سياسيون يمنيون: الانقلابيون باتوا ضعفاء.. والخيار العسكري سينقذ اليمن

في ضوء تحرير عدن من الميليشيات الحوثية وقوات صالح

المقاومة الشعبية اليمنية مقاتلو ضد الحوثيين يتجمعون في أحد الأحياء الرئيسية بمدينة عدن احتفالا بانتصارهم وتحريرهم المدينة الجنوبية من المغتصبين المتمردين (أ.ف.ب)
المقاومة الشعبية اليمنية مقاتلو ضد الحوثيين يتجمعون في أحد الأحياء الرئيسية بمدينة عدن احتفالا بانتصارهم وتحريرهم المدينة الجنوبية من المغتصبين المتمردين (أ.ف.ب)
TT

سياسيون يمنيون: الانقلابيون باتوا ضعفاء.. والخيار العسكري سينقذ اليمن

المقاومة الشعبية اليمنية مقاتلو ضد الحوثيين يتجمعون في أحد الأحياء الرئيسية بمدينة عدن احتفالا بانتصارهم وتحريرهم المدينة الجنوبية من المغتصبين المتمردين (أ.ف.ب)
المقاومة الشعبية اليمنية مقاتلو ضد الحوثيين يتجمعون في أحد الأحياء الرئيسية بمدينة عدن احتفالا بانتصارهم وتحريرهم المدينة الجنوبية من المغتصبين المتمردين (أ.ف.ب)

دخل اليمن مرحلة جديدة من التطورات السياسية والعسكرية، وذلك عقب تحرير مدينة عدن، بصورة كاملة، من ميليشيات الحوثيين والقوات الموالية للمخلوع علي عبد الله صالح، وكان اليمن وصل إلى طريق مسدود قبل عملية «السهم الذهبي» التي دحرت تلك الميليشيات من عدن، بعد أن باتت مدمرة جراء تلك التطورات، مثلت عملية تحرير عدن تطورا مهما في مجرى التطورات في الساحة اليمنية، بعد أن كانت الأعمال العسكرية تراوح مكانها، حيث لم يكن أي طرف، من طرفي الصراع، قادرا على تحقيق تقدم يذكر، قبل هذه العملية، التي نفذتها القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي والمقاومة الشعبية، بدعم كبير من قبل قوات التحالف، وفي هذا السياق، تتسع رقعة الرفض الشعبي للميليشيات الحوثية، بدليل اتساع رقعة عمليات المقاومة في كثير من المحافظات، وبينها العاصمة صنعاء، وتضم هذه المقاومة مقاتلين من قوى سياسية وقبلية واجتماعية، يرفضون الانقلاب وسيطرة الحوثيين على زمام السلطة لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بعدم شرعية ما أقدم عليه الحوثيون وعدم الانصياع لحكم فئة مذهبية على كافة التراب اليمني، وكذا رفض الكثير من القوى للتدخلات الخارجية والهيمنة الإيرانية على اليمن، من خلال جماعة الحوثي، التي لم يعد هناك أدنى شك في ارتباطها الوثيق بإيران، والطرف الآخر في الصراع، وهم الميليشيات الحوثية وجناحها السياسي حركة «أنصار الله» الحوثية وزعيم الميليشيات، عبد الملك بدر الدين الحوثي، والقوات العسكرية المتمردة على الشرعية الدستورية والموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
ومن خلال استعراض مجريات التطورات الميدانية، في الوقت الحالي وما سبقها من تصعيد سياسي وإعلامي وتحركات ميدانية غير معلنة، يتضح أن الحكومة اليمنية وقوات التحالف والمقاومة، درست، بشكل جيد، إمكانات المتمردين الحوثيين وتحركاتهم وأهدافهم، خلال الأشهر الماضية، التي بينت أن هذه الحرب كان يجري التحضير لها من قبل الحوثيين وصالح منذ فترة طويلة وتستهدف، بدرجة رئيسية، جنوب البلاد وتعز ومأرب وباقي المناطق التي كان الحوثيون يعرفون تماما أنها لن تخضع لهم بسهولة، ولذلك، وحتى اللحظة، لم يستطع الحوثيون حسم المعركة في عدن واندحروا منها، وكذا تعز ومأرب، حيث يجدون مقاومة شرسة من كافة القوى المحلية التي تحالفت لمواجهة ما يصفونه بالتعبير الدارج بـ«غزو الحوافيش»، أي ميليشيات الحوثي وقوات علي صالح ولقب عائلته «عفاش»، هذا عوضا عن أن هذه القوات المتحالفة والغازية، لحقت بها هزيمة نكراء في محافظة الضالع الجنوبية التي أجبرتهم على الانسحاب من عاصمة المحافظة، حتى قبل أن يسيطروا عليها بشكل كاملة، نحو المناطق الحدودية السابقة بين شطري البلاد، الشمالي والجنوبي، وتحديدا في منطقة سناح، التي تشهد المواجهات، في الوقت الراهن بمحافظة الضالع وهي (سناح) كانت منطقة ومنفذا حدوديا بين الشمال والجنوب قبل قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وما زالت المواجهات في تلك المناطق الجنوبية وفي تعز ومأرب والبيضاء والضالع، هي عبارة عن عمليات كر وفر، ولم يستطع الحوثيون السيطرة ووضع القوى المحلية ودول المنطقة والعالم أمام «الأمر الواقع»، فيما تصمد المقاومة الشعبية أمام القوات المهاجمة.
وبحسب المراقبين في الساحة اليمنية، فإن أبرز إنجازات وحسنات تدخل دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، هي الحد من الاندفاع الشره لميلشيات الحوثيين وقوات صالح نحو ابتلاع كافة المحافظات اليمنية وإخضاعها لسيطرتهم، وكشفها عن المخزون الهائل من الأسلحة والذخائر التي كدسها صالح خلال عقود حكمه التي تجاوزت الثلاثة، في كثير من المناطق والمحافظات، وبالأخص في العاصمة صنعاء، حيث فوجئ المواطنون اليمنيون بأن كافة الجبال المحيطة بالعاصمة هي عبارة عن معسكرات غير رسمية ومخازن سرية لترسانة مهولة من السلاح والذخيرة، ويؤكد سياسيون يمنيون أن التدخل البري، وإن كان من قوات يمنية مدربة، في عدن أنجز المهم بسرعة فائقة، ويشدد المراقبون على صحة الطروحات السابقة بأن عمليات قوات التحالف الجوية لا تكفي لدحر هذه الميليشيات، بل إن هناك من يشدد على مطالب ملحة ومتواصلة بضرورة تدخل بري سريع وعاجل، بعد عدن، في جبهات قتالية أخرى، ويقول نجيب غلاب، رئيس منتدى الجزيرة والخليج للدراسات لـ«الشرق الأوسط» إن «بنك الأهداف تم ضربها وجناحي الانقلاب في حالة رعب من الضربات التي أفشلت مشروعهم وحاصرته وخففت اندفاعاتهم في إخضاع الشعب وما زالت تسند المقاومة وتستنزف قوتهم وأصبحت القيادات في دائرة الاستهداف وهذا أنتج حصارا وضغطا عليهم»، ويضيف أن «الطيران ليس إلا أداة في هذه الحرب وهناك خطط تتحرك وتنمو لإنهاء الانقلاب وتفكيك الميليشيات ولن تتوقف الحرب إلا بتطبيق مقررات مجلس الأمن باعتبارها الحل الوحيد لتحقيق السلام في اليمن».
ويرى المراقبون أن التطورات التي جرت في عدن، غيرت وقلبت الكثير من الموازين، فيما يتعلق بالحوار أو التسوية السياسية والمساعي الأممية في هذا الاتجاه، ويقول نجيب غلاب إن «جناحي الانقلاب لن يتمكنا من فرض أي سيطرة ووصل مشروعهم الانقلابي إلى فشل تام وكل الطرق لأي نصر مسدودة، والتناقضات الداخلية في صنعاء أصبحت مشكلة في تقديم التنازلات وأصبحت الحرب الدائمة حلا لتأجيل الصراع بين أطراف الانقلاب وكلما استمرت حربهم تم استنزافهم ويراهنون على المأساة الإنسانية كعامل إنقاذ لهم، فاليمن تحول إلى رهينة بأيدي قوى بلا أمل في النجاة، كما يراهنون على عقد صفقات إلا أن الثقة منعدمة بعد تخريبهم للعملية السياسية وعجزهم عن إدارة الدولة، ووجود رفض شعبي، ليست المقاومة الشعبية إلا أبرز وجوده هذا الرفض، أما الكتل الشعبية الصامتة، التي يعتقد الحوثيون أنها بيئة حاضنة، فتنتظر انكسار شوكة الميليشيات لتعبر عن غضبها ولتحرير نفسها من هذه الجائحة الخبيثة التي دمرت الدولة والتعايش الوطني وأدخلت الشعب في حروب عبثية نتائجها كارثية على اليمن دولة ومجتمع».
وفي ضوء التطورات الجديدة، يراهن كثيرون على الحسم العسكري، وقال فؤاد راشد، أمين سر المجلس الأعلى للحراك الجنوبي في اليمن إنهم متفائلون «في الجنوب بحسم المعركة في الفترة المقبلة، ربما تطول قليلا بسب عدم التكافؤ، وذلك من خلال تجهيز الدفع العسكرية الجنوبية المتدربة، ولا سيما أن الأرض تقاتل معنا غريبا يهدد هويتها ويشهر الموت في وجوه أهلها»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن التدخل العربي من خلال عاصفة الحزم وإعادة الأمل حقيقة أنقذ شعب الجنوب من إبادة كاملة واقعة قاب قوسين أو أدنى كما أنه أربك العدو وأوقف تقدمه البشري الهائل ودمر كامل عتاده العسكري وشعب الجنوب لن ينسى للتحالف وبالأخص المملكة العربية السعودية دورها القومي والإنساني في ترؤسها التحالف لوقف عدوان الميلشيات ضد الجنوب والأبرياء من الناس في الشمال على حد سواء»، ويؤكد أن «المؤشرات الحالية حسب قراءتنا لها، بالإضافة إلى مصادر معلوماتنا تؤكد أن ميلشيات الحوثي وعلي صالح في حالة ضعف شديدة وانهيار كامل وعلى المدى القريب ستنهزم في باقي محافظات الجنوب».
هذا ويلمس المواطن اليمني العادي، نوعا من التساهل والتراخي الغربي مع جماعة الحوثي، رغم شعاراتها التي تدعو بالموت لأميركا وإسرائيل واتهامها الدائم للولايات المتحدة بالمشاركة في القصف الذي تنفذه قوات التحالف، وهنا يقول نجيب غلاب إن «القراءات الغربية وبالذات الأميركية للمسألة اليمنية وكذلك قراءات الأمم المتحدة، فيها خلل وليس هذا الفشل إلا نتاجا للأخطاء الأميركية وتوظيف الأمم المتحدة لتنفيذ أجندات لا علاقة لها بالسلام ولا بالمصالح اليمنية ومن يتابع طريقتهم من بداية 2011، حتى اللحظة، سيجد أنهم جزء من المشكلة وعائق أساسي أمام التغيير، وكلما تم تجريف العملية السياسية لا نجد أي أعمال أو مبادرات لحمايتها وإنما التورط في دعم وتشجيع القوى التي تخرب الانتقال السياسي»، ويؤكد الباحث اليمني غلاب أن التحالف العربي «هو القوة الضاغطة لتعديل تلك السياسات التي ما زالت فاعلة ولم تستوعب أخطاءها»، وأنه «لا خيار أمام التحالف العربي والحكومة الشرعية إلا البناء على الإنجازات التي تم تحقيقها والوصول بها إلى مآلاتها النهائية حتى نتمكن من تحرير اليمن وإنقاذه»، ثم يعبر عن اعتقاده بأن القرار الأممي (2216)، يمثل «منطلقا للحل وفي حالة إصرار جناحي الانقلاب على إعاقته فإن الخيارات ستظل مفتوحة ولدى التحالف العربي فائض قوة دبلوماسية ومالية وعسكرية وإنجازات لتفعيل القرار وتدعيمه بقرارات أخرى لإنجاز المهمة».



هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».


خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
TT

خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)

ارتفعت حصيلة ضحايا السيول في تونس إلى خمسة قتلى بعد ثلاثة أيام من هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، ما تسبب أيضاً في أضرار مادية في عدة ولايات مع استمرار تعليق التعليم في المدارس والجامعات، على ما أفاد مسؤول بالحماية المدنية الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الحماية المدنية خليل المشري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحصيلة «ارتفعت إلى خمسة قتلى».

وأوضح أن الفرق نفذت 466 عملية ضخ مياه، وساعدت 350 شخصاً على العبور في مناطق غمرتها مياه السيول.

وتم العثور على أحد الصيادين، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين، بعدما أبحروا الاثنين من سواحل طبلبة قرب المنستير، وفقاً لإذاعة محلية.

وأكد المشري أن التقلبات الجوية ستتواصل على مستوى العديد من المحافظات ولكن «بأقل حدة ودرجة اليقظة والانتباه تبقى مرتفعة».

وزار الرئيس قيس سعيّد مناطق متضررة الثلاثاء على ما نقلت وسائل إعلام محلية.

ويتم تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر منازل وسيارات غمرتها مياه الأمطار، إلى جانب نداءات استغاثة من مواطنين عالقين في المياه، ولا سيما في العاصمة تونس.

واستمر تعليق الدروس لليوم الثاني في المدارس الرسمية والخاصة والجامعات في 15 من الولايات الـ24 للبلاد، بسبب الأحوال الجوية.

والثلاثاء، أكد مدير التوقعات في المعهد الوطني للرصد الجوي عبد الرزاق رحال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سجلنا كميات استثنائية من الأمطار خلال يناير (كانون الثاني)» في مناطق مثل المنستير (وسط شرق) ونابل (شمال شرق) وتونس الكبرى.

وأوضح أن تلك المناطق لم تسجّل كميات مماثلة منذ عام 1950.

ورغم أن هذه الأمطار تُعدّ قياسية، فإن مشهد الشوارع المغمورة بالمياه بعد هطول أمطار غزيرة مألوف في البلاد، وذلك بسبب سوء حالة غالبية البنى التحتية.

وغالباً ما تكون أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار قديمة أو غير كافية أو سيئة الصيانة، لا سيما في المناطق الحضرية السريعة التوسع.

كما أن التوسع الحضري السريع وغير المنظم أحياناً، زاد من جريان المياه السطحية، في حين يعيق انسداد القنوات تصريف المياه.

وتأتي هذه الأمطار في وقت شهدت تونس في السنوات الأخيرة فترات جفاف طويلة تفاقمت بفعل التغير المناخي وترافقت مع تراجع كبير في مخزون السدود.

في الجزائر المجاورة، تسبب الطقس السيئ خلال الأيام الماضية في وفاة شخصين، رجل يبلغ نحو 60 عاماً عُثر عليه في منطقة غليزان (غرب)، وطفلة جرفتها السيول في الشلف، على بُعد 200 كلم غرب الجزائر العاصمة، وفقاً للحماية المدنية.

وفي غليزان وكذلك في الجزائر العاصمة وتيبازة، غمرت المياه أحياء بكاملها وانقطعت طرق عدة بسبب الفيضانات.