منافسات ساخنة في حفل جوائز «غولدن غلوبز»

استعادت حضورها ومنحت جوائزها للمرة الثمانين

ستيفن سبيلبرغ... «أفضل فيلم درامي»
ستيفن سبيلبرغ... «أفضل فيلم درامي»
TT

منافسات ساخنة في حفل جوائز «غولدن غلوبز»

ستيفن سبيلبرغ... «أفضل فيلم درامي»
ستيفن سبيلبرغ... «أفضل فيلم درامي»

في حفل كبير ودسم وزعت جمعية «ذا هوليوود فورين برس» جوائز غولدن غلوبز السنوية للمرة الثمانين منذ إنشائها سنة 1943.
لكن الاحتفال لم يكن مجرد احتفال معتاد. بل جاء احتفال العودة الرسمية إلى النشاط وتأكيد الحضور وتوفير المزج الفعلي بين الفن والترفيه. بين السينما ككل وبين الفيلم كأداة. الأهم، كان احتفالاً مزدوجاً: هو احتفال بتوزيع الجوائز لمن اختارتهم الجمعية من فائزين من ناحية واحتفاء بعودتها إلى النشاط بعد تلك العاصفة التي هبت عليها ودفعتها لتوزيع جوائز العام الماضي فيما يشبه التجمع المتواضع والخجول.

كيفن كوستنر فاز بجائزة أفضل ممثل في مسلسل درامي

كان على الجمعية، العام الحالي، بعد أن اتهمت بنعوت مختلفة بينها العنصرية والرشوة والنزاعات أن تُعيد طرح نفسها على أساس أن تكون أو لا تكون. أو كما يمكن استعارة المصطلح الإنجليزي To Make or Break، وهي خرجت فائزة كمراسم وكفاعلية مهمة في موسم الجوائز الحالي. لكن حجم المتابعة التلفزيونية هو ما سيتم التأكد منه عندما تخرج خلال اليوم (الخميس) أرقام المتابعين على محطة NBC. تلك الأرقام ستؤكد حجم المتابعة التي حظيت بها الحفلة في وقت تحاول فيه الجمعيات كلها تفادي فتور المشاهدين عن متابعتها. هذا بما في ذلك جمهور حفل الأوسكار الذي يوالي هبوطه من عام لآخر.

كايت بلانشت فازت عن دورها في «Tár»

في هذا النطاق، أعلنت جمعية «ممثلو الشاشة» (Screen Actors Guild) عن عدم بث حفلتها المقبلة (في غضون الأسابيع القليلة المقبلة) على الشاشة الصغيرة كما اعتادت.
حفل الـ«غولدن غلوبز» هو أيضاً بداية طريق صوب مستقبل غير محدد. العقد المبرم بين (NBC) والجمعية لنقل وقائع الحفل انتهى مع إسدال الستار على احتفال أول من أمس. هل ستعمد المحطة إلى تجديد العقد؟ هل ستتنافس على الفرصة محطات أخرى؟ الأرقام المنتظرة ستكون بمثابة الفيصل في هذا الشأن. إن ارتفعت بقيت الجمعية على الهواء المباشر. إذا لم تفعل، تحولت إلى خبر صحافي مكتوب.
تجنباً لنهاية وخيمة كهذه، رفعت جمعية الصحافة الأجنبية عدد المنتسبين ليصبح 96 عضواً (زيادة طفيفة عما كان الوضع عليه)، ومن ثَم قبول تصويت 103 من غير الأعضاء من نقاد وصحافيين عالميين. ذلك أن أحد الاتهامات التي تداولتها بعض الجهات الإعلامية كانت أن الجمعية تشبه النادي الخاص بعدد محدود من الأعضاء ما يعني أن جوائز «غولدن غلوبز» ليست تماماً بتلك الأهمية.

«أرجنتينا 1985» أفضل فيلم أجنبي

كثير مما قيل بحق الجمعية كان خطأ ونابعاً من روح المنافسة أو الغيرة على المكانة التي أنجزتها الجمعية خلال سنواتها المديدة. ليس أنها لم تكن تحتاج إلى تصويب وترتيب بيت، لكن بعض التهم كانت تنطق بوضوح برغبة مطلقيها بإسكات الجمعية مرة واحدة وإلى الأبد.
خصائص فنية
حفل أول من أمس (الثلاثاء) كان تحدياً، ومن لبى دعوة الحضور أعلن بطريقة غير مباشرة رضاه عن التوجه الاحترافي الجديد للجمعية وشاركها رغبتها في فتح صفحة جديدة وأكثر جدية. نتيجة التحدي أن الحفل لم يخل من وجوه وأسماء الصف الأول من الممثلين والمخرجين سواء من بين المرشحين أو من بين المقدمين: أوستن بتلر (الممثل الأول في Elvis)، هيو جاكمان (عن The Son)، راف فاينس (The Menu)، أوليفيا كولمن (Empire of the Light)، ميشيل يوه (Everything Everywhere all at Once) وعشرات آخرين. بذلك فإن جدار المقاطعة الهوليوودية المعلنة سابقاً تهاوى بكامله أو بمعظمه.
ما عزز رغبة هوليوود بقبول عودة الجمعية إلى أحضانها قيام المخرج ستيفن سبيلبرغ بقبول دعوة الحضور ما جعل استقطاب الأسماء الكبيرة الأخرى أسهل مما بدا عليه الأمر قبل أشهر قليلة.
فيلم سبيلبرغ الجديد «The Fablemans» كان العمل الذي انتزع جائزة غولدن غلوب كأفضل فيلم درامي. جاوره، في نطاق جائزة أفضل فيلم كوميدي « جنيّات إنشِرين» الآيرلندي للمخرج مارتن مكدونا. وفي حين خرجت ميشيل يوه بـ«غولدن غلوب» أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو ميوزيكال عن «كل شيء كل مكان كله في وقت واحد» نال البريطاني كولِن فارل الجائزة نفسها في المسابقة الرجالية. من بين الفائزين في الدراما أوستن بتلر عن «ألفيس» وكايت بلانشت عن «Tár». جميع هؤلاء كانوا من بين من لم يتأخر عن قبول دعوة الحضور. كذلك حضر الممثل إيدي مورفي الحفل حيث مٌنح جائزة سيسيل ب. دَميل الخاصة.
حين النظر إلى الخصائص الفنية للنتائج فإن تباين الآراء بمن استحق ومن لم يستحق أو توسط المسافة بين الاستحقاق وعدمه يصبح أساسياً.
الحال أن «ذا فابلمانز» لسبيلبرغ لم يكن أفضل أفلام سبيلبرغ وبالكاد أفضل من منافسه الأول في قائمة أفضل فيلم درامي وهو «أفاتار: طريق الماء». يتكلم الناقد هنا عن الجهد المبذول والإدارة الجمعية لكل عناصر العمل من زاوية جهد جيمس كاميرون مقابل ما قام به سبيلبرغ.
على صعيد الفيلم الكوميدي أو الموسيقي فإن المنافسة الكبيرة كانت متساوية بين « جنيّات إنشِرين» لمارتن مكدونا وبين «بابلون» لداميان شازيل. فوز مكدونا مستحق لأن البساطة التي تحركت فيها وبها أحداث فيلمه لم تكن إنجازاً سهلاً. ومن بين الأفلام المشتركة في هذه المسابقة (الثلاثة الأخرى هي «كل شيء...» و«غلاس أونيون: لغز سكاكين مسلولة» (Glass Onion‪:‬ Knives Out Mystery) و«مثلث الحزن» (Triangle of Sadness) (وهو إنتاج شاركت فيه 10 دول أولها السويد) لم يكن هناك ما جاوز «جنيّات إنشِرين» مناعة وبراعة.
فوز غير سهل
وبينما نالت كايت بلانشت جائزة أفضل ممثلة في دور درامي عن دورها البارع في Tár عنوة عن ميشيل ويليامز عن «ذا فابلمانز» وآنا دي أرماس (Blonde) وأوليفيا كولمن «إمبراطورية الضوء» وفيولا ديفيز (The Woman King)، فضل المصوّتون أن تذهب جائزة أفضل ممثل في دور درامي إلى الوجه الجديد أوستن بتلر. فوزه أطاح بجهود جيريمي بوب (عن The Inspection) وبيل ناي (Living) وهيو جاكمان (The Son) و- خصوصاً - برندان فريزر عن «الحوت»، الذي لم يكن فقط الفيلم الذي أقبل عليه فرايزر بحماس كبير فأضاف إلى وزنه ليجسد شخصية الأستاذ البدين الذي لا يوجد في الأفق ما سيساعده على وقف نهمه للطعام فقط، بل كان بمثابة فيلم العودة إلى الأضواء بعد غياب كذلك.
المقابل الكوميدي للممثلات في دور أول فيه ما يخدش منطق الناقد عموماً. في «كل شيء كل مكان...» هل لعبت ميشيل يوه دوراً أفضل من ذاك الذي أدّته لسلي مانفيل في «ميسز هاريس تذهب إلى باريس» (Mrs‪.‬ Harris Goes to Paris)؟ أو إيما تومسون عن «حظ سعيد يا ليو غراند» (Good Luck to You‪، ‬ Leo Grande)؟.
رجالياً في المضمار نفسه، جاء أداء كولِن فارل في «جنيّات إنشِرين» متماسكاً ورصيناً (أفضل من العديد من أداءاته السابقة) وساعدته طبيعة الفيلم السهلة الممتنعة في تجسيد الدور من دون هفوات.
حين الانتقال إلى الأدوار المساندة (حيث لا تفريق بين أفلام درامية أو كوميدية) خرجت أنجيلا باسيت بالجائزة عن دورها في (Black Panther‪:‬ Wakanda Forever). لم يكن فوزاً سهلاً إذ جاورتها في المنافسة كيري كوندون عن أدائها الملحوظ في «جنيّات إنشِرين» وكاري موليغن عن دورها في «هي قالت» (She Said). جايمي لي كيرتس كان حضوره كوميدياً لافتاً في «كل شيء. كل مكان...» كذلك دولي دي ليون في «مثلث الحزن».
رجالياً نال الغولدن غلوب كأفضل ممثل مساند كي هاي كوان عن «كل شيء...» لكنه لم يكن في الواقع أفضل من برندان غليسون في «جنيّات إنشِرين» أو براد بت في «بابلون» أو إيدي ردماين عن «الممرض الجيد» (The Good Nurse).
في مجال الإخراج خطف سبيلبرغ الجائزة عن «ذا فابلمانز»، كما ذكرنا، تاركاً منافسيه يستنشقون غبار الهزيمة وهم جيمس كاميرون ودانيال كواين مع دانيال شاينرت مخرجي «كل شيء...»، وباز لورمان عن «ألفيس» الذي، للمصادفة كان أفضل أفلامه من «مولان روج» وصاعداً. منافس قوي آخر لجانب كاميرون ضد سبيلبرغ كان مارتن مكدونا عن فيلمه الآيرلندي المذكور.

أجنبية وتلفزيونية
ماكدونا عوّض ذلك بالفوز بغولدن غلوب أفضل سيناريو متجاوزاً سبيلبرغ وتوني كوشنر عن كتابتهما لفيلم «ذا فابلمانز»، وتود فيلد عن «تار»، ودانيال كواين ودانيال شاينرت عن «كل شيء...» والنص الجيد الذي كتبته سارا بولي عن «نساء تتحدث» (Women Talking).
كان هناك تنافس قوي بين تلك الأفلام غير الناطقة بالإنجليزية قادها «كله هادئ على الجبهة الغربية» (All Queit on the Western Front) للألماني إدوارد بيرغر، و«أرجنتينا 1885» لسانتياغو متري (أرجنتيني)، و«كلوز» (Close) للوكاس دونت (بلجيكا)، و«قرار بالمغادرة» لبارك تشان - ووك (كوريا الجنوبية)، و«RRR» لأس أس راجامولي (الهند)، هذا قبل أن تذهب للفيلم الأرجنتيني ذي الطابع السياسي والمصنوع بإلمام جيد.
في نطاق أفلام الرسوم (أنيميشن) نال غويلرمو دل تورو ما يستحقه عندما خطف جائزة هذا القسم عن فيلمه «بينوكيو».
الجزء التلفزيوني من جوائز «غولدن غلوبز» ذهبت إلى «منزل التنين» (House of the Dragon) كأفضل مسلسل درامي، و«أبوت إليمنتاري» (Abbott Elementary) في نطاق المسلسل الكوميدي.

الممثلات الفائزات تلفزيونياً هن:
* أفضل ممثلة في مسلسل درامي: زندايا عن «يوفوريا» (Euphoria).
* أفضل ممثلة عن مسلسل كوميدي أو ميوزيكال: كوينتا برنسون عن (Abbott Elementary).
* أفضل ممثلة في مسلسل قصير: أماندا سيرفرايد عن (The Dropout).
* أفضل ممثلة في دور مساند في مسلسل قصير أو فيلم مصنوع للتلفزيون: جنيفر كوليدح عن (The White Lotus).
* أفضل ممثلة في دور مساند في مسلسل كوميدي أو درامي: جولا غارنر عن (Ozark).

الممثلون الفائزون تلفزيونياً:
* أفضل ممثل في مسلسل درامي: كيفن كوستنر عن (Yellowtone).
* أفضل ممثل في مسلسل كوميدي: جيريمي ألن وايت عن (The Bear).
* أفضل ممثل في مسلسل قصير أو فيلم مصنوع للتلفزيون: إيفان بيترز عن (The Jeffrey Dahmer Story).
* أفضل ممثل في دور مساند في مسلسل قصير أو فيلم مصنوع للتلفزيون: بول وولتر هاوز عن (Black Birdd).
* أفضل ممثل في دور مساند في مسلسل كوميدي أو درامي: تايلر جيمس وليامز عن (Abbott Elementary).



القوات الهندية تقتل 3 يُشتبه بأنهم متمردون في كشمير

عناصر من الشرطة الهندية  في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الهندية في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
TT

القوات الهندية تقتل 3 يُشتبه بأنهم متمردون في كشمير

عناصر من الشرطة الهندية  في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الهندية في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)

أسفرت اشتباكات، أمس (الأحد)، بين قوات أمنية ومسلحين في الشطر الهندي من كشمير، عن مقتل 3 أشخاص يُشتبه في أنهم متمردون،، وفق ما أعلن الجيش الهندي، في حادثة هي الثانية من نوعها في هذه المنطقة المتنازع عليها هذا الشهر.

جاء في بيان للجيش أن ثلاثة مسلحين قُتلوا خلال عملية عسكرية في منطقة كيشتوار، بعد تلقيه معلومات استخباراتية «موثوقة» عن وجود متمردين في المنطقة.

وأضاف البيان أن قوات الأمن عثرت على أسلحة في الموقع.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قُتل ثلاثة مسلحين في عملية عسكرية أخرى في الشطر الهندي من كشمير.

وكشمير مقسومة بين الهند وباكستان منذ استقلالهما عن الحكم البريطاني عام 1947. وتطالب كل منهما بالسيادة الكاملة على الإقليم الواقع في جبال الهيمالايا.

وتخوض جماعات منذ 35 عاماً تمرداً في الشطر الهندي من كشمير، مطالبةً باستقلال الإقليم أو ضمه إلى باكستان.

وتتّهم الهند باكستان بتسليح وتدريب المجموعات المسلحة في كشمير، في اتهامات تنفيها إسلام آباد.

وأسفر هذا الصراع عن مقتل عشرات الآلاف، معظمهم مدنيون، وتصاعد في بعض الأحيان إلى اشتباكات مسلحة بين الهند وباكستان.

والعام الماضي، قُتل 26 مدنياً معظمهم هندوس في موقع باهلغام السياحي في الشطر الهندي من كشمير، ما أفضى إلى اشتباكات مع باكستان.

واتّهمت الحكومة الهندية باكستان بالوقوف وراء الهجوم، وهو ما نفته إسلام آباد.


4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
TT

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)

في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو (أيار) 1950، خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية، التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم للسوق الأوروبية المشتركة وبعدها للاتحاد الأوروبي، قال جان مونّيه، أحد «آباء أوروبا الأربعة» (إلى جانب كونراد أديناور وروبرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

انقضت 75 سنة على تلك العبارة التي أكّدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي، ليخرج منها بقفزات نوعيّة رسّخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو المزيد من الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح الذي قام ليكون سدّاً منيعاً في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزماً سياسياً» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.

معادلة الاقتصاد والسياسة

لا يختلف اثنان في أوروبا على أن فشل المشروع الأوروبي حتى الآن في معادلة قوته الاقتصادية بالنفوذ السياسي الذي يتناسب معها، يعود لسببين: الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل للإدارة المشتركة عن صلاحيات في السياسة الخارجية. والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحّدة وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي وأوامره.

لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية - الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة المنافسين والخصوم.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ كانت بمثابة تلاوة الفاتحة على جثمان النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الأخيرة، كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمّام أمان للأوروبيين وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيداً عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلاقات، وأظهرت عزماً واضحاً على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، لتتجاوزه إلى العلاقات التجارية والسياسية.

أوكرانيا تُفجّر الخلافات

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت بلدان الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا، لمساعدة الجيش الأوكراني في مجهوده لصدّ الهجمات الروسية. وتفيد المصادر الرسمية الأوروبية بأن مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) 2022 حتى اليوم، يزيد على 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها البرلمان الأوروبي منذ أيام بمقدار 94 مليار دولار.

هذا المجهود الضخم كانت له، ولا تزال، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ تنامت الجهات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير على هامش مشاركته بمؤتمر الأمن في العاصمة البافارية (د.ب.أ)

لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على مغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى افتراص هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة يكون المدماك الأخير الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغته الفيدرالية.

وكان لافتاً ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، أن تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، هي دون الكلفة السنوية المفترضة في حال نصر روسي محتمل وحرب ضد الحلف الأطلسي، علماً بأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير.

«عطلة تاريخية طويلة»

كان التقرير المذكور صدر عشيّة مؤتمر ميونيخ الذي ما زالت تتردد في أصدائه التصريحات «الديغولية»، التي أدلى بها المستشار الألماني فردريك ميرتس عندما قال: «إن النظام العالمي الذي كان قائماً طيلة عقود لم يعد موجوداً... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفاً عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية أوروبية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي، ودعا إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية.

لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس، وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضاً المفاوضات التي تدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.

وأرسل الرئيس الفرنسي أكثر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتاً، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجدداً إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ مؤخراً: «لسنا بحاجة إلى 27 جيشاً قوياً، بل إلى 27 دولة عضواً في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة للدفاع».

جانب من اجتماع الجانبين الألماني والصيني في ميونيخ يوم 14 فبراير (رويترز)

وقد علمت «الشرق الأوسط» أنه برغم تحفظات بعض الدول على فكرة الجيش المشترك، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية هذا الملف الحسّاس سياسياً، كان موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة مطروحاً، للمرة الأولى، على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع هذا الشهر.

وذكّر أحد الوزراء المشاركين في ذلك الاجتماع، بأن فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، وهي طرحت لأول مرة عام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية»، لكنها لم تشهد النور يومها بسببٍ من رفض فرنسا القاطع لها. فرنسا التي هي اليوم، إلى جانب ألمانيا، أكثر الدول تحمساً لها. وثمّة من ذهب إلى القول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية، وساذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا».


زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة، وذلك في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وفي حديثه من كييف، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قبيل الذكرى الرابعة للصراع بين روسيا وأوكرانيا، يوم الثلاثاء، قال زيلينسكي إن رؤيته للصراع تختلف عن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوضح زيلينسكي، في المقابلة التي ترجمتها «بي بي سي» من الأوكرانية إلى الإنجليزية ونُشرت في وقت متأخر من يوم الأحد بتوقيت لندن: «لدينا وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالحرب العالمية الثالثة. أعتقد أن بوتين قد بدأها بالفعل. السؤال هو ما مساحة الأراضي التي سيتمكن من الاستيلاء عليها وكيف يمكن إيقافه».

ومضى زيلينسكي قائلاً إن «روسيا تريد أن تفرض على العالم أسلوب حياة مختلفاً، وتُغير الحياة التي اختارها الناس لأنفسهم، لذلك، أنا أؤمن، وقد آمنت لفترة طويلة، بأن بوتين قد بدأ، بالفعل، هذه الحرب، ونحن نمنعها من أن تصبح حرباً عالمية ثالثة واسعة النطاق»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

كما ذكر الزعيم الأوكراني أنه يُعوّل على ضمانات أمنية موثوقة من الولايات المتحدة لبلاده لا تعتمد فقط على إرادة الرئيس الأميركي.

وقال زيلينسكي، عندما سئل عما إذا كان يثق في ترمب: «بصفتنا رؤساء، لدينا فترات ولاية محددة. نحن نريد ضمانات لمدة 30 عاماً، على سبيل المثال. هناك حاجة للكونغرس. الرؤساء يتغيرون، لكن المؤسسات تبقى».

وشدد زيلينسكي أيضاً على أن الهدف على المدى الطويل هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا منذ بداية الحرب، والعودة إلى حدود أوكرانيا التي تأسست عام 1991؛ عام استقلالها. ورأى أن تحقيق هذا الهدف مجرد مسألة وقت، ولكنه ليس ممكناً في الوقت الحاضر.

وقال الزعيم الأوكراني: «القيام بذلك، اليوم، يعني فقدان عدد هائل من الناس، الملايين من الناس؛ لأن الجيش الروسي كبير، ونحن ندرك تكلفة مثل هذه الخطوات. لن يكون لدينا ما يكفي من الناس، كما أننا لا نملك كمية كافية من الأسلحة، وهذا لا يعتمد علينا فقط، بل على شركائنا».