ما تأثير سعي روسيا لاستخدام ميناء «مصوع» اللوجيستي الإريتري؟

مراقبون عدّوه فرصة محتملة لتعزيز نفوذ موسكو في البحر الأحمر

لقاء الرئيس الإريتري ووزير الخارجية الروسي (وزارة الإعلام الإريترية)
لقاء الرئيس الإريتري ووزير الخارجية الروسي (وزارة الإعلام الإريترية)
TT

ما تأثير سعي روسيا لاستخدام ميناء «مصوع» اللوجيستي الإريتري؟

لقاء الرئيس الإريتري ووزير الخارجية الروسي (وزارة الإعلام الإريترية)
لقاء الرئيس الإريتري ووزير الخارجية الروسي (وزارة الإعلام الإريترية)

سعت روسيا إلى تعزيز حضورها في القارة الأفريقية عبر جولة، هي الثانية خلال 6 أشهر، لوزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي قال خلال زيارته لإريتريا أمس (الخميس)، إن البلدين «يخططان لدرس إمكان استخدام الإمكانات اللوجستية لميناء مصوع، والترانزيت عبر مطار المدينة».
وبينما خلا بيان وزارة الخارجية الإريترية المنشور عبر موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، واطلعت عليه «الشرق الأوسط»، من إشارة واضحة بشأن منح روسيا امتيازات تتعلق باستخدام إمكانات الميناء الإريتري، رجح مراقبون أن تسعى موسكو إلى «إيجاد دور أكبر لها خلال الفترة المقبلة في إريتريا، التي يمكن أن تكون (موضع قدم استراتيجي) لها ومنطلقاً لحضور أكبر في منطقة شرق أفريقيا، وفي مدخل البحر الأحمر».
وأعلن لافروف في مؤتمر صحافي عقب محادثاته مع نظيره الإريتري عثمان صالح، أن «من بين الخطط الواعدة التي ستتم دراستها بالتفصيل، أذكر إمكانية استخدام الإمكانات اللوجستية لميناء مصوع، وكذلك لمطار هذه المدينة الذي يثير الاهتمام بإمكانياته في مجال الترانزيت. الجانب الإريتري مهتم بهذا الموضوع، ونحن مستعدون للمساعدة».
والتقى لافروف (الخميس) الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، في اجتماع مغلق ركّز، حسبما أعلن وزير الإعلام الإريتري، يماني جبر مسقل، في وقت متأخر من مساء (الخميس) عبر حسابه على «تويتر»، «على ديناميات الحرب في أوكرانيا وتعزيز العلاقات الثنائية في قطاعات الطاقة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والصحة».

استقبال لافروف في إريتريا (حساب وزارة الخارجية الروسية - «تويتر»)

وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإريتريا عام 1993 بعد استقلالها عن إثيوبيا، إلا أن لافروف هو أول وزير خارجية روسي يزور الدولة الواقعة في القرن الأفريقي.
وعدّ إبراهيم إدريس، الباحث المختص في الشؤون الأفريقية، زيارة لافروف لأفريقيا «استكمالاً لحراك دبلوماسي لافت تشهده القارة الأفريقية»، إذ تأتي الزيارة بالتزامن مع جولة تقوم بها وزيرة الخزانة الأميركية، وفي أعقاب زيارة لوزير الخارجية الصيني، وهو ما يكشف حجم الاهتمام الدولي بالقارة.
ولفت إدريس في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن اختيار وزير الخارجية الروسي الدول التي شملتها زيارته «لم يأتِ عشوائياً»، فقد ضمت إلى جانب إريتريا كلاً من أنغولا وجنوب أفريقيا، وجميعها دول «ساندت الموقف الروسي في الأمم المتحدة، وفي المجتمع الدولي بشكل عام»، وكانت إريتريا من الدول الأفريقية القليلة التي صوّتت ضد قرار الأمم المتحدة إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي.
وتابع أن إريتريا «تتمتع بموقع استراتيجي في شرق أفريقيا، وتحظى باهتمام من جانب القوى الدولية منذ الحربين العالميتين». مضيفاً أن «ما تم من اتفاقات للتعاون بين إريتريا وروسيا، في مجالات الطاقة والتكنولوجيا الرقمية والتعدين والزراعة والصحة والتعليم، يعكس وجود آفاق متسعة للتعاون».
وشكك إدريس فيما يتردد بشأن منح إريتريا لروسيا معاملة خاصة في استخدام موانئها البحرية، لافتاً إلى أن إريتريا «تسعى الآن بعد انتهاء الحرب في إقليم تيغراي، وتعزيز علاقاتها مع إثيوبيا إلى تطوير ميناءيها البحريين القائمين حالياً، وإنشاء ميناء ثالث، بما يدعم انفتاحها على حركة الملاحة الدولية، وبما يوطد مكانتها الاستراتيجية في المنطقة، ويحفظ أيضاً استقلاليتها الوطنية».
وتستعد روسيا خلال العام الحالي لاستضافة القمة الروسية - الأفريقية الثانية، وحسب بيان لمؤسسة «روس كونغرس» المسؤولة عن تنظيم المؤتمرات في روسيا، فإنه من المتوقع أن تُعقد القمة من 26 إلى 29 يوليو (تموز) المقبل.
وكانت روسيا قد استضافت أول قمة روسية - أفريقية في سوتشي عام 2019، وترأسها آنذاك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي.
وحسب تأكيدات وزير الخارجية الروسي، فإن موسكو «دعت جميع الدول الأفريقية للمشاركة في القمة»، عكس قرار الولايات المتحدة الامتناع عن دعوة بعض الدول التي شهدت «انقلابات عسكرية» إلى قمة «الولايات المتحدة - أفريقيا» التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

خريطة لانتشار مبيعات الأسلحة الروسية والصينية في أفريقيا (مؤسسة راند للأبحاث)

وأعلنت واشنطن، في أغسطس (آب) الماضي، إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوبي الصحراء، بحيث تعتزم «مواجهة الوجود الروسي والصيني، وتطوير أساليب غير عسكرية ضد الإرهاب».
وتلفت تقديراتٌ لمراقبين إلى «تزايد النفوذ الروسي في أفريقيا عامة، ومنطقة الساحل والصحراء وغربي أفريقيا خاصة»، بينما تفيد إحصائيات لمراكز بحثية بأنه «خلال العقدين الماضيين، لعبت روسيا دوراً بارزاً في أفريقيا، حيث قامت بإبرام اتفاقيات في مجال الطاقة النووية وتصدير الأسلحة لتصبح روسيا في الوقت الحالي أكبر مصدر للأسلحة إلى القارة الأفريقية».
وحسب تقرير حديث لمؤسسة «راند» (وهي منظمة بحثية مستقلة وغير ربحية تأسست في الولايات المتحدة عام 1948)، فإن «ما يقرب من نصف واردات أفريقيا من المعدات العسكرية (49 في المائة) تأتي من روسيا، وتشمل هذه الأسلحة الكبيرة (دبابات القتال والسفن الحربية والطائرات المقاتلة والمروحيات القتالية)، والأسلحة الصغيرة (المسدسات والبنادق الهجومية مثل بندقية كلاشنيكوف الجديدة AK - 200)».
وأوضح التقرير الذي رصد مبيعات الأسلحة الصينية والروسية إلى أفريقيا، ونُشر في ديسمبر الماضي، أن قائمة أكبر مشتري الأسلحة من روسيا في أفريقيا هم: الجزائر وأنغولا وبوركينا فاسو وبُتسوانا ومصر وإثيوبيا وغانا وليبيا والمغرب وموزمبيق وناميبيا ورواندا والسودان وجنوب أفريقيا وأوغندا وزيمبابوي.
ولفت التقرير إلى أن صادرات الأسلحة العسكرية والمتعاقدين العسكريين والأمنيين الخاصين، خصوصاً من شركة «فاغنر» الروسية، «تعد أدوات مهمة لإبراز نفوذ روسيا في أفريقيا»، وحلل باحثو مؤسسة «راند» البلدان الأفريقية التي تلقت الأسلحة وخدمات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة من الصين وروسيا خلال الفترة بين 2018 و2021، وهو ما أظهر أن كلا البلدين «كان يصدر النفوذ الدفاعي والأمني على نطاق واسع عبر القارة».
في السياق ذاته، أشار التقرير السنوي الصادر عن معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) لعام 2020 أن الصادرات العسكرية الروسية لأفريقيا مثّلت 18 في المائة من إجمالي صادرات روسيا من الأسلحة في الفترة ما بين عامي 2016 و2020.

خريطة انتشار مبيعات الأسلحة الروسية خلال العام الماضي في أفريقيا (مؤسسة راند للأبحاث)

وأوضح تقرير المعهد لعام 2022 أنه رغم تراجع صادرات الأسلحة الروسية للعالم بنسبة 26 في المائة خلال العام الماضي، فإن ذلك التراجع لم يشمل أفريقيا، بل يرجع إلى تقلص صادرات الأسلحة الروسية للهند وفيتنام.

لكن ماذا عن الجانب التجاري؟
حسب بيانات رسمية روسية، ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا بنسبة تجاوزت 34 في المائة خلال 2022.
وأشار الدكتور رامي زهدي، الباحث في الشؤون الأفريقية، إلى أن روسيا «تسعى إلى تأمين مزيد من مناطق النفوذ والحضور على المستوى الدولي»، لا سيما مع اتساع نطاق المواجهة مع الغرب، وعدم اقتصارها على الحرب في أوكرانيا.
وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مساعي روسيا لاستغلال إمكانات ميناء مصوع الإريتري «تمثل استمراراً لنهج روسي واضح بتوسيع وجودها في الكثير من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية».
وتابع: «المسعى الروسي في حالة إتمامه سيسمح للروس بتعزيز حضورهم في منطقة شرق أفريقيا ومدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهي منطقة بالغة الأهمية لحركة التجارة العالمية، وقريبة من شرايين اقتصادية حيوية في العالم، مثل منطقة الخليج وقناة السويس، فضلاً عن وجود الكثير من القواعد العسكرية في المنطقة، خصوصاً القواعد الأميركية والتركية، فضلاً عن قواعد تابعة لدول غربية في جيبوتي».
ولفت الباحث في الشؤون الأفريقية إلى أن «روسيا أعلنت عن إجراء مناورات عسكرية بالتعاون مع الصين وجنوب أفريقيا، كما أنها باتت تتمتع بتأثير ملموس في منطقة غرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء، رغم ما يثيره هذا التمدد من مخاوف أميركية، لكن من الواضح أن موسكو عازمة على مواصلة استراتيجيتها، وهي تكتسب كل يوم أرضاً جديدة في أفريقيا وتستفيد من تقلص نفوذ القوى الغربية التقليدية في المنطقة».


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.