كيف نقرأ التاريخ ونفهم الحدث الحالي؟!

لا ينبغي اختزاله في الحدث السياسي فخلفه محددات أهم تصوغ السياسة وتوجهها

فرناند بروديل
فرناند بروديل
TT

كيف نقرأ التاريخ ونفهم الحدث الحالي؟!

فرناند بروديل
فرناند بروديل

في سياق تجاوز نقدي للمدرستين الوضعية والماركسية، أسس مارك بلوك Marc Bloch ولوسيان فيفر Lucien Febvre في أواخر العشرينات من القرن الماضي في فرنسا، مجلة «حوليات التاريخ والاقتصاد والاجتماع»، التي تحولت إلى مدرسة خاصة لها رؤيتها إلى التاريخ وطرائق اشتغال المؤرخ، سميت بمدرسة الحوليات.
ومن المميزات المنهجية لرؤية هذه المدرسة، أنها أولت اهتماما خاصا بدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية في مسار زمني طويل. لاعتقادها أن معنى الأحداث التاريخية الرئيسة لا يمكن أن تفهم في لحظتها الآنية، بل لا بد من التعمق في ماضيها، وفق مقطع زمني طويل يدرس بعناية وعمق.
ثم تطورت نحو بحث التاريخ من زاوية حضارية، بالتركيز على التمثلات الثقافية والاجتماعية.
ويعد فرناند بروديل Fernand Braudel، وجاك لوكوف Jacques Le Goff، وفيليب أرييس Philippe Ariès، من أهم رموز هذا التيار الذي أعاد تأسيس المنهج التاريخي في منتصف القرن العشرين.
وعندما نذكر فترة أواخر عشرينات القرن العشرين كلحظة تأسيس فإننا نذكر بالتالي، شرطا مجتمعيا مشتركا بين مختلف البلدان الغربية، وهو اشتداد الأزمة التي سميت بـ«الأزمة الاقتصادية العالمية»، مما كان مناسبة لتعميق الاهتمام بالجانب الاقتصادي عند دراسة التاريخ.
وقد انتقد رواد مدرسة الحوليات المدرسة الوضعية وأخذوا عليها ما يلي:
- اقتصار اهتمامها على الوثائق المكتوبة وإهمالها للآثار والوثائق غير المكتوبة.
- تركيزها على الحدث السياسي والعسكري، وإغفالها للأبعاد المجتمعية الأخرى وخصوصا البعد الاقتصادي والثقافي.
- افتقارها إلى القدرة التأويلية التأليفية.
وبديلا لهذا المنظور المنهجي الذي ساد زمن شيوع المدرسة الوضعية، أولت مدرسة الحوليات اهتماما بالغا بالتاريخ الاقتصادي، وأنماط التنظيم الاجتماعي، والتمثلات الثقافية، بالإضافة إلى ما يسمى بالتاريخ الوقائعي، مع رفضها لهيمنة العامل السياسي.
من هنا نفهم لماذا طالبت مدرسة الحوليات بتنويع المداخل المنهجية للمؤرخ وتعددها، في سياق ما يسمى بتساند مناهج العلوم الإنسانية، وتوكيدها على أهمية العمل بمنهجية الفريق البحثي؛ لتأسيس ما سماه فيفر بـ«التاريخ الكلي».
ولبيان الملامح النظرية لهذه المدرسة في مستواها الإجرائي، أقدم في هذه المقالة، تحليلا لمنهج الحوليات في دراسة التاريخ، كما طبقه فرنان بروديل (1902 - 1985) أحد أهم مؤسسي الحوليات.
يعد فرنان بروديل من ذلك الصنف النادر من الكتاب، الذين يستهجنون الكتابة العجولة، ويفنون العقود من أعمارهم في سبيل البحث والتوثيق، وجمع المادة العلمية ليكتب ويؤلف. إنه يختلف عن ذلك النوع من الكتاب ممن يتظاهر بالتعالم والإحاطة المعرفية، بينما يكتب ما يريد في بضع صفحات، ويحدد خلاصاته ونتائجه، ويصوغ أحكامه النهائية، ثم يذهب ليستجمع بضع أقوال ونصوص، يوزعها بين سطور مقاله أو بحثه، حتى يظهر وكأنه قد استوفى موضوعه بحثا واطلاعا، وأسس أحكامه على سابق معرفة واستقصاء واطلاع.
بروديل كان يحب أن يصف نفسه قائلا: «أنا مؤرخ من أصل فلاحي»! وهو وصف يعكس لنا بعضا من شخصيته. إذ من طبع الفلاح الصبر وعدم استعجال الثمار والنتائج، والتمهيد لها بجهد وحرث واعتناء. وكذلك كان نهج بروديل في قراءة التاريخ ودراسته. فكتابه «البحر المتوسط والعالم المتوسط في عصر فيليب الثاني»، جاء حصيلة جهد واستقصاء فريد. فقد عكف بروديل على جمع المادة التاريخية، حتى وصل إلى تسجيل عشرة آلاف «بطاقة»، أودعها معطيات ونصوصا وأقوالا وملاحظات حول موضوع بحثه. لكن قيام الحرب العالمية الثانية، ومشاركته فيها، أديا به إلى الوقوع في الأسر. وداخل معسكر الاعتقال الألماني، وجد بروديل نفسه تجاه موضوعه الذي شغل عقله ووجدانه، لكنه كان مجردا من تلك التلال من البطاقات التي استنفد جهدا جبارا في تهيئتها! وأمام هذا التحدي، أخذ يكتب من الذاكرة طيلة سنوات الاعتقال الأربع (1940 - 1944). وجاء كتابه في ألف ومائتي صفحة، يكشف عن ذاكرة قوية، وعن عقل متوقد. وصار يعد اليوم، أحد أهم الكتب التاريخية على الإطلاق.
وبمجرد ظهور الكتاب سنة 1949، صار حديث المنتديات العلمية في فرنسا وخارجها أيضا. وأصبح اسم فرنان بروديل، الذي كان نكرة قبل ذلك، علما تتناقله الألسن، ومرجعا في تاريخ البحر المتوسط لا يمكن تجاهله.
نهج بروديل
إذا كان توماس كارلايل يعتبر الكائن الإنساني صانع التاريخ، فإن بروديل يرى عكس ذلك، يرى أن التاريخ يصنع الإنسان. وقد يرجع تأثير هذا الاستبعاد لدور الإنسان، إلى تأثر بروديل بالفكر الماركسي. ولكن الحق يقال: إن تأثره هذا لم يسقطه في فجاجة المنهج الماركسي الذي يختزل أسباب الظاهرة التاريخية في أدوات الإنتاج الاقتصادي. كما أن استبعاد بروديل للدور الإنساني، ليس استبعادا مطلقا، إنما القصد الحقيقي منه هو تجاوز تلك القراءات التاريخية التي تختصر تفسير حوادث التاريخ وإيقاعات تطوره، وعوامل تحولاته، بالعبقرية والبطولة، مستبعدة عوامل أخرى كثيرة، ومتناسية أن الأبطال والعباقرة هم، بمعنى ما، كائنات تشكلت داخل سياق ثقافي ومجتمعي لا ينبغي إغفاله.
يسعى بروديل إلى تجاوز ذلك النهج الشائع في بحث التاريخ، الذي يركز على الأمراء والأبطال والشخوص، وينادي، بدلا من ذلك، بضرورة استحضار العوامل المجتمعية في تعددها وتنوعها. يقول بروديل: «نحن ضد ذلك القول الأرعن: الرجال يصنعون التاريخ. لا، إن التاريخ هو أيضا يصنع الرجال».
لكن من الواضح أن استحضار المؤرخ لكل هذه العوامل، يتطلب ثقافة واسعة، وأدوات منهجية، ومعطيات معرفية من حقول معرفية متعددة: جغرافيا، جيولوجيا، أنثروبولوجيا، سيسيولوجيا، ولغات وغيرها. كل هذا لتتحقق للمؤرخ إمكانية «الرؤية الكلية» للظاهرة وللحدث التاريخي التي هي المطلب الأساسي في «فلسفة» بروديل ومنهجه في التاريخ.
يقوم منهج بروديل على أولوية التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على العكس من المناهج التقليدية التي احتل فيها التاريخ السياسي أولوية مطلقة. فلا تكاد تعرف عن تاريخ الإنسانية في كتب التاريخ التقليدية، إلا تاريخ الأمراء وقادة العساكر. وفي هذا السياق، ينبه بروديل إلى أنه «لا ينبغي أن نظن أن الممثلين الذين يثيرون أكبر ضجة هم الأكثر أهمية وأصالة».
وهذا ما لا يظنه ولا يعتقده أحد عندما يتفرج على عرض مسرحي، فهو لا يحدد قيمة الشخوص المسرحية، بمقدار الضجيج الذي تثيره. لكن هذا الاعتقاد سائد في قراءة مسرح التاريخ. ولهذا يدعو بروديل إلى تجاوز الأحداث السياسية التي من طبيعتها، أنها كثيرة الضجيج، وهو يدعونا، بدلا من ذلك، إلى الإنصات إلى تاريخ خافض الصوت أو شبه صامت، ولكنه على قدر كبير من الأهمية، أي التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وعلى الرغم من أن ما كان لمدرسة الحوليات من حظوة خلال القرن العشرين، لم يعد لها اليوم، إلا ثمة درس منهجي مهما يمكن أن يستفاد منها، وهو أن الحدث التاريخي لا ينبغي اختزاله في الحدث السياسي، بل خلف هذا الحدث الظاهر ثمة محددات أهم هي التي تصوغ السياسة وتوجهها، أعني بها المحدد الثقافي والشروط الاقتصادية والاجتماعية. ولعل هذا اللحاظ المنهجي لا يصلح فقط لقراءة التاريخ المتواري في القدم، بل يصلح أيضا لفهم الحدث الحالي في الحاضر أيضا.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

 

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

 

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية