من ديالى إلى البصرة.. حكومة العبادي على «صفيح ساخن»

سوء الخدمات يزاحم الأمن في تعقيد مهمتها

عراقيون غاضبون خلال مظاهرة جرت مؤخرا في البصرة طالبوا فيها باستقالة المحافظ (أ.ف.ب)
عراقيون غاضبون خلال مظاهرة جرت مؤخرا في البصرة طالبوا فيها باستقالة المحافظ (أ.ف.ب)
TT

من ديالى إلى البصرة.. حكومة العبادي على «صفيح ساخن»

عراقيون غاضبون خلال مظاهرة جرت مؤخرا في البصرة طالبوا فيها باستقالة المحافظ (أ.ف.ب)
عراقيون غاضبون خلال مظاهرة جرت مؤخرا في البصرة طالبوا فيها باستقالة المحافظ (أ.ف.ب)

تقترب الحكومة العراقية الحالية التي شكلها حيدر العبادي بعد الإطاحة بسلفه نوري المالكي من إتمام سنتها الأولى. ففي التاسع من سبتمبر (أيلول) عام 2014 نالت حكومة التوافق السياسي التي يترأسها القيادي في حزب الدعوة الحائز على الدكتوراه في هندسة الكهرباء، حيدر العبادي، ثقة البرلمان.
وبخلاف المالكي الذي تولى السلطة لدورتين كانت خزينة الدولة ممتلئة بالأموال بسبب الارتفاع الحاد في أسعار النفط بالإضافة إلى تحديات إرهابية أقل، فإن العبادي اصطدم منذ الأيام الأولى لحكومته باستمرار تمدد تنظيم داعش في عدد من المحافظات العراقية بدءا من الموصل التي احتلها في أواخر أيام حكومة المالكي. كما اصطدم بأولى تداعيات أزمة الانخفاض الحاد في أسعار النفط إلى الحد الذي مر فيه عام 2014 دون أن يتمكن البرلمان من المصادقة على الموازنة المالية.
ما خفف عن العبادي هو التأييد واسع النطاق الذي حظي به داخليا وإقليميا ودوليا بالإضافة إلى الطريق الذي بدا سالكا، بخلاف المالكي، بينه وبين الأكراد (التوقيع على الاتفاق النفطي بين بغداد وأربيل قبل المشكلات التي بدت تعصف به الآن) والعرب السنة (التوقيع على وثيقة الاتفاق السياسي التي تتضمن مجموعة من المطالب التي تعهد بتحقيقها في إطار سقوف زمنية بدأت تزحف على ما تبقى من زمن لإقرارها). وبينما يحاول العبادي، بخلاف المالكي، شخصنة الأمور مع شركائه وهو ما يجعله على علاقة طيبة مع الجميع حتى مع وجود المشكلات أو عدم تنفيذ الوعود، والتخفيف من حدة الأزمات التي تمر بها البلاد فإن ما حصل مؤخرا في محافظة البصرة في أقصى الجنوب العراقي من مظاهرات ومصادمات أدت إلى مقتل أحد المتظاهرين تحت ذريعة النقص في تجهيز الكهرباء، وما تلاه من عنف وتوتر في محافظة ديالى الملاصقة للعاصمة بغداد على خلفية تفجير خان بني سعد وما بات يرافقه الآن من توتر أمني وسياسي مرشح لمزيد من التفاقم وإذا ما استمر التوتر النفطي مع كردستان، فإن الشهرين المقبلين اللذين يكملان سنة من عمر حكومة العبادي مرشحان لتطورات خطيرة في حال لم تتمكن الكتل السياسية من اتخاذ إجراءات لخفض منسوب التوتر السياسي في البصرة والطائفي في ديالى والقومي مع كردستان.
القياديون في كل من محافظتي البصرة وديالى اللتين يفصل بينهما أكثر من 600 كلم يدعون إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمعالجة ما تمر به المحافظتان من مشكلات يمكن أن تكون لها تداعيات على العراق كله. وطالبت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي الرئاسات الثلاث بعقد اجتماع طارئ ومقاضاة الجناة المتسببين في تفجير خان بني سعد. وقالت اللجنة في بيان إن «حق الإنسان العراقي في خطر دائم وانتهاك مستمر».
وبينما تسعى جهات سياسية في البصرة تنتمي إلى البيت الشيعي الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء إلى وضع العصي في دولاب حكومته بهدف إفشاله من خلال أكبر محافظة شيعية فإن تفجير خان بني سعد الذي تبناه تنظيم داعش فجر اتهامات متبادلة بين القيادات الشيعية والسنية هناك بين دعم الميليشيات الشيعية، مثلما يرى القياديون السنة في إطار اتهاماتهم للقيادات الشيعية سواء في المحافظة أو بغداد، أو دعم الإرهاب مثلما يرى القياديون الشيعة في إطار اتهاماتهم للقيادات السنية سواء في ديالى أو بغداد.
من جهته، يرى عضو البرلمان العراقي عن محافظة البصرة والقيادي في كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي سليم شوقي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «منطقة شمال البصرة تعاني منذ فترة طويلة من قلة التجهيز بالطاقة الكهربائية والسبب يعود إلى مشروع وزاري متلكئ منذ ثلاث سنوات»، مشيرا إلى أن «إنتاج البصرة للكهرباء موجود لكن المشكلة في الخط الناقل وخصوصا خط البصرة - القرنة فهو خط متهالك ومنذ ثلاث سنوات ولغاية الآن لم يكتمل والسبب يعود للتعاقد مع شركات غير رصينة». وأوضح سليم أن «هناك أقوالا وأحاديث تفيد بأن هذا المشروع، أي إنجاز الخط الناقل مسيس، مما أثار حفيظة الأهالي وخرجوا في مظاهرات، علما بأننا داعمون لها ولكن هناك أشخاصا يحاولون تسييسها ويخلطون الأوراق من أجل إثارة الفتن وأثناء المظاهرة تم حرق مؤسسات الدولة والاعتداء على الجهات الأمنية وقتل أحد المتظاهرين الأبرياء نتيجة هذه الأعمال».
وبخصوص الوضع الأمني الحالي في البصرة قال شوقي إن «الوضع الآن تحت السيطرة والسيد محافظ البصرة اتصل برئيس الوزراء وأرسل الأخير نائبه لشؤون الطاقة بهاء الأعرجي الذي وعد المتظاهرين بأن هذا الخط سينجز خلال عشرة أيام وحاليا هناك وجود مكثف لكوادر الكهرباء وعلى رأسهم اثنان من وكلاء الوزارة لغرض إكمال الخط».
أما ديالى وطبقا لما يراه الشيخ ماجد الخيزران، شيخ عشائر العزة وهي كبرى العشائر في المحافظة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، فإن «المشكلة التي تعانيها المحافظة هي الخلافات السياسية التي لم تتمكن الحكومة من إيجاد حلول صحيحة لها لا سيما في الجانب الأمني الذي هو مفتاح الاستقرار». وأضاف أن «الإرهاب يستهدف جميع العراقيين من كل المذاهب والأديان ولكن ما يعيشه السنة في ديالى أمر في غاية الخطورة إذ إننا مستهدفون من (داعش) ومن الميليشيات المسلحة التي تحمل السلاح خارج القانون بينما نحن لا نملك ما ندافع به عن أنفسنا وهو ما جعلنا ضحية للطرفين معا».
إلى ذلك، دعا نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي الحكومة إلى القصاص من منفذي تفجير خان بني سعد، كما دعا الحكومة إلى استيعاب ردود الأفعال غير المسيطر عليها الناجمة عن «الجريمة». وقال بيان للمكتب الإعلامي لنائب رئيس الجمهورية وتلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه إن «النجيفي أكد منذ البدء أن التفجير الإجرامي الذي قام به تنظيم داعش الإرهابي ضد المواطنين الأبرياء في خان بني سعد يستهدف اللحمة الوطنية ويستهدف تقويض السلم الأهلي عبر فعل غارق في السقوط والبعد عن الأخلاق والدين».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».