برلين لواشنطن: قدموا «أبرامز» لأوكرانيا فنرسل إليها «ليوبارد»

وزير الدفاع الألماني الجديد يلتقي نظيره الأميركي بعد ساعة من تأديته اليمين لمناقشة الموضوع

وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس مع نظيره الأميركي لويد أوستن في برلين أمس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس مع نظيره الأميركي لويد أوستن في برلين أمس (إ.ب.أ)
TT

برلين لواشنطن: قدموا «أبرامز» لأوكرانيا فنرسل إليها «ليوبارد»

وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس مع نظيره الأميركي لويد أوستن في برلين أمس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس مع نظيره الأميركي لويد أوستن في برلين أمس (إ.ب.أ)

فيما تتزايد الضغوط على ألمانيا لتزويد أوكرانيا بدبابات «ليوبارد» الألمانية الصنع، بدأ وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس مهمته على عجل. والتقى بيستوريوس في برلين وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بعد ساعة على أدائه القسم وتسلمه مهامه رسميا، ليناقش الرجلان تسليح أوكرانيا عشية مؤتمر أصدقاء دعم أوكرانيا الذي يرأسه أوستن في قاعدة رامشتاين الأميركية غرب ألمانيا.
ويطارد بيستوريوس منذ اليوم الأول لتسلمه مهامه خلفا لكريستينا لامبريشت التي استقالت مطلع الأسبوع، بخصوص قرار تسليم أوكرانيا دبابات «ليوبارد» التي ترفض برلين حتى الآن تسليمها. وأبلغ المستشار الألماني أولاف شولتس أعضاء حكومته قبل يومين، بأنه أوضح للرئيس الأميركي جو بايدن الذي تحدث إليه عبر الهاتف، أن ألمانيا لن تزود أوكرانيا بالدبابات الألمانية الصنع إذا لم تزودها الولايات المتحدة بدبابات «أبرامز» الأميركية الصنع.
ولمح بيستوريوس إلى هذا الموقف في لقائه مع أوستن، وقال إن برلين «تقف كتفا إلى كتف» مع واشنطن فيما يتعلق بدعم كييف. وتفادى الرجلان ذكر مسألة الجدل حول الدبابات، ولكنهما أكدا أن النقاش سيركز على استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا ونوع الأسلحة والمعدات التي تحتاجها، في إشارة إلى إمكانية الاتفاق على مسألة الدبابات.
ورغم رفض واشنطن تسليم دباباتها لأوكرانيا، فهي تحث ألمانيا على تسليم دبابات ليوبارد. وقال مسؤول أميركي في البنتاغون إن أوستن سيحث نظيره الألماني على اتخاذ الخطوة. وقال إنه «متفائل بأنه سيكون هناك تقدم في هذه النقطة» سريعا. والتقى أوستن في برلين أيضا رئيس المستشارية فولفغانغ شميت، المسؤول عن ملف تسليح أوكرانيا. وحتى الآن، كان شولتس هو الذي يتخذ قرارات تسليح أوكرانيا وليس وزارة الدفاع. وكانت وزيرة الدفاع لامبريشيت التي استقالت، تسمح للمستشار باتخاذ كل القرارات المتعلقة بتسليح أوكرانيا.
وبدأ رفض ألمانيا تزويد أوكرانيا بالدبابات التي تطالب بها أو السماح للدول التي اشترتها منها بتمريرها إلى أوكرانيا، بإثارة غضب حلفائها، حيث انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ألمانيا من دون تسميتها، وقال في كلمة أمام مؤتمر دافوس، إن التحجج بأن دولا أخرى لا ترسل نوعا معينا من الأسلحة لعدم إرسالها، هي «استراتيجية خاطئة» وغير مفهومة بالنسبة إليه. وهدد رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافيكي بإرسال دبابات ليوبارد 2 كانت بولندا اشترتها من ألمانيا: «من دون إذن برلين»، وقال في مقابلة نقلت عنها صحف ألمانية، إن الحصول على موافقة ألمانيا هو «أمر ثانوي»، وإن بولندا ستقوم «بما هو مناسب».
ويقول شولتس إن ألمانيا «لن تسير منفردة» بتسليمها دبابات ليوبارد، في إشارة إلى استمرار رفض واشنطن اتخاذ خطوة مماثلة. وترفض واشنطن الأمر حتى الآن لأنها لا تريد إرسال دبابات لا يمكن للجيش الأوكراني صيانتها أو الحصول على قطع غيار لها. ولكن فرنسا وبريطانيا أعلنتا نيتهما إرسال دبابات محلية الصنع لأوكرانيا، من دون انتظار الولايات المتحدة.
حذّر الكرملين الخميس من أنّ تسليم الدول الغربية أوكرانيا أسلحة طويلة المدى قادرة على استهداف عمق الأراضي الروسية سيؤدّي إلى تصعيد خطير في النزاع المسلّح بين موسكو وكييف. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف: «هذا الأمر قد يكون خطراً جداً، سيعني ذلك أن النزاع سينتقل إلى مستوى جديد لا يشي بالخير للأمن الأوروبي».
وتتزايد الضغوط داخليا كذلك على الحكومة الألمانية. وقالت رئيسة لجنة الدفاع في البرلمان الألماني النائبة ماري أغنيس شتراك زيمر التي تنتمي للحزب الليبرالي المشارك في الحكومة، إنها تأمل أن يعلن بيستوريوس من رامشتاين عن موافقة ألمانيا على إرسال دبابات ليوبارد إلى أوكرانيا. وأضافت «علينا أن نتوخى الحذر ألا تصبح ألمانيا سببا في انقسام أوروبا».
وصرح خبير أمني ألماني بارز أنه يرى أن العالم بأسره ينتظر قرار برلين بهذا الخصوص. وقال الخبير الأمني فولفغانغ إيشينغر، الذي كان يرأس مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن، أمس الخميس لإذاعة ألمانيا، إنه لاحظ أن الجميع خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس «ينتظرون أن تعطي ألمانيا الضوء الأخضر لذلك فعليا - مع الولايات المتحدة الأميركية أو من دونها». وأوضح إيشينغر أن ذلك يعني توفير دبابات ليوبارد من جانب دول شريكة، وكذلك توريد دبابات من المخزون الألماني مباشرة لأوكرانيا، وقال إن القرار بهذا الشأن تأخر طويلا. وأضاف الخبير الأمني أنه لا يتعين على ألمانيا التخوف الآن من «اتخاذ إجراء أحادي الجانب» بعدما أعلنت بريطانيا وبولندا عزمهما توريد دبابات لأوكرانيا. ودعا إيشينغر أيضا للتخطيط لتقديم دعم لأوكرانيا على المدى الطويل، وأوضح أنه يجب ألا يقتصر التخطيط على الأسابيع القادمة فحسب، ولكن يجب أن يشمل الأشهر القادمة فيما يتراوح بين 6 و12 شهرا. وأشار إلى أن كل الإشارات تقول إن روسيا تستعد لحرب طويلة المدى، وشدد على ضرورة أن يتسنى للمرء الرد على ذلك.
وانتقد رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافيكي كذلك وزير الدفاع الألماني الجديد، وقال إنه لا يعرف الكثير عنه «ولكن ما أعرفه يخيفني، فهو صديق مقرب من رمز العام المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر، الشخص الذي يتحدث إلى بوتين كل الوقت وكأن شيئا لم يكن». ويثير استمرار شرودر رفضه إبعاد نفسه عن بوتين استياء كبيرا في ألمانيا، فهو ما زال عضو مجلس في مجلس إدارة نورد ستريم الروسية، وصديقا مقربا للرئيس الروسي. وحاول في بداية الحرب التوسط معه لإنهاء الحرب على أوكرانيا من دون نتيجة. وبقي في منصبه رافضا انتقاد بوتين أو الحديث علنا عن الحرب.
وبيستوريوس الذي ينتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي ينتمي إليه شرودر، كان روج في العام 2018 لرفع العقوبات عن روسيا المفروضة عليها منذ ضمها القرم. وقال إن العقوبات لا تؤدي إلى نتيجة، بل تؤثر على الاقتصاد الألماني وتؤذي العلاقات الثنائية. ولكن منذ بداية الحرب، أدان العملية الروسية بشكل واضح.
بدوره حذر حزب اليسار الألماني المعارض من توريد دبابات لأوكرانيا. وصرح رئيس الحزب مارتين شيرديفان أمس الخميس «عندما يشاهد المرء التهديد بالسلاح من جانب بعض السياسيين، يجب أن يتخوف المرء من أنه لن يستغرق الأمر فترة طويلة... إنني قلق للغاية بشأن النقاش الحالي وأتساءل إلى أين يتجه هذا». ودعا شيرديفان مجددا لاتباع مساع دبلوماسية من أجل إنهاء «الحرب الإجرامية الروسية ضد أوكرانيا»، وأضاف أنه أمر مروع أن يهيمن الطلب على المزيد من الأسلحة الثقيلة على النقاش حاليا في ألمانيا، وقال: «أتمنى أن يتم مع هذا الالتزام مناقشة الفرص المتوفرة للمبادرات الدبلوماسية والعقوبات الموجهة نحو هدف معين».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.