الاتفاق النووي يؤجج الصراع على السلطة في طهران.. ويضع القوى الغربية أمام معضلة

خلافات حول أي النسختين من «قائمة الأمنيات» تعتمد.. الفارسية التي تعتبرها «نصرًا عظيمًا» أم الإنجليزية

الرئيس الإيراني حسن روحاني في طهران أمس لدى استقباله وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال (أ.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني في طهران أمس لدى استقباله وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال (أ.ب)
TT

الاتفاق النووي يؤجج الصراع على السلطة في طهران.. ويضع القوى الغربية أمام معضلة

الرئيس الإيراني حسن روحاني في طهران أمس لدى استقباله وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال (أ.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني في طهران أمس لدى استقباله وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال (أ.ب)

من السابق لأوانه معرفة كيفية تطبيق أو حتى ما إذا كانت الصفقة التي تم الإعلان عنها بشأن برنامج إيران النووي، ستطبق بالشكل الذي أعلن عنه. فالصفقة عبارة عن قائمة بأمنيات الجانبين، إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا بقيادة الولايات المتحدة.
قائمة الأمنيات التي صيغت من 159 صفحة ستصبح قابلة للتطبيق بعد اتخاذ عدة خطوات أغلبها متعرجة. فبعد مصادقة مجلس الأمن الدولي عليها، أمس، فإنها تنتظر مصادقة الكونغرس الأميركي. وقد يستغرق التطبيق الكامل للاتفاقية 15 سنة، سيصبح الرئيس باراك أوباما بعدها مجرد ذكرى. والبيت الأبيض منهمك بالفعل في مساومات شديدة مع أعضاء بمجلس الشيوخ لضمان أصواتهم مقابل التشديد على بعض البنود المغلظة ضد إيران في الاتفاقية.
من جانبها، رفضت إيران حتى الآن نشر نسخة رسمية من قائمة الأمنيات باللغة الفارسية، ووصفت وزارة خارجيتها حتى الترجمة الفارسية لملحق الاتفاقية الحالي بـ«غير الرسمي». وليس من الواضح أي النصين سيشكل المرجعية لاتخاذ القرار بالنسبة للمرشد الأعلى على خامنئي الذي رفض حتى الآن اعتماد أو حتى رفض الصفقة، رغم أنه قد وجه الشكر للفريق المفاوض الإيراني على «جهده الشجاع». وقد درس خامنئي اللغة الإنجليزية لأكثر من 20 عامًا وقد يستطيع التعامل مع النص الإنجليزي، بيد أنه سيحتاج إلى النص الفارسي للفهم الصحيح للمصطلحات الفنية المستخدمة والتغلب على تعقيدات اللغة القانونية.
وليس من المعتاد لأي دولة الشروع في تغيير سياسة ما من دون فهم المعاني المتضمنة باللغة الأم لتلك الدولة. وفى حال عرض الصفقة على مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني)، يبرز التساؤل عن اللغة التي ستعرض بها. على أي حال اللغة الرسمية للدبلوماسية في إيران هي الفرنسية، وليست الإنجليزية، فالارتباك بسبب اللغة لا يتوقف هنا.
والنصوص المختصرة التي نشرتها إيران باللغة الفارسية صممت كلها كي توحي للقارئ أن إيران قد أحرزت نصرًا دبلوماسيًا عظيمًا، وأنها قد مرغت أنف الولايات المتحدة الأميركية في التراب، وحتى صحيفة «كيهان» التي تعكس وجهة نظر خامنئي، استخدمت نفس اللغة، ولذا فالنسخة الفارسية مشكوك في صحتها، إن لم تكن معادية بشكل صريح «للفتح المبين» للرئيس حسن روحاني.
بيد أنه في النسخة العربية تحتفي الصحيفة بـ«إذلالها للشيطان الأكبر» ولإجبارها القوى العظمى على الاعتراف بالجمهورية الإسلامية كقائد للمنطقة. ويتساءل رضا تابيش، عضو المجلس الإسلامي (البرلمان): «هل يعنى ذلك، من وجهة نظر الملالي أن العرب لا يستحقون أن يعرفوا الحقيقة؟».
لا شك أن «الصفقة» المعلنة قد هبطت بطبقة الخميني الحاكمة ومن خلفها بالمجتمع ككل. فعلى الرغم من الفشل في ترتيب «احتفال تلقائي» بالصفقة، فإن غالبية الإيرانيين يؤيدون صفقة تمهد لرفع الحظر. فقد تعب الإيرانيون من نظرة العالم الخارجي لهم كمتعصبين وإرهابيين. وعليه، فهم يرحبون بأي صفقة من شأنها المساعدة في استعادة الاحترام الذي فقدوه بعدما تقلد الملالي مقاليد الحكم في البلاد. ويتمنى البعض كذلك لو أن تطبيعًا في العلاقات مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة، يؤدي إلى بداية للسلام بين الغرب وإيران.
وفي هذا السياق، يقول الناشط في مجال حقوق الإنسان عازار أحمد: «عندما يدخل الجمل برأسه فسوف يتبعه بقية الجسم بكل تأكيد». ويضيف: «نرحب بأي تحرك في سبيل دعم التواصل مع الدول التي تحترم حقوق الإنسان أكثر مما تحترم الأماكن كما تفعل كوريا الشمالية، وسوريا، وزيمبابوي».
على أي حال، فإن الصفقة المعلنة قد بدأت فصلاً جديدًا من الحرب الآيديولوجية التي مزقت الحركة الخمينية لأكثر من عقد من الزمان. ويتمثل العنصر الأول في الصدع الجديد في الاختلاف حول ما جرى الاتفاق عليه.
من جهته، تساءل حميد راسائي، عضو البرلمان الإيراني: «ألا ينبغي أن يتم إخبار الإيرانيين بلغتهم ما الذي تقرر نيابة عنهم؟».
الواضح أن جذور التشاحن الآيديولوجي بين الفرق المتشاحنة أعمق من ذلك، ذلك أن البعض يرغب في أن تغلق طهران فصل الثورة وتعيد تنظيم نفسها كدولة قومية طبيعية في عالم من الدول القومية. ومن بين هؤلاء عالم الاجتماع هرمز مسعودي، الذي قال: «لا يمكن أن نغفل أن هذه بلاد حقيقية بها شعب حقيقي يرغب في حياة حقيقية. كل الدول التي مرت بثورات انتهى بها الحال يومًا بإغلاق فصل الثورة، والبدء من جديد في العيش كعضو عادي في المجتمع الدولي».
وعبر صادق زيبا كلام، مستشار الرئيس روحاني، عن الفكرة ذاتها بأسلوب مختلف، إذ قال: «لم يوكلنا أحد بمهمة تصدير الثورة ومحاربة إسرائيل وأميركا. يجب أن تكون مهمتنا الأولى التعامل مع احتياجات شعبنا وحل مشكلاته».
إلا أن مثل هذه الآراء تثير سخط أنصار «الثورة الدائمة» الذين يتوجسون من أي محاولة للتطبيع، خوفًا من أن تنهي وجود الدولة الآيديولوجية. ومن بين هؤلاء حجة الإسلام محمد مهدي فاطيميبور، الذي صرح بأن: «هناك من يحاولون الإبقاء على مصطلح الجمهورية الإسلامية، لكن، خاويًا من محتواه، والرئيس روحاني يتحرك في هذا الاتجاه الذي يبعد تمامًا عن روح الإيمان، ويعد بمثابة حلم أميركي». بل وبلغ الأمر حد اتهام فاطيميبور روحاني بـ«تزييف الخطاب الأساسي للإسلام منذ بعثة النبي حتى اختفاء الإمام الخفي وعودته. إنه يحتفل بإبرام هدنة مع إبليس».
وبالنسبة للمعنيين بالفكر الآيديولوجي للجمهورية، فإن أي تطبيع مع العالم الخارجي يرقى لمستوى خيانة الثورة.
وفي هذا الصدد، تساءل صادق فارامارضي، رئيس اتحاد الطلاب المسلمين في طهران: «لماذا يحتفلون؟ على المرء أن يحتفل بانتصارات المقاومة وليس انسحابها، حتى وإن كان مجرد انسحاب تكتيكي». ويدرك من يتابعون المشهد السياسي الإيراني خطوط الصدع داخل نظام منقسم على نفسه ما بين الرغبة في التمسك بالمثالية العسكرية تجاه جميع القضايا وضرورة التسوية التي يفرضها الواقع.
والملاحظ أن أنصار التطبيع موجودون بالمستويات كافة، خاصة داخل جهاز الخدمة المدنية والحقل الأكاديمي ومجتمع الأعمال. وفي هذا الصدد، أعرب فرهاد درويش، رجل أعمال، عن اعتقاده بأن: «إيران السوق الأخيرة غير المستغلة في العالم. ويعد الانفتاح على العالم الخارجي أمرًا طيبًا ليس لشعبنا فحسب، وإنما للاقتصاد العالمي بأسره».
وتجد وجهة النظر هذه أصداءً قوية لها حتى داخل الدائرة الصغيرة لصانعي السياسات الاقتصادية المحيطة بالرئيس روحاني الذين حصل كثيرون منهم على درجة الدكتوراه من جامعات أميركية وتأثروا بشدة بفكر اقتصادات السوق.
أما وجهة نظر النخبة العسكرية، فلا يزال يكتنفها الغموض. يذكر أن بعض الجنرالات أصدروا تصريحات داعمة للشعارات التقليدية الخاصة بمحو إسرائيل من على الخريطة وتدمير الولايات المتحدة وخلق قوة مسلمة عالمية كبرى بزعامة إيران. مع ذلك، فإن المؤسسة العسكرية بأكملها تشارك بقوة في شبكات الأعمال، وستستفيد بصورة هائلة حال إقرار استراتيجية التطبيع بالفعل.
ومن بين العناصر الأخرى التي تغري المؤسسة العسكرية باتجاه التطبيع، إمكانية الحصول على الأسلحة المتطورة أميركية الصنع. وتعود الزيادة الأخيرة في الموازنة العسكرية، نحو 23 في المائة، في جزء منها إلى حسابات ترى أن إيران ستتقدم بطلبات شراء ضخمة لأسلحة خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتكمن المفارقة في أن فكرة التطبيع تحظى على ما يبدو بشعبية أيضًا في أوساط رجال الدين الذين حرصت غالبيتهم على إبقاء مسافة بينهم وبين النظام. ويخشى كثيرون منهم من احتمال أن ينتهي الحال بالآيديولوجية الراهنة بتحريض الإيرانيين ضد الدين ذاته.
وقال روحاني في خطاب ألقاه مؤخرًا: «لا يمكنك أن ترسل الناس إلى الجنة بالقوة، وليس من مهام الحكومة إجبار الناس على الالتزام بواجباتهم الدينية». من جهته، عبر آية الله حسن أقاميري عن الفكرة ذاتها، لكن على نحو مختلف؛ حيث قال: «إن الإسلام الغاضب صاحب الوجه العبوس ينفر الناس. إن المجتمع المسلم الحقيقي يشدد على السلام والتسامح والتفاهم».
في المقابل، فإن معارضي رجال الدين يرون أن أصوات «الاعتدال» المتعالية حاليًا تشير إلى عملية إعادة تمترس تكتيكية فحسب. ومن بين هؤلاء مسعود هونارماندي، رجل أعمال، الذي قال: «الملالي يخشون ما هو قادم، لذا يحاولون المراهنة بحذر، بحيث إذا استمر النظام فإنهم سيحتفظون بذلك بامتيازاتهم. أما إذا سقط، فإنهم سيزعمون أنهم سبق وحذروا من التجاوزات».
وبحلول مارس (آذار) المقبل، ستقف وجهتا النظر المرتبطتين بمستقبل إيران أمام اختبار حقيقي يتمثل في إجراء انتخابات البرلمان وأخرى لمجلس الخبراء الذي يختار «المرشد الأعلى». وقد وعد فصيل رافسنجاني قوى غربية بأنه سيفوز في الاثنين حال تنفيذ اتفاق نووي يبث الروح في الاقتصاد الإيراني المتداعي. ومع ذلك، فإن الكثير يعتمد على من يسيطر على العملية الانتخابية.
يذكر أن خامنئي وفريقه لا يزالون يملكون سلطة استخدام حق الفيتو ضد أي مرشحين محتملين، وبعد الانتخابات إلغاء أي نتائج لا تروق لهم. كما أن سيطرتهم على المؤسسة العسكرية والجهاز الأمني تمكنهم من «ترتيب» النتائج المرغوبة.
مع ذلك، فإن أنصار التطبيع في موقف أقوى عن أي وقت مضى منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، حيث يسيطرون على جزء كبير من الجهاز الحكومي وكذلك من الموازنة الوطنية، بجانب شبكة من مصالح الأعمال التي قد تمنحهم ميزة على كثير من الأصعدة.
ورغم أن التكهن بمستقبل إيران مهمة بالغة الخطورة، فإن أمرًا واحدًا يبقى في حكم المؤكد، سواء جرى تنفيذ الاتفاق النووي المعلن بالفعل أم لا، فإن الصراع على السلطة داخل طهران سيزداد حدة وصولاً إلى المواجهة في الربيع المقبل.
هذا الوضع يطرح على القوى الأجنبية المهتمة بإيران معضلة: هل ينبغي أن تعاون أنصار التطبيع على توسيع دائرة نفوذهم في طهران أم تنتظر نتيجة المعارك الانتخابية في الربيع المقبل؟



ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».