل ضرورة الآن ليصل صوت المثقفين وأفكارهم لربوع مصر وبقاع العالم العربي والإسلامي.. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار:
* مصر في حالة حرب مع الإرهاب.. كيف نقضي على التطرف الذي يضرب ربوع البلاد برأيك؟
- مواجهة الإرهاب لن تقوم على الشقين العسكري والأمني فقط؛ بل على وقف الإمدادات (المال والسلاح) للجماعات المتطرفة، ويجب التكاتف لمواجهة الإرهاب والتطرف بكل السبل، فلا سبيل أمامنا إلا التعاون بشكل فاعل وقوي في جميع أنحاء مصر لمكافحة الإرهاب بأفكاره الهدامة، للارتقاء بجودة التعليم والنشء ونشر الفكر الوسطي المعتدل الذي يتبناه الأزهر، بما يعزز قيم التسامح والتعايش مع الآخر.
* وماذا عن الخطوات التي اتبعتها وزارة الثقافة للمساهمة في محاربة الفكر المتطرف؟
- قامت الوزارة بتكثيف الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية بالمواقع التابعة لها في مختلف محافظات مصر لمواجهة الإرهاب، وأكدت ضرورة قيام كل هيئات وقطاعات الوزارة بدورها في المواجهة الفكرية والثقافية والفنية لقوى الظلام الأسود، فوزارة الثقافة تملك أهم سلاح لمواجهة الإرهاب وهو الفن والثقافة، لما لهما من تأثير على الفكر والوجدان في كل المجتمعات، فضلا عن وضع خطة لتأمين وحماية المنشآت الثقافية، وتعميم منظومة تركيب كاميرات المراقبة واستكمال المنظومة الأمنية لكافة المنشآت، التي تشمل أجهزة الكشف بالأشعة وكاميرات المراقبة المزودة بنظام الرؤية الليلية.
* تعد الثقافة إحدى القوى الناعمة لمصر.. فكيف نستغل ذلك في محاربة الأفكار المتطرفة في نظرك؟
- الثقافة هي القوة الضاربة وخط الدفاع الأول في نهضة وتطور المجتمع، ودفع عجلته نحو الرقي في شتى المجالات العلمية والفكرية والأدبية، وأهم العوامل الأساسية للتنمية البشرية، ويمكننا استعادتها كقوة ناعمة لمصر بتقديم أنشطة ثقافية، وتوجيه أفكار الأفراد والشعوب نحو الإبداع والتميز لصقل المواهب الفردية، وتنميتها بما يضفي على الفرد والمجتمع الكثير من المفاهيم المستحدثة كالرخاء الفكري والحضارة الإنسانية، وإبراز مكامن قوى المجتمع ودفعه نحو الإصلاح والتميز.
* وكيف تساهم الوزارة في تشجيع الشباب على الابتكار وعدم الانسياق وراء الأفكار الهدامة؟
- الثقافة توسيع للإدراك، ولو تم تكوين الشباب تكوينا ثقافيا ودينيا سليما فستنهض بلدنا بقوة، فالمكون الديني جزء من الثقافة العامة، التي يجب الاهتمام بها ونشرها في مختلف المحافظات.. الثقافة تعد الآلة المحركة للتغيير في المجتمع المصري، وهي المسؤولة عن نقل الأفكار والثقافات وتغيير العادات والسلوك في المجتمع، وتسخير طاقاته لصالح المشروع الوطني المصري، ومن ثم فإن تنوع الأنشطة الثقافية ينتظر إفراز قيادات شابة في كل إقليم بربوع مصر، ووجود طبقة مثقفة وواعية قادرة على محاربة الأفكار المتطرفة، وإحداث النهضة في المجتمع عبر مشاريع وطنية، وذلك بتضافر الجهود لإخراج أطر ومثقفين ومبدعين، قادرين على إضافة قوة كبيرة للدولة المصرية، تتمثل في إقامة مسابقات متعددة وقوية، لاكتشاف المواهب الشابة من المبدعين الصغار وتمتد لكافة أنحاء الجمهورية.
* أعلنت وزارة الثقافة عن مشاريع جديدة لمواجهة الأفكار المتطرفة.. حدثنا عنها؟
- بالفعل تم الاتفاق مع وزارة الأوقاف (المسؤولة عن المساجد) على سبعة مشاريع لمواجهة الأفكار المتطرفة ونشر الثقافة والتنوير، تتضمن تزويد الدعاة والأئمة بمجموعة من مطبوعات وزارة الثقافة، وتزويد مشروع المليون قارئ بمطبوعات الأوقاف، وإطلاق نشاط مشترك في إقامة الفعاليات الثقافية بجميع أنحاء مصر، وذلك بالاشتراك بين الدعاة والمثقفين، وإطلاق مسابقة كبرى في القراءة، موضوعها قناة السويس بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما سيكون هناك تواجد قوي للمثقفين داخل المراكز الثقافية الموجودة في المساجد الكبرى، قصد المشاركة في نشر الفكر والتنوير والثقافة، ومحاربة الأفكار المتشددة.
* هل يعني ذلك تحويل المساجد الكبرى إلى مدارس ثقافية ضد الفكر المتشدد؟
- بالفعل.. فوزارة الأوقاف أكدت أنها بصدد تحويل المساجد الكبرى إلى مدارس علمية وثقافية وفكرية لمحاربة الفكر المتشدد، كما كانت في العصور الماضية، حيث كانت تقدم العلوم الدنيوية إلى جانب العلوم الدينية، وبالتالي سنعمل على تقديم ندوات الثقافة داخل المساجد الكبرى.
* قمت أثناء توليك دار الوثائق المصرية بتنفيذ أكبر مشروع لرقمنة الوثائق. كيف تم ذلك؟ وهل يتم تطبيقه في الوزارة الآن؟
- الخوف على وثائقنا القومية جعلني أحلم بحفظ الوثائق، وبالفعل تحقق هذا المشروع بعد جهود وخطوات كبيرة، واستطعت ضم ما يقرب من 870 ألف وثيقة من الجهات المختلفة، وتم إدخال ما يقرب من مائة ألف بيان لملفات ووثائق المشروع الرقمي إلكترونيا، ما جعلنا نطمئن على الوثائق التي حاول البعض تهريبها، وتمت السيطرة عليها، وكان أبرز عملية لتهريب الوثائق قد تزامن مع تصريحات أطلقها عصام العريان (القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المحبوس حاليا) حول حقوق اليهود في مصر، وقد اجتمعت مع قيادات وزارة الثقافة وطلبت خطة لتطوير الإدارة داخل كل قطاع، ووضع برنامج لميكنة أدوات العمل الثقافي إلكترونيا، ونحن نسير بخطى ثابتة لتحقيق الهدف في كافة قطاعات ومؤسسات الوزارة، طبقا لجدول زمني وخطة عمل محكمة.
* دعا الرئيس المصري أكثر من مرة إلى تجديد الخطاب الديني والدعوي لمواجهة الأفكار المتطرفة.. ما رأيك في ذلك؟
- تجديد الخطاب الديني ضرورة، وهذا دورنا جميعا، فنحن في مرحلة بناء وطن يحتاج إلى تكاتف الجميع، ليصل صوت المثقفين وأفكارهم إلى كل ربوع مصر وبقاع العالم العربي والإسلامي، ونحن لدينا خطة واضحة المعالم في مجال الثقافة لتحقيق ذلك، باعتبار أن الثقافة هي القوة الناعمة.. فالتحديات كبيرة وضخمة، والتجديد يتحقق عبر الاهتمام بقصور الثقافة لكونها تلعب دورا للمحافظة على الدولة المصرية إلى جانب المؤسسات الدينية.
* باسم الإبداع وحرية التعبير وصل الحال إلى حد الإسفاف في الفضائيات والأفلام والأعمال الدرامية.. كيف تقيم ذلك؟
- بالفعل.. فقد وصل الوضع الآن إلى حد بث برامج ومواد تلفزيونية تحرف أخلاقيات المجتمعات، ولا أشد فتنة من تلك التي تغزو المشاهدين في عقر دارهم بدعوى الفن والإبداع، رغم أن الإبداع الحقيقي من ذلك براء.. فهذه الوسائل الفضائية تؤثر على النشء بسلوكيات مشينة، وأصبحت للأسف المعلمة والغارسة لكثير من القيم المخالفة لصحيح عاداتنا؛ بل صارت مصدر المعرفة والتلقي في ظل غياب الدور المؤثر للتعليم في مواجهتها.
* البعض شن هجوما ضاريا خلال الفترة الماضية ضد السنة النبوية كأحاديث البخاري، مما يصب في مصلحة المتشددين؛ وصار يخرج من رحم هذا الفكر المنحرف فكر آخر دموي باسم الدفاع عن الدين.. ما رأيك؟
- شعرت في الفترة الماضية بوجود خطة ممنهجة تدبر ضد الإمام البخاري وصحيحه، وذلك من خلال التشكيك في الأحاديث التي رواها، وهو ما جعلني أشعر بأنهم يهدفون من وراء ذلك الطعن في السنة النبوية، والهجوم على ثوابت الدين بهدف غرس أشياء بعيدة عن صحيح الدين في عقول الأجيال الصاعدة.
* ما زال البعض يتهم مناهج الأزهر بأنها تحرض على الإرهاب رغم أنها نفس المناهج التي أخرجت رواد الفكر.. ما تفسيرك لذلك باعتبارك أزهريا؟
- الهجوم على الأزهر يؤكد أهمية دوره، فهو أكبر مؤسسة إسلامية سنية في العالم تمتلك المرجعية الوسطية لصحيح الدين، وهو منفتح على كافة المذاهب الإسلامية، وعلماؤه رواد الفكر والثقافة والتجديد، كالإمام محمد عبده، رائد الإصلاح والشيخ رفاعة الطهطاوي، وغيرهما من رواد التنوير من علماء الأزهر قديمًا وحديثا.. وقد تم خلال أقل من 3 سنوات اختيار أزهريين لوزارة الثقافة.. وهي أهم وزارة لتشكيل الوعي العام.. وهذا يدل على قيمة مؤسسة الأزهر وقامتها المحترمة والعميقة ونظامها التعليمي، وأنها زاخرة بالكوادر الجيدة القادرة على تولي مناصب هامة من شأنها النهوض بالمجتمع.
وزير الثقافة المصري: نسعى لتحويل المساجد إلى مدارس فكرية تواجه التطرف
قال لـ «الشرق الأوسط» إن تجديد الخطاب الديني أصبح ضرورة لإفراز قيادات شابة تحارب التشدد
وزير الثقافة المصري د. عبد الواحد النبوي («الشرق الأوسط»)
وزير الثقافة المصري: نسعى لتحويل المساجد إلى مدارس فكرية تواجه التطرف
وزير الثقافة المصري د. عبد الواحد النبوي («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



